يقوم النظام الدستورى فى الولايات المتحدة على نموذج رئاسى خالص يتسم بما يُعرف فى الفقه الدستورى بـ«الفصل الجامد بين السلطات». فالدستور الصادر عام 1787 لم يكتفِ بتوزيع الوظائف بين السلطات الثلاث، بل أقام بينها حواجز مؤسسية واضحة تمنع الاندماج أو التداخل فيما بينها. فالرئيس يُنتخب انتخابا مستقلا عن الكونجرس، ولا يستمد شرعيته منه، كما لا يجوز الجمع بين عضوية الكونجرس وتولى منصب فى السلطة التنفيذية. وبذلك تستمد كل سلطة شرعيتها مباشرة من الشعب، وتباشر اختصاصاتها فى نطاق محدد لا تملكه غيرها.
غير أن هذا الفصل لا يعنى العزلة التامة، بل يقوم على مبدأ «الضبط والتوازن». فالكونجرس يتولى التشريع وفرض الضرائب والرسوم واعتماد الموازنة، والرئيس يتولى تنفيذ القوانين ويمارس حق الاعتراض عليها، بينما تضطلع السلطة القضائية بدور الحارس الدستورى الذى يضمن احترام الحدود الفاصلة بين الاختصاصات. وفى هذا السياق، تحتل المحكمة العليا الأمريكية موقعا محوريا فى النظام الأمريكى، إذ تملك سلطة الرقابة على دستورية القوانين والقرارات التنفيذية، وهو اختصاص ترسّخ منذ سابقة «ماربورى ضد ماديسون» عام 1803 (حين قضت المحكمة بعدم دستورية منع ويليام ماربورى من تولى منصبه القضائى بموجب قرار إدارة توماس جيفرسون، مؤكدة بذلك سلطة الرقابة القضائية على القوانين والقرارات التنفيذية).
وتتجلى أهمية السلطة القضائية فى النظام الرئاسى الأمريكى فى استقلالها المؤسسى الصارم؛ فقضاتها يُعيَّنون مدى الحياة، ولا يجوز خفض رواتبهم أثناء تولّيهم مناصبهم، بما يكفل تحررهم من الضغوط السياسية. وهى لا تمارس دورا تشريعيا أو تنفيذيا، لكنها تملك الكلمة النهائية فى تفسير الدستور، وتحديد ما إذا كانت السلطتان التشريعية والتنفيذية قد التزمتا بالحدود المرسومة لهما. وهكذا فإن القضاء لا يزاحم السلطتين الأخريين، بل يرسم لهما الإطار الذى تتحركان داخله.
ويمثل الحكم الصادر مؤخرا عن المحكمة العليا الأمريكية بعدم دستورية تعريفات ترامب الجمركية المفروضة استنادا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، منعطفا خطيرا فى فلسفة إدارة الاقتصاد الأمريكى. فالقضية هنا ليست إجرائية تتعلق بتفسير نص قانونى، بل تمسّ جوهر توزيع السلطة فى الدولة الحديثة: من يملك فرض «الضريبة» الجمركية؟ وهل تتحول الطوارئ إلى ذريعة دائمة لإعادة هندسة السياسة التجارية خارج القنوات التشريعية؟ قرار المحكمة العليا جاء ليؤكد أن التفويض الاستثنائى لا يُفترض، وأن سلطة فرض الأعباء المالية – مهما كانت مبرراتها – تبقى اختصاصا تشريعيا أصيلا.
• • •
إذا احتكمنا إلى السوابق التاريخية، سنجد أن تاريخ القضاء الأمريكى يُظهر أن لحظات التوتر الكبرى بين الاقتصاد والسياسة كثيرا ما تُحسم بمداد الدستور. ففى قضية يونجستاون شيت آند تيوب ضد سوير (Youngstown Sheet & Tube Co. v. Sawyer)، حين حاول الرئيس هارى ترومان وضع يده على مصانع الصلب خلال الحرب الكورية، رسمت المحكمة حدود الطوارئ وأكدت أن الضرورة لا تخلق سلطة من عدم. وفى ثلاثينيات القرن الماضى، حين اتسعت صلاحيات الإدارة فى ظل ما عُرف بـ«الصفقة الجديدة» المرتبطة بإصلاحات روزفلت، تدخلت المحكمة فى قضية «شركة بنما للتكرير ضد رايان» لتذكّر بأن التفويض بلا معايير يُفرغ مبدأ الفصل بين السلطات من مضمونه. هذه السوابق ليست مجرد وقائع تاريخية، بل تعكس فلسفة دستورية ثابتة مدارها أنه كلما اتسع الأثر الاقتصادى للقرار التنفيذى، ازدادت الحاجة إلى سند تشريعى واضح.
غير أن أهمية الحكم الذى نحن بصدده اليوم تتجاوز البعد الدستورى إلى البعد النظرى فى علم الاقتصاد. فالتعريفة الجمركية، فى التحليل الكلاسيكى، تمثّل انحرافا عن مبدأ الميزة النسبية الذى صاغه ديفيد ريكاردو، والقائم على أن الدول تربح جميعا حين تتخصص فيما تتفوق فيه نسبيا وتتبادل الفائض عبر التجارة. من هذا المنظور، فإن فرض رسوم شاملة يخلق خسارة صافية فى الرفاه، تتجلّى فى صورة ارتفاع للأسعار، وتخصيص غير كفء للموارد، وانتقال عبء التكلفة إلى المستهلك المحلى. أما النظرية النيوكلاسيكية فتضيف أن التعريفة تؤدى إلى خسارتين: خسارة الكفاءة الإنتاجية، وخسارة فائض المستهلك، بينما تستفيد فئات محدودة من المنتجين المتمتعين بالحماية.
غير أن المدرسة الحمائية – قديمها وحديثها – لا تخلو من حجج مضادة للطرح النظرى السابق. فحجة «الصناعة الوليدة» ترى أن بعض القطاعات تحتاج إلى حماية مؤقتة حتى تبلغ مستوى الكفاءة العالمية، بينما تذهب نظرية التجارة الاستراتيجية، كما طوّرها بول كروجمان وآخرون، إلى أن التدخل الحكومى قد يمنح الدولة ميزة فى صناعات ذات عوائد متزايدة أو منافسة احتكارية. لكن حتى هذه النظريات تشترط دقة الاستهداف ووضوح الهدف، ولا تبرر تعريفة عامة غاشمة واسعة النطاق تُفرض بقرار تنفيذى دون نقاش تشريعى أو تقييم معتبر للعائد والتكلفة.
• • •
يؤكد حكم المحكمة العليا على حدود السلطة التنفيذية فى فرض تعريفات جمركية واسعة، فى وقت كان التوجه العالمى منذ ثمانينيات القرن الماضى، ضمن ما عُرف بـ«إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، يركز على تحرير التجارة وخفض الحواجز الجمركية والانضباط المالى، وكانت الولايات المتحدة الداعم الأكبر لهذا التوجه عبر مؤسسات بريتون وودز. والحكم القضائى الأخير يعيد الاعتبار إلى مبدأ الانفتاح المقيّد بالقانون، مؤكدا أن أى انحراف عن هذه المبادئ داخل النظام الأمريكى يجب أن يظل ضمن حدود الدستور والتفويض التشريعى الصريح، حتى وإن بررته اعتبارات سياسية داخلية. فهو لا يفرض حرية التجارة بحكم قضائى، لكنه يفرض شرطها المؤسسى: أن تكون السياسات التجارية نتاج عملية تشريعية واضحة، خاضعة للمساءلة، لا مجرد إعلان طارئ. وهذا يتسق مع الرؤية المؤسسية فى الاقتصاد، كما صاغها دوجلاس نورث، الذى أكّد أن جودة المؤسسات – بما فيها استقلال القضاء وضبط توازن السلطات – هى المحدد الأعمق للأداء الاقتصادى طويل الأجل؛ فالتجارة لا تزدهر فقط لأن الرسوم منخفضة، بل لأنها مستقرة وقابلة للتنبؤ.
اقتصاديا، يمكن قراءة الحكم فى ضوء نظرية «عدم اليقين السياسى» التى تشير إلى أن تقلب السياسات يرفع تكاليف الاستثمار ويؤجل القرارات الرأسمالية. فالتعريفات المفاجئة تخلق ما يشبه ضريبة مخاطر تُضاف إلى تكاليف الإنتاج، وإبطالها لا يعنى بالضرورة نهاية النزعة الحمائية وجذورها الشعبوية، لكنه يقلل من احتمال استخدامها بصورة صادمة أو شاملة.
السيناريوهات المقبلة ستحدد ما إذا كان حكم المحكمة العليا محطة تصحيح مؤقتة أم بداية لتحوّل أعمق فى السياسة الأمريكية الراهنة. فإذا عاد الكونجرس إلى سنّ تشريع يمنح الإدارة صلاحيات جمركية أوسع، فسيكون الأمر بمثابة إعادة توزيع منظّم للسلطة يسمح بالتحرك ضمن إطار قانونى واضح دون خرق الدستور، مع الحفاظ على القدرة على استخدام الرسوم كأداة مالية وسياسية.
أما إذا اكتفت الإدارة بأدوات محدودة، فقد يؤدى ذلك إلى تراجع تدريجى فى حدة المواجهات التجارية، مع ما يترتب على ذلك من ردّ الفروق الجمركية السابقة إلى المستوردين والقطاع الخاص. هذا الأثر المالى يقلص الموارد التى كانت الإدارة قد جمعتها مسبقا، ويحدّ من قدرتها على التوسّع فى فرض الرسوم مستقبلا، مما يجعل السياسة الحمائية أكثر انتقائية وأقل تأثيرا فى الاقتصاد العالمى.
وفى السيناريو الأكثر تطرفا، قد يحدث التراجع التام عن القيود المفروضة سابقا، حيث يتم إلغاء كل التعريفات واسترداد كامل الفروق الجمركية. وهذا يشكل أثرا ماليا فوريا كبيرا على الإدارة الأمريكية، ويحدّ بشكل ملموس من قدرتها على استخدام الرسوم الجمركية كأداة سياسية أو مالية، ويعيد التجارة الأمريكية إلى إطار أكثر استقرارا وقابلية للتنبؤ، لكنه يجعل أى تحرك مستقبلى رهنا بتشريع واضح وصريح من الكونجرس.
وفى مختلف الأحوال، يظل الدرس الأهم من خلاف ترامب والمحكمة العليا أن الاقتصاد العالمى، فى زمن التشابك العميق، يتأثر بقرار قضائى فى واشنطن بقدر ما يتأثر بقرار نقدى يصدر عن الاحتياطى الفيدرالى. فحكم المحكمة العليا يذكّر بأن حرية التجارة هى نتاج هندسة دستورية دقيقة: حيث تتوازن السلطات، تتوازن التوقعات، وحيث تُحترم الحدود المؤسسية تُصان الثقة فى القواعد. وبين نظرية الميزة النسبية فى التجارة الدولية وذرائع الحماية، وبين إجماع واشنطن وصعود الشعبوية الاقتصادية، يظل الدستور إطارا حاكما محددا لكيفية خوض هذا النوع من المعارك.
كاتب ومحلل اقتصادى