النَّسَّاج و«القصة القصيرة» - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الأحد 15 مارس 2026 11:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

النَّسَّاج و«القصة القصيرة»

نشر فى : السبت 14 مارس 2026 - 5:30 م | آخر تحديث : السبت 14 مارس 2026 - 5:30 م

 

(1)
منذ 100 عام تقريبًا، ظهر فن القصة القصيرة (بشكله الفنى الجمالى) فى أدبنا الحديث، مع محاولات كتّاب المدرسة الحديثة فى كتابة القصة؛ خصوصًا فى مصر على يد أحمد خيرى سعيد، والأخوان عيسى وشحاتة عبيد، ومحمود تيمور، ومحمود طاهر لاشين، ويحيى حقى وحسين فوزى.. إلخ.
هؤلاء هم آباء القصة القصيرة فى أدبنا العربى الحديث والمعاصر، مارسوا كتابتها بوعى وتحسس لشكلها الفنى الجديد الوافد عليهم من الغرب، ولولا هذه المحاولات والإسهامات المؤسِّسة، ما كان لفن القصة القصيرة أن ينطلق ويزدهر بعد ذلك، وتظهر أجيال وأجيال من كتاب القصة ليس فى مصر وحدها بل فى أرجاء العالم العربى كله.
عبر القرن الماضى، ومع غزارة الإنتاج القصصى، وتشعبه، كان لا بد أن يظهر نقاد ومؤرخو أدب يكرسون جهودهم لدراسة هذا الفن الوافد، والتأريخ له وتحديد مساراته، وتصنيف كتابه وإنتاجه، ليسهل على الباحثين ومحبى هذا الفن، قراءة وكتابة، تتبعه والإلمام بمسيرته وتطوراته واتجاهاته الفنية.
من هنا ظهرت أسماء كبيرة توافرت على دراسة النتاج القصصى، تأريخًا ونقدًا، لكن لا أظن أن أى محاولة للتعرف على فن القصة القصيرة فى العالم العربى، وفى مصر تحديدًا، والإلمام بجوانب ومعالم الرحلة التى قطعتها القصة القصيرة، منذ نشأتها وظهورها فى الربع الأول من القرن العشرين، وحتى العشرية الأخيرة منه، لا أظن أنها تكتمل إلا بالوقوف على أعمال الناقد الراحل ومؤرخ الأدب الكبير الدكتور سيد حامد النساج (1936 - 1996).

(2)
وفى تقديرى، فإن كتابات المرحوم النساج حول «فن القصة القصيرة»، من أهم وأقيم ما يمكن للكاتب الناشئ أو المقبل على التعرف على هذا الفن فى بداياته، أن يقرأه، لينتقل بعدها إلى درجات ومستويات أوسع وأكبر فى رحاب القصة القصيرة، ذلك أنّ النساج قدم عبر أعماله المهمة متفاوتة الحجم (ما بين كتيب صغير إلى دراسة ضخمة) ما أسميه «المؤلفات التمهيدية» أو «الكتب المفاتيح» التى يكون أهم وأجل ما تقدمه أنها تأخذ بيد المتعرفين الجدد على الفن، وتلعب دور المرشد للساعين لاكتساب المعارف الأولى، اللازمة، الضرورية، للانطلاق منها، وتأسيسًا عليها إلى آفاق أبعد.
تُحقق كتب النساج هذا الغرض بامتياز، خصوصًا أنه كان يكتب بلغة منضبطة، سهلة بسيطة، تعمد فيها عدم الإغراق فى التفصيلات والجزئيات، فتجنب التقعر والتعقيد، وحاول الانفلات من أسر الأكاديمية الشكلية فنجح فى ذلك نجاحًا كبيرًا، ذلك أنه قصد الإسهام فى دوائر التثقيف العام، مثلما يتضح فى كتاباته المتنوعة عن «القصة القصيرة» التى تناول فيها بدأب وموسوعية كلَّ ما يتعلق بها؛ بدءًا من التعريفات الأولية أو المفاهيم التأسيسية، ثم التوقف عند فترات النشأة والظهور، وما تبعها من مراحل تاريخية، تبلورت فيها مدارس وتيارات فنية محددة فى كتابة القصة، ثم الوقوف عند أعلام الفن، والتعريف بهم، وبأعمالهم وتحليل نماذج من قصصهم.. إلخ.

(3)
ترك النساج كتابين ممتازين مهمين فى «القصة القصيرة»، شكَّلا معًا مرجعًا وافيًا ودقيقًا يغطى مراحل الفن منذ ظهوره فى الأدب العربى الحديث وحتى عام 1994، قبل وفاته بسنتين فقط، استهلها بأطروحته التى نال عنها درجة الدكتوراه ونشرها فى كتابه الشهير «تطور فن القصة القصيرة فى مصر (1910-1931)»؛ وهى المرحلة التى أسماها مرحلة التأصيل، وتوقف فيها بالدرس والتحليل عند الأشكال القصصية القديمة والتراثية التى مهدت الطريق أمام استقبال هذا الفن الوافد وتلقيه.
أما «اتجاهات القصة القصيرة»؛ فبمثابة الجزء الثانى من كتابه السابق، استكمل فيه دراسة النتاج القصصى والتأريخ لأعلامه وتصنيف تياراته خلال الفترة (1933-1961)، التى شهدت ازدهارًا لافتًا وتنوعًا مدهشًا فى أعمال كتّاب القصة المصرية.
وسيجد قارئ الكتاب متعة كبيرة ومعرفة غزيرة وهو يتعرف تفصيلًا على جهود رواد القصة القصيرة وأعلامها الكبار وإنجازهم المهم، مثل يحيى حقى ومحمود تيمور، ثم كتاب الرومانسية الكبار محمود البدوى، ومحمد عبدالحليم عبدالله، ويوسف السباعى، وثروت أباظة، ثم بزوغ الواقعية التى قسمها إلى «واقعية انطباعية» و«واقعية تحليلية»، بالإضافة إلى تيار «الواقعية الاشتراكية»، ثم توقف وقفات مطولة أمام إنتاج الكاتب الكبير يوسف إدريس؛ أبرز وأهم كاتب قصة قصيرة «عربى» فى هذه الفترة.
وقد ألحق النساج بالكتاب أول عمل ببليوجرافى من نوعه (نشره مستقلًا فيما بعد)، قدم من خلاله دليلًا إرشاديًا للقصة القصيرة، بذل فيها مجهودًا كبيرًا، وتتتبع القصص المنشورة فى الصحف والمجلات والدوريات المختلفة خلال نصف قرن.

(4)
ثم استكمل النساج تأريخه الأدبى ومسحه النقدى لفن القصة فى كتابه الثالث «أصوات فى القصة القصيرة»، صدرت طبعته الأولى عام 1994، وصدره بمقدمة طويلة عن دراسة القصة خلال الفترة (1961-1991)، وأعقبه بتمهيد أطول عن الخلفية التاريخية والاجتماعية للقصة القصيرة فى الستينيات.
وأخيرًا، يأتى كتيبه التثقيفى الرائع، «القصة القصيرة»، وهو أفضل مدخل تعليمى للتعرف على فن القصة القصيرة للمبتدئين، قراءة وكتابة وتذوقًا، يقدم معالجة بانورامية رائعة للقصة القصيرة؛ منذ نشأتها وظهورها حتى آخر مرحلة قطعتها لحظة صدور الكتاب.