واشنطن تقتل البغدادى وأكاذيب «تمويل» ثورتَى بيروت وبغداد - المواقع العربيه - بوابة الشروق
الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 1:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

واشنطن تقتل البغدادى وأكاذيب «تمويل» ثورتَى بيروت وبغداد

نشر فى : الأربعاء 30 أكتوبر 2019 - 10:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 30 أكتوبر 2019 - 10:20 م

نشر موقع درج مقالا للكاتب حازم الأمين نعرض منه ما يلى:
فيما يترنح نظاما «النصر على داعش» فى بغداد وفى بيروت جراء تظاهرات تطالب بإسقاطهما، أقدمت طائرة أمريكية على قتل أبى بكر البغدادى فى بلدة باريشا فى محافظة إدلب السورية. العلاقة بين حدثى التظاهرات وقتل زعيم «داعش» تقتصر على بعد رمزى، لكنها تذكر بأن النصاب السياسى الذى نشأ فى موازاة «الانتصارات على داعش» انطوى على قدر من الفشل والفساد والارتهان، وكشف أن الأنظمة التى خاضت «الحرب على داعش» وثبتت سلطتها فى ظلها، سرعان ما اصطدمت بالشرائح الاجتماعية التى ادعت تمثيلها.
البعد الرمزى لمقتل البغدادى، بين ثورتى بيروت وبغداد، تولى تكثيف الحقيقة بما يتعلق بأنظمة «النصر على داعش»، وما حمله هذا «النصر» من أوهام. فهو ما كان له أن يتحقق فى سوريا وفى العراق من دون واشنطن، وهو على الرغم من تحوله شعارا للأنظمة المنبثقة عن هذا «النصر» سواء فى لبنان أو فى العراق، حمل من الادعاء بقدر ما حمل من الفساد، لكنه أيضا ترافق مع مفارقات مذهلة، من نوع أن يقاتل الأمريكيون إلى جانب الإيرانيين فى الموصل، وأن يرعى «حزب الله» عملية «فجر الجرود» التى نفذها الجيش اللبنانى ضد جيوب «داعش» على الحدود مع لبنان، مستعينا بخرائط جوية أمريكية.
لكن المفارقة الأشد فتكا بالخيال هى أن تتهم انتفاضتا بيروت وبغداد بعلاقتهما بواشنطن التى قتلت البغدادى، عدو النظامين اللبنانى والعراقى. المعادلة لا قيمة لها سوى عدم احترامها ذكاء من يسعى هذا الكلام إلى مخاطبته! ثم إن هذا الخطاب ذهب فى قلة احترامه ذكاء من توجه إليهم إلى أن الانتفاضة فى البلدين ممولة من قطر والسعودية مجتمعتين، فى حين يعلم الجميع أنه من المستحيل أن تلتقى الدوحة والرياض على هدف أو على خطة.
ما يجمع انتفاضتا العراق ولبنان يبدو مذهلا. الفساد يكاد يكون واحدا فى البلدين، والرعاية الإيرانية لنظام الفساد أيضا، وخطابا «التوبة الزائفة» اللذان صدرا عن رئيسى الحكومتين يبدوان متطابقين، بحيث يُشعرك سماعهما بأنك حيال حكومة واحدة وفساد واحد، وفشل تشترك فيه الوزارات، بحيث تمكننا توءمة الفشل على نحو ما تقدم فى المدن الناجحة وتوءمة نجاحها. قصة الكهرباء فى العراق تشبه قصة اللبنانيين مع الكهرباء، وقصتهم مع تلوث الأنهار هى نفسها، وقصتهم مع الحشد الشعبى تشبه قصة اللبنانيين مع سلاح المقاومة. والاختلافات الطفيفة بين البلدين تعزز التشابه، فهناك رئيس الجمهورية كردى وهنا مارونى، ورئيس الحكومة هناك شيعى وهنا سنى، ورئيس البرلمان شيعى فى لبنان وسنى فى العراق، وكل هذا يخدم نظام محاصصة واحدٍ فى البلدين.
لكن وفى مواجهة التشابه فى الفساد بدأ يولد تشابه فى مواجهة هذا الفساد. التظاهرات بدأت تتشابه أيضا وشعارات المتظاهرين، والتهم الموجهة للمنتفضين فى البلدين. إنهم عملاء السفارات، وهم من تحركهم واشنطن وتل أبيب، وهم ممولون من أنظمة النفط فى الخليج. الثورة المضادة واحدة فى البلدين ومن يصوغ شعاراتها أيضا، وهذا الأخير يبدو عديم الخيال ولم يبذل جهدا فى صوغ شعاراته. فى بغداد، يشيرون إلى دور لـ«داعش» فى التظاهرات، ودور لواشنطن، وفى اليوم نفسه تقدم طائرة أمريكية على قتل البغدادى، ولا يشعر صاحب خطاب التخوين بالحاجة إلى توضيح المفارقة، تماما كما لم يشعر بضرورة توضيح مفارقة اشتراك الرياض والدوحة فى تمويلهما التظاهرة فى بيروت.
طهران تشعر بأن انتفاضتى العراق ولبنان تستهدفان نفوذها، وهى تتصرف بناء على ذلك. خطاب التخوين هو نفسه، ووسائل الإعلام التى تروج له فى البلدين هى نفسها. ففى أعقاب «النصر على داعش» استقرت السلطة من بغداد إلى بيروت ومرورا بدمشق، وهى لم تكن سلطة مرتفعة الأكلاف فى ظل اقتصادٍ محلى يغذى فساد الطبقة السياسية السائدة فى كلا البلدين. لكن الجشع لم يكن مضبوطا بشروط، وطهران أرخت حبل الفساد للطبقة السياسية الخاضعة لها، فجاء الحصار وجاءت العقوبات ووقع الهيكل الهش على رءوس أهله. الشيعة فى العراق انتفضوا ضد الحكومة المرتهنة لطهران، وبدأ الشيعة فى لبنان يشعرون بالاختناق. أما المسيحيون فى لبنان، فقد استيقظوا فجأة على حقيقة أن ميشال عون قد رهن أصولهم لنظام العقوبات المنفذ على حلف الأقليات الذى انخرط فيه، وأن اقتصادهم انهار بين ليلة وضحاها، فخرجوا إلى التظاهرة كما لم يفعلوا من قبل.
ما من رحلة جوية بين بيروت وبغداد إلا وستلتقى على متنها برجال أعمال من محيط الطبقتين السياسيتين، قادمين أو مغادرين، ويحملون معهم ملفات «التعاون» وتبادل الخبرات فى مجالات الفساد المشترك. عزز هذا التعاون من دون شك اشتراك طرفيه فى الخضوع لنفوذ مشترك، ناهيك بـ«النصر» المشترك على «داعش». فى بغداد تسمع عن مشاريع كبرى ينفذها مستثمرون لبنانيون، وفى مصارف بيروت تستقر ودائع لأغنياء عراقيين جدد.
واليوم تتشابه انتفاضتا بغداد وبيروت بوجود «ممول» مشترك، ورئيسى حكومة ضعيفين تقاتل طهران لتثبيتهما فى ضعفهما وفى موقعيهما.
النص الأصلى:من هنا

التعليقات