تصفية حسابات مع الماضى السورى القريب - سمير العيطة - بوابة الشروق
الإثنين 2 مارس 2026 10:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

تصفية حسابات مع الماضى السورى القريب

نشر فى : الإثنين 2 مارس 2026 - 12:10 ص | آخر تحديث : الإثنين 2 مارس 2026 - 12:10 ص

فى سوريا، لم تنشأ فكرة الإصلاح الزراعى ولا فكرة الوحدة مع مصر مع عبد الناصر. بل قبل ذلك بسنوات عديدة.

كان الدكتور عزت الطرابلسى، الذى أنشأ عام 1953 مع زملاء له أول مصرف مركزى فى بلد عربى، وكان أول حاكم لهذا المصرف، قد طالب بالإصلاح الزراعى فى أطروحة الدكتوراه التى قدمها فى جامعات باريس فى أواخر أربعينات القرن الماضى. كان الدكتور عزت، ابن إحدى العائلات الدمشقية العريقة، يعرف جيدا كيف أن غالبية الأراضى الزراعية الأبعد عن المدن كانت أراضى أميرية، حسب فتوى من مفتى الديار العثمانية، ملكها «لله» (بمعنى أنها ملك الدولة) والحق فيها انتفاع، تورث فيه البنات بالمساواة مع البنين. وكذلك أن بعض الملكيات الزراعية الكبيرة نشأت مع إنشاء السجل العقارى، الذى استخدمه الملتزمون بجمع الضرائب للسلطان العثمانى كى يحولوا هذا الالتزام... إلى ملكية. وكذلك أن كثيرا من الأراضى الزراعية، خاصة فى منطقة الجزيرة، كانت... «مشاعات»؛ يتقاسم إبناء العشيرة زراعتها حسب الأعراف.

وقد شهدت سنوات أربعينيات القرن العشرين صراعات اجتماعية كبيرة بين الفلاحين و«الملاك»، مع زخم شعبى كبير. مثلتها حركات اجتماعية ـــ سياسية كحركة أكرم الحورانى فى ريف حماة، أو قبلها الدعوى المرشدية فى ريف اللاذقية.

وعندما تم إنشاء المصرف المركزى، أحدث د. عزت ورفاقه منظومة إقراض زراعى دورية، لا تقوم على الرهن العقارى، بل على دورة الإنتاج والمحصول، مع التأمين تجاه التقلبات المناخية. فقامت قيامة «الخانجية» (أى أصحاب الخانات) الذين كانوا يحتكرون هذا الإقراض ويجبرون المزارعين على تسليم كافة محاصيلهم لهم ويفرضون سعر الاستلام والحصة الخاصة بهم. لكن كان لقرار المركزى دورا رئيسيا فى تنمية الزراعة خلال الخمسينات.

بعد الوحدة مع مصر عام 1958، جاء سريعا قانون الإصلاح الزراعى فى سوريا تماشيا مع ما كان قد صدر فى مصر عام 1954. لكن لم يتسنَّ تطبيقه بشكلٍ واسع خلال الوحدة. واللافت أن أوسع حملة استملاك وتوزيع على الفلاحين أتت خلال فترة «الانفصال»، مع الحكومة الرابعة التى ترأسها بشير العظمة. ما أدى بالحكومة الخامسة إلى إصدار قانون منع الجنسية السورية عن جزء من الكرد السوريين، كى لا توزع الأراضى عليهم. ثم توسعت حملات الاستملاك والتوزيع بشكل كبير خلال فترة حكومات حزب «البعث».

  • • •

لقد مضى نصف قرن على هذا كله، وانتقلت الملكيات وحقوق الانتفاع وتشرذمت مع تداول الأجيال. سواء فيما يخص «الملاك» القدماء الذى نص القانون على تعويضهم وأيضا المستفيدين من الإصلاح، المسجلة استفادتهم كـ«انتفاع»، فى حين سجلت الملكية للدولة. وتعقدت العلاقات الزراعية بين «المُلاك» والمزارعين، الذين شيد بعضهم مساكنَ على الأراضى. وخاصة أن هبوط المياه الجوفية والقرارات التى صدرت عام 2000 أعادت تجميع الأراضى عمليا فى استثمارات كبيرة يقوم عليها من يستطيع أن يضخ مياه جوفية من الأعماق. ما سُمى حينها بـ«الإصلاح الزراعى المضاد».

خلال النصف قرن صدرت قوانين تنظيم جديد للعلاقات الزراعية وتسويات للإصلاح الزراعى. إلا أن مشكلة جوهرية برزت حول ملكية الأراض بشكلٍ فعلى. فالاستملاك ونقل الملكية ليسا صالحَيْن إذا لم يدفع تعويض الاستملاك؛ ما يبقى الملكية للدولة بانتظار تمويل التعويضات.

فما الذى يعنيه حقا مشروع قانون التراجع عن الإصلاح الزراعى الذى طرح اليوم فى سوريا؟ وكذلك فتوى مفتى سوريا الخاصة به؟ وما الذى سيخلقه هذا القانون من تداعيات على الصعيد الاجتماعى، فى الظروف غير المستقرة أصلا اليوم؟ فهل الهدف هو إيجاد حل لإشكاليات مستعصية منذ زمن أم هو مزايدة لجلب دعم فئات اجتماعية معينة للسلطة القائمة وتصعيد جديد فى مقولة «الاقتصاد الحر»؟

من ناحية أخرى، أتت فكرة الوحدة بين سوريا ومصر سنة 1943، أى قبل 15 سنة من ذهاب ضباط سوريين إلى عبد الناصر والمطالبة بها. كانت بريطانيا وقوات «فرنسا الحرة» قد طردت من سوريا قوات حكومة «فيشى» المتواطئة مع النازيين، وتمت موافقة فرنسا على استقلال سوريا (إعلان الجنرال كاترو). لقد تخوف القادة السوريون (خاصة الرئيس شكرى القوتلى ورئيس الوزراء سعد الله الجابرى) بعيد خروجهم من السجن من مآلات البلاد مع بوادر الهزيمة الألمانية التى باتت حتمية. وأعلنت بريطانيا أنها لن تعارض تشكيل وحدة بين بلدانٍ عربية، علما أن إعلانها كان لتقويض النفوذ الفرنسى. هكذا ذهب وفدٌ سوري برئاسة الجابري وأجرى مفاوضات وحدة مع النحاس باشا رئيس وزراء مصر، الذى كانت علاقاته مع بريطانيا قد ساءت.

اللافت أن بداية محادثات الوحدة تزامنت حينها مع إحياء ذكرى ألفية أبى العلاء المعرى فى دمشق، الذى افتتح أعمالها المفكر المصرى الكبير طه حسين، مع ثلة من كل ما احتوى العالم العربى من مثقفين وشعراء كبار. وفى هذا الافتتاح الذى سبق جولة على كل المدن السورية، خطب الرئيس شكرى القوتلى مفتخرا بتزامن الحدثين، وخطب المفكر محمد كرد على قائلا: «وإنه لمن يُمنِ هذا المهرجان وسعد طالعه أن يتفق عقده فى دمشق وعقد مؤتمر الوحدة العربية فى الاسكندرية فى يومٍ واحدٍ، وقد بدت تباشير السلام تكشف دياجير الحرب، وتطلعت النفوس إلى عالمٍ كعالم أبى العلاء المعرى مبنى على الحق والرأفة والمؤاخاة الإنسانية».

  • • •

فى الحقيقة، كانت بريطانيا تريد هكذا وحدة سوريا مع العراق والأردن، الذين كان يحكمهما الهاشميون، وليس مع مصر. وقامت بإفشال المفاوضات عبر تغيير الإعلان السابق بأن بريطانيا تدعم «كومنولث عربى» وليس وحدة. دخل الهاشميون إلى المفاوضات، ودفع السوريون والمصريون إلى إدخال السعودية واليمن.... وتحول الأمر إلى إعلان الاسكندرية الذى أنشأ «جامعة دول عربية»، دون الوحدة، ومع إلغاء قضيتين أساسيتين من الإعلان عن: الاقتصاد المشترك والدفاع المشترك. أقصى ملك مصر النحاس باشا صبيحة توقيع بروتوكول الاسكندرية وسقطت الحكومة السورية بعد ذلك بأسبوع.

ذكرى مباحثات الوحدة هذه محفوظة فى لوحة لسعيد تحسين فى المتحف الوطنى فى دمشق.

ومن السخرية أن بعض النخب والاتجاهات السياسية فى العالم العربى ما زالت تصفى حساباتها مع الماضى، مستلهمةً تجارب متخيلة من ماضٍ سحيق. وتضع وزر كل الإشكاليات الحالية على عبد الناصر أو على الإصلاح الزراعى أو حتى على «اليساريين». علما أن عبد الناصر قد رحل منذ أكثر من خمسين عاما وأن الإصلاح الزراعى قد جرى منذ فترة طويلة وأنه لم يعُد هناك يساريون إلا ما ندر فى البلدان العربية بعد أن كانت تياراته ماثلة وقوية سابقا حتى فى الخليج تماثلا مع التيارات الفكرية العالمية التى سادت حينها.

لا تشكل تصفية حسابات مع ماضٍ، كما لا يشكل تخيل ماضٍ آخر مثالى سوى التهرب بل الهرب من الواقع، وتحليل الإشكاليات التى تعيق تحسينه، بهدف إيجاد حلول عقلانية وعملية تخدم المواطنين والبلاد. وبالتالى لا معنى للسياسة إذا كانت بعيدة عن خدمة المجتمع ولا معنى للالتزام الدينى دون الأخذ بالحديث الشريف: «أَحَبُ النَاسِ إِلَى اللَهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَاسِ».

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات