«معنى إسرائيل».. قراءة فى تفكيك الدولة من داخل سؤال اليهودية - مواقع عربية - بوابة الشروق
الجمعة 20 فبراير 2026 12:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

«معنى إسرائيل».. قراءة فى تفكيك الدولة من داخل سؤال اليهودية

نشر فى : الخميس 19 فبراير 2026 - 7:45 م | آخر تحديث : الخميس 19 فبراير 2026 - 8:17 م

نشر موقع عروبة 22 مقالا للكاتب أنور محمود زناتى، تناول فيه عرضا لأهم ما ورد فى كتاب «معنى إسرائيل» للمؤرخ اليهودى يعقوب م. رابكين، إذ يحاول المؤرخ تفكيك الخلط الشائع بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية قومية حديثة. بالتالى يؤكد المؤلف أن إسرائيل الحديثة ليست التجسيد الحتمى لليهودية، بل هى خيار سياسى قومى أدى إلى «عسكرة» الهوية الدينية وتوظيف الذاكرة (مثل الهولوكوست) لشرعنة مشروع استيطانى سياسى.. نعرض من المقال ما يلى:
يطرح كتاب «معنى إسرائيل» (The Meaning of Israel) للمؤرخ اليهودى يعقوب م. رابكين (Yaacov M. Rabkin)، تساؤلًا بسيطًا فى ظاهره، عميقًا فى أثره: ما الذى تعنيه إسرائيل فى التاريخ الحديث؟.. هذا السؤال يقود القارئ إلى طبقة أعمق تتعلق بالمعنى الذى ألبس للدولة، وبالخلط الذى صار يربط بين اليهودية والصهيونية والسيادة. من هذه العتبة، يشرع يعقوب رابكين فى تفكيك بناء فكرى تشكل عبر الحداثة الأوروبية، ثم قدم لاحقًا كامتداد طبيعى للتراث الدينى.
يفتح الكتاب بابًا دقيقًا على علاقة اليهودية بالأرض كما صاغتها نصوصها وتقاليدها عبر قرون. تظهر الأرض فى هذا السياق معنى روحيًا ووعدًا أخلاقيًا يرتبط بالسلوك والالتزام الدينى، ويتشكل فى ظل تجربة تاريخية طويلة عاشت خارج إطار الدولة ومؤسساتها، ويؤكد أن الأرض فى الوجدان اليهودى أفق رمزى يشحن الهوية بمعنى أخلاقى يتجاوز السياسة اليومية.
ومن هذا التمييز تتبلور الفكرة المحورية فى الكتاب، وهى أن نقل الرمز الدينى من مجاله التعبدى إلى فضاء المشروع السياسى الحديث أحدث تحولًا عميقًا فى معنى الأرض وفى تعريف الهوية نفسها. فقد انتقل المفهوم من وعد مشروط بالقيم إلى ممارسة مرتبطة بالقوة، ومن انتظار لزمن مقدس إلى فعل تاريخى يسعى إلى تحقيقه بأدوات الدولة. وفى هذا التحول يرى رابكين نقطة انعطاف كبرى أعادت صياغة العلاقة بين الدين والسياسة، وغيرت صورة الأرض من معنى أخلاقى جامع إلى عنوان لصراع معاصر.

اليهودية وتعدد المعانى


ينطلق رابكين من ضرورة توضيح مسألة كثيرا ما يكتنفها الالتباس فى النقاش العربى والدولى. فاليهود لا يشكلون جماعة متجانسة إثنيا أو إيديولوجيا، واليهودية نفسها تقليد دينى عرف انقسامات لاهوتية ومدارس متنافسة عبر القرون. هذا التعدد غاب طويلا خلف صور نمطية غذتها إيديولوجيات معادية لليهود، تجاهلت الفروق الداخلية ودفعت نحو تعميمات تختزل التنوع فى هوية صلبة واحدة.
يعيد الكتاب الاعتبار إلى اليهودية الحاخامية التى سادت قرونا طويلة فى الشتات، ثم تفرعت فى العصر الحديث إلى الأرثوذكسية والإصلاحية والمحافظة تحت تأثير التنوير الأوروبى وحركات الانعتاق بعد الثورة الفرنسية. وداخل هذا المشهد تتوزع مواقف متباينة من الصهيونية والدولة، تتراوح ما بين التأييد الكامل والنقد الحاد والرفض العقدى الصريح، كما لدى بعض الجماعات الحريدية مثل ناطورى كارتا (Neturei Karta)، التى ترى فى قيام الدولة تدخلا بشريا فى مسار الخلاص الدينى.

الأرض بين الرماز والسيادة


يخصص رابكين مساحة مركزية للعلاقة بين اليهودية والأرض فى نصوصها الكلاسيكية. فالأرض فى الوجدان الدينى تحمل معنى روحيًا ووعدًا أخلاقيًا يرتبط بالسلوك والالتزام بالشريعة. وقد تشكل هذا التصور خلال قرون من العيش خارج إطار الدولة، حيث ظل مفهوم الخلاص جزءًا من خطة إلهية تنتظر تحققها فى زمن مقدس.
ومع صعود القومية الأوروبية فى القرن التاسع عشر، تحول هذا الرمز إلى مشروع سيادة وحدود ومؤسسات عسكرية. وانتقلت الفكرة من أفق أخلاقى مفتوح إلى إطار سياسى يسعى إلى تحقيق ذاته عبر أدوات الدولة الحديثة. ويرى رابكين فى هذا التحول لحظة تأسيسية أعادت تعريف الهوية اليهودية وربطتها بمفهوم القوة، كما ربطت الذاكرة الدينية بسردية قومية تسعى إلى التجسد الجغرافى.

الصهيونية كقطيعة تاريخية


يعالج الكتاب نشأة الصهيونية داخل المناخ الأوروبى الذى جعل القومية معيارًا للهوية السياسية. وقد نظر مؤسسو الحركة إلى مشروعهم بوصفه استجابة حديثة لأزمة يهود أوروبا، وخطوة تفصل بين الماضى الدينى والهوية القومية الجديدة. وهكذا أعيد تشكيل اليهودى فى صورة مواطن لدولة مستقبلية، وتحولت العودة إلى الأرض إلى عودة إلى التاريخ عبر الدولة.
يفحص رابكين الطابع الكولونيالى للمشروع الصهيونى، ويعرض مسار الاستيطان منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين استقر مهاجرون أوروبيون فى منطقة مأهولة بتنوع دينى وإثنى. وتطورت الفكرة لاحقا إلى نموذج استيطانى أكثر تنظيمًا قام على الفصل وبناء مستوطنات حصرية، تحت شعارات مثل «الاحتلال من خلال العمل» و«الانفصال». وقد أسهم هذا المسار فى ترسيخ بنية صراع ممتدة، ووضع إسرائيل فى موقع ملتبس بين اندماج غربى وعزلة إقليمية.
يتوقف الكتاب عند البنية السياسية التى نشأت مع قيام الدولة، حيث يحتل مفهوم الأمن موقعًا مركزيًا يعيد تنظيم المجالين السياسى والأخلاقى. وتتحول حالة الطوارئ إلى إطار دائم للحكم، ويغدو الخوف عنصرًا مؤسسًا فى تشكيل الهوية الجماعية. وفى هذا السياق، تتعزز صورة دولة تتحرك حدودها وفق منطق القوة، وتحتفظ بهامش مفتوح لإعادة تعريف المجال الجغرافى.
ويربط رابكين بين هذه البنية وبين تصور الدولة لنفسها باعتبارها دولة لليهود فى العالم، ما يمنحها بعدًا عابرًا للحدود السياسية. وينتج عن ذلك توتر فى علاقة الجاليات اليهودية بالدولة، حيث ينتظر منها دعم رمزى وإعلامى متواصل، بينما تبقى صناعة القرار محصورة فى الإطار الداخلى.

الذاكرة والشرعية


يفرد الكتاب فصلا لتحليل توظيف «الهولوكوست» فى تشكيل شرعية سياسية معاصرة. وتعمل الذاكرة هنا عنصرًا مركزيًا فى بناء الهوية الوطنية، وتتحول إلى مرجعية أخلاقية قوية فى النقاش الدولى.
ويعيد هذا الاستخدام صياغة العلاقة بين الماضى والحاضر، ويمنح الدولة موقعًا خاصًا فى المخيال الغربى، مع استمرار جدل واسع حول أثر ذلك فى إغلاق مساحات النقد.

ديمقراطية انتقائية وهوية عرقية


يتناول رابكين طبيعة النظام السياسى فى إسرائيل، ويصفه نظامًا ديمقراطيًا فى بنيته المؤسسية، مع طابع انتقائى يتصل بمبادئه المؤسسة. يمنح قانون العودة أى يهودى حق الهجرة والحصول على المواطنة، فى حين يبقى سكان عاشوا فى البلاد أجيالًا خارج هذا الامتياز. وتعزز صهينة الأرض وسياسات الفصل تصور الدولة إطارًا إثنوقراطيًا، تتقدم فيه الهوية القومية على المواطنة المدنية.
تكمن قوة الكتاب فى قدرته على تحرير النقاش من معادلة تختزل اليهودية فى الصهيونية، وتختزل اليهود فى الدولة. يعرض رابكين تاريخًا من المعارضة الدينية والسياسية داخل التقليد اليهودى، ويكشف أن تحويل اليهودية إلى قومية حديثة كان خيارًا تاريخيًا من بين خيارات متعددة.
وفى نهاية المطاف يضع كتاب «معنى إسرائيل» القارئ أمام سؤال مفتوح حول العلاقة بين الدين والقومية، وحول حدود تحويل الرموز الروحية إلى مشاريع سيادية. ويعيد الكتاب اليهودية إلى فضاء التعدد، ويضع الدولة تحت مجهر الفكرة، ويقترح أن فهم الصراع يبدأ بفهم المعنى الذى أعطى للهوية حين دخلت ميدان السياسة.

النص الأصلى:

 

التعليقات