كلام فارغ صنع أغنيات جميلة! - أسامة غريب - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2026 12:44 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

كلام فارغ صنع أغنيات جميلة!

نشر فى : الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 6:50 م

فى أحد البرامج الإذاعية القديمة استمعت من فايزة أحمد إلى رأى شديد الحدة بقدر ما هو صادق فى أغنية كانت ذائعة فى ذاك الوقت لوردة الجزائرية. قالت فايزة أحمد: بذمتكم وأنا راضية ذمتكم.. هل هناك أى معنى لكلمات تقول: ولا يصعب علينا إلا الفراق يا عنينا يا حبيبى!

عندما قلبت المسألة فى مخى وأنا أستمع إلى البرنامج القديم وجدت أن فايزة معها حق، فأغنية «لو سألوك» التى تغنت بها وردة عام 1974 لم تكن موفقة من حيث الكلمات رغم أن كاتبها هو شاعر قدير وموهوب هو عبد الرحيم منصور وملحنها هو بليغ. أحسست أن فايزة التى تتذوق الكلمة وتستطيع التمييز بين الشعر الحلو وسواه استُفزّت وهى تستمع إلى كلمات كثيرة على الفاضى بينما المعنى كان يمكن التعبير عنه بكلمتين اثنتين هما: الفراق صعب!

طبعًا فى تلك الفترة كان الصراع الفنى محتدمًا بين وردة وفايزة على زعامة الغناء وكل منهما متسلحة بزوج هو فى الوقت نفسه ملحن كبير يمتشق عوده ويتحرك معها من البيت للاستوديو وبالعكس!.. ومع ذلك فماذا كانت فايزة تقول لو كانت الظروف تسمح لها بإبداء الرأى فى أغنيات كلماتها شديدة الغرابة مثل واحدة لعبد الحليم حافظ اسمها «المسئولية» تقول: 

أحلف بالجنود على كل حدود، وبالميثاق اللى جعلته منارى ودليلي. أحلف يمين بالله تعالي، أحلف بقوتنا الفعالة، الاتحاد الاشتراكى العربي، نختاره مبدأ ورسالة.

كان المستمع فى مصر يهتز كيانه وهو يردد وراء حليم القَسَم الذى كتب كلماته صلاح جاهين، ورغم غرابة أن يقسم الناس بالميثاق الذى كتبه الأستاذ هيكل، على أن يختار الاتحاد الاشتراكى كمبدأ ورسالة، فإن أحدا لم يتوقف فى غمرة الانتشاء بالحلم ليسأل ماذا يعنى هذا الكلام الفارغ؟ 

وما دمنا قد وصلنا إلى هذا الحد فى استعراض الكلمات العجيبة فلا بد أن نشير إلى أن الفنانة وردة قد ضحكت ملء شدقيها وهى تستمع إلى أغنية «الحب اللى كان» للفنانة ميادة الحناوى، وهى عبارة عن مرثية كتبها بليغ ينعى فيها حبه الضائع بعد الانفصال عن وردة، خصوصا المقطع الذى يقول: «زمان كان لينا بيت وأصحاب طيبين يبكوا لو يوم بكيت». ذلك أن هذا البيت الذى يرثيه بليغ كان عبارة عن وكالة من غير بواب كما قالت وردة، ولم يكن لها أى سيطرة على من يدخل أو يخرج، كما أن الأنتريه والمقاعد بهذا البيت كانت مليئة بالخروم من فحم الشيشة التى لم تكن تنطفئ طول الليل، أما الأصحاب الطيبون من زوار البيت فقد جلبوا لبليغ مصيبة وحكمًا بالسجن فى قضية سميرة مليان، فاضطر للهروب والاغتراب فى باريس حتى انتهت القضية التى تسببوا فيها! 

 حتى الأستاذ أحمد رامى العظيم يثير دهشتنا فى أغنية «إنت الحب» لأم كلثوم من ألحان عبد الوهاب فى كوبليه كلما استمعت إليه تعجبت أشد العجب.. صحيح أن بالأغانى كلها صور خيالية تمتلئ بالمبالغة والمغالاة، إلا أن الأستاذ رامى قد قفز قفزة واسعة فى هذا المضمار عندما قال: ولما أشوف حد يحبك.. يحلى لى أجيب سيرتك وياه. وأعرف جرى له إيه فى حبك.. وقد إيه صانه ورعاه. أسأله إن غبت عنه يا حبيبى يشتاق إليك قدى أنا؟.. وإن جافيته يا حبيبى يسهر الليل ويناديك زيى أنا؟ ألاقى قلبى أنا حبه ما جه على بال.. لا عن هواك له غنى ولا يوم لغيرك مال.

عندما تصل ثومة إلى هذا الجزء من الأغنية أجد نفسى متخيلا مجموعة من النسوة فى محل كوافير وكل منهن تضع على رأسها الغطاء المعدنى إياه بينما تثرثر مع جارتها فى بعض الأمور العاطفية.. أرى صاحبتنا الولهانة وهى تتشمم أخبار الحبيب من خلال واحدة أخرى جرّبت حبه ومرت بعلاقة عاطفية معه فتتعمد فتح سيرته أمام الحبيبة السابقة حتى تعرف موقعها فى دنيا غرامياته، وهى فى هذه الدردشة تحاول الوصول لحجم الأضرار التى أصابت تلك المرأة لو كان ثمة أضرار، كما تريد أن تعرف هل صانت الأخرى هذا الحب كما ينبغى وإلى أى مدى؟ لا تتردد الولهانة العاشقة فى طرح مجموعة من الأسئلة الكاشفة بدون مواربة مثل: هل كنتِ فى غيابه تشتاقين إليه كثيرا؟ تطرح السؤال ثم تقوم بوزن الإجابة وتقييمها لتعرف إذا كان شوق هذه المرأة يعادل شوقها هى أم أنها تشتاق أكثر! سؤال آخر: فى حالات إعراضه عنك هل كنت تسهرين الليل تنادينه وتترنمين باسمه؟ المهم أن الأسئلة التى تطرحها العاشقة والإجابات التى تقدمها الإكس محبوبة تسفر عن نتيجة مبهجة هى أن حبها الكبير هو من الشمول والروعة بحيث أنه لم يخطر ببال أحد من قبل وأنها أجدر منهن جميعًا بحبه بعدما برهنت على حجم كبير من التسامح وقدرة على احتمال الإهانات!

ونعود لحليم فى أغنية جميلة أخرى هى «بيع قلبك» من ألحان كمال الطويل حيث يقول: أنا يسعدنى تبعد عنى وتجرّب غيرى فى هواك..شوف مين حبه أكتر منى لو شاف اللى أنا شفته معاك. أى أنه يرحب بأن يذهب الحبيب القاسى الذى لا يعرف قيمة حبه إلى شخص آخر ويقضى معه فترة معقولة تكون كافية ليدرك الفرق بينه وبين هذا الآخر، خاصة لو ظل على تعسفه وغباوته مع هذا الحبيب الآخر..لا يدرى حليم أن النتيجة قد لا تعجبه، فهما قد يتفقان وقد يكون كل منهما مناسبًا للآخر، ومن الممكن أنّ حسين السيد مؤلف الكلمات نفسه قد يفاجأ بأن الحب الجديد قد أغناه عن حب عبد الحليم.. شىء آخر قد يحدث هو أن حليم أو من كان فى موقفه ربما لا تعجبه عودة الحبيب لو عاد بعد أن جرب القبلات والأحضان، أو فقد العذرية والعياذ بالله!    

 

 

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات