هناك مشاعر مختلطة ومتداخلة تجاه إيران فى المنطقة العربية، أحسب الكثير منها سلبيًا، خاصة فى الدول التى طالها التدخل الإيرانى فى شئونها الداخلية. وجاءت عشوائية الرد الإيرانى على الضربات الأمريكية والإسرائيلية لتزيد من السخط عليها إقليميًا، حتى إن قطاعًا من التيار الإسلامى، الذى يعتبر الولايات المتحدة الشيطان الأكبر، وبالطبع إسرائيل، عبّروا عن ابتهاجهم بالضربات الموجهة لإيران، التى أسفرت عن مقتل قادتها الكبار، وفى مقدمتهم المرشد الأعلى خامنئى. ولم تُخفِ التشكيلات التابعة للحكم فى سوريا فرحتها، على نحو لم يختلف كثيرًا عن احتفال الإيرانيين فى العواصم الغربية، وهم يرفعون أعلام بلدهم والولايات المتحدة وإسرائيل. وليس تعاطف البعض مع إيران اقتناعًا بنظام الملالى، ولكن رفضًا للسياسات الأمريكية والإسرائيلية فى المنطقة، واعتبار القدرات العسكرية الإيرانية بمثابة توازن فى مواجهة إسرائيل.
ومن الطبيعى أن نتساءل: لماذا لا تجد إيران تعاطفًا فى ذاتها؟
الأسباب عديدة.
إيران دولة دينية، سعت إلى نشر نموذجها فى المنطقة عن طريق تصدير الثورة، وخلق ما عُرف بالهلال الشيعى، مما أجّج النعرات الطائفية بين الشيعة والسنة. والإشكالية ليست فى وجود أقليات دينية تبحث عن حقوقها، ولكن فى وجود ارتباط عضوى عابر للسيادة الوطنية بين إيران وكيانات شيعية لها مشروعها السياسى على حساب دولها، مثل العراق ولبنان واليمن، ومن جراء ما يحدث فيها تعانى تلك الدول من أزمات اندماج سياسى.
بالإضافة إلى ذلك، تعاملت إيران مع قضايا المنطقة ببرجماتية صريحة؛ فقد وقفت إلى جانب نظام بشار الأسد فى مواجهة الفصائل المسلحة، وقاتل حزب الله إلى جواره، بينما امتدت خطوط الاتصال بينها وبين نظام محمد مرسى فى مصر، الذى يمثل الإخوان المسلمين، الذين يجمعهم العداء الصريح مع نظام الأسد، الأب ثم الابن.
إذن، إيران لا يهمها سوى مشروعها التوسعى، وقد لاقى مئات الآلاف من العرب حتفهم، غالبيتهم من المسلمين، بسبب حروب ونزاعات كانت إيران حاضرة فيها وباعثة عليها، بسبب مساعيها المستمرة للتدخل فى شئون الدول العربية وزعزعة الاستقرار بها.
ومن ناحية أخرى، لم يكتفِ النظام الإيرانى بالتدخل فى الشئون الداخلية للدول، لكنه تبنّى اتجاهات قمعية فى مواجهة مواطنيه وشعبه، الذين صار قطاع عريض منهم رافضًا له، محتجًا ضده، ومتمنيًا زواله. وهناك انتهاكات كثيرة موثقة لما حدث ويحدث، سوف يأتى يوم تظهر فيه إلى العلن.
واقع الحال أن المواطن العربى فى حيرة من أمره؛ فهو لا يريد أن تتسع الحرب خشية تداعياتها السياسية والاقتصادية، ويرفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة، ويتحسب من القادم من ناحية، ومن ناحية أخرى يتضرر من السياسات الإيرانية التى خرّبت المجتمعات التى تدخلت فى شئونها من خلال وكلائها. هذا فضلًا عن محاولات زعزعة الاستقرار فى دول الخليج، واضطرارها إلى تخصيص ميزانيات ضخمة للأغراض العسكرية، كل ذلك تحت لافتة الحماية من إيران. وما فعلته طهران الأيام الماضية من قصف عشوائى لدول الخليج يثبت أن مخاوف تلك الدول لم تكن عبثًا أو مبالغًا فيها.
من أجل هذه الأسباب، وغيرها، لا تجد إيران تعاطفًا واسعًا فى العالم العربى إلا من باب رفض التدخل الأمريكى الإسرائيلى. وشتّان بين 2003 و2026؛ إذ رغم أن نظام صدام حسين كان عدوانيًا مستبدًا، فإن قطاعات عريضة من الشعوب العربية رفضت الغزو الأمريكى للعراق، بما فى ذلك التيارات الإسلامية التى كانت على عداء مع ذلك النظام وقتئذ. الآن يبدو الأمر مختلفًا؛ لأن الوضع تغير، ويرى قسم واسع من العرب أن سياسات إيران جلبت على المنطقة الحروب والخراب. ويكفى أن ننظر إلى السوشيال ميديا حتى نتبين الحيرة والالتباس فى تعليقات الجمهور، بين رفض سلوك إيران، والتنديد بالاختراقات الأمنية التى تضرب مؤسساتها العليا بقوة، وبين رفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية التى تغيّر المعادلات الإقليمية بقوة، ولا تتورع عن الإعلان عن مواقفها السافرة دون تجميل، على غرار تصريح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأنه هو الذى جاء بحاكم سوريا الحالى، ممتدحًا تحركاته.