ــ الخبز منتج ثقافى بامتياز، والفساد السياسى أحاله لتجارة أشبه بالمخدرات
ــ أن تكون اشتراكيًا فى الحكومة أقرب ما يكون لـ «الكتلة الحرجة».. وعانيت لكونى يساريا
شهدت قاعة ساويرس بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة لقاءً مفتوحًا مع الدكتور جودة عبدالخالق؛ أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، ووزير التضامن والعدالة الاجتماعية الأسبق؛ لمناقشة أحدث كتبه بعنوان «من الميدان إلى الديوان.. مذكرات وزير فى زمن الثورة»، الصادر حديثا عن دار الشروق، والذى يستعرض من خلاله مجموعة من الرؤى السياسية المختلفة التى تعكس تجربته الشخصية فى العمل لمدة 18 شهرا فى الحكومات الأربع خلال المرحلة الانتقالية التى أعقبت ثورة يناير 2011.
أدارت اللقاء د. عادلة رجب، أستاذة الاقتصاد ومديرة مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والمالية، فى حضور كل من: د. محمود السعيد، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ود. هبة نصّار، أستاذة الاقتصاد ونائبة رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة الأسبق، بالإضافة إلى نخبة من أساتذة الاقتصاد والسياسيين.
ووصفت «رجب» الوزير الأسبق بـ «المعتز بمصريته حتى النخاع»، وكشفت عن جانب شخصى فى حياة الوزير، فى كونه اعتاد ممارسة ثلاث رياضات هى: الملاكمة والإسكواش وركوب الأمواج، وجميعها رياضات عضلية عنيفة، تحتاج الذكاء والحرص فى اتخاذ القرارات، وهو ما انعكس على أداه فى الوزارة.
وقال د. محمود السعيد إن كتاب «من الميدان إلى الديوان»، تناول موضوعات مهمة تمس الشارع المصرى؛ كإمكانية تحديد تسعيرة للسلع الأساسية، وكيفية الاتجاه نحو الاكتفاء الذاتى زراعيًا وصناعيًا، كما تطرّق عبر صفحاته للتحديات التى واجهها أثناء عمله بالوزارة؛ كمواجهاته المتعددة مع تجار القمح والأرز، ونوّه عن أن علاقة «عبدالخالق» بالشعب المصرى كانت علاقة مميزة؛ حيث كان دائم الحرص على توجيه الخطاب للشعب المصرى مباشرة، بدون اتخاذ أى وسيط إعلامى أو صحفى.
وأوضح د. جودة عبدالخالق أنه لجأ لاستعمال «الكتابة الإبداعية» فى الكتاب؛ حيث تحدث للقارىء بمنتهى الشفافية والموضوعية، ووصف قراءة الكتاب بـ «الرحلة الميدانية» التى تأخذ القارئ لديوان الوزارة؛ ليرى عن كثب كواليس الحياة بها، وأضاف أن عيب الكتابة بهذا النمط يكمن فى أنها «حمّالة أوجه»؛ مما يسهل توجيه الاتهامات له بحذف بعض الفقرات أو عدم التطرق للأمور الشائكة، ولكنه أكد أن الشىء الوحيد الذى تم حذفه هو أسماء «لصوص المال العام» كما أسماهم حتى يُجنِّب دار النشر المساءلة القانونية.
وفى استعراض لفصول الكتاب المؤلف من 5 فصول ــ والذى أوضح «عبدالخالق» أنه مهدى بالكامل لذكرى شهداء 25 يناير ــ تحدث الوزير السابق عن الفصل الأول الذى يحمل عنوان «من السيدة إلى سيدنا الحسين»، وهو يروى تجربته فى «الركض» ما بين مقرى وزارة الشئون الاجتماعية فى العجوزة ووزارة التموين بقصر العينى، الواقعتين تحت مظلة وزارة التضامن والعدالة الاجتماعية، وكشف أنه استوحى الاسم من أغنية «عبدالمطلب» الشهيرة، حيث كان يعتبر العجوزة وقتها ملاذًا آمنًا هربًا من قصر العينى القريب من ميدان التحرير بما كان يعتمل به من غليان وتأجج.
أما فى الفصل الثانى بعنوان «القسم الوزارى والبيروقراطية القاتلة»، يتحدث الوزير الأسبق عن إصراره على «حفظ» القسم الوزارى عن ظهر قلب قبل الإدلاء به؛ حيث رأى فى الأمر تحديًا يؤكد أن عجزه عن عمله يعنى عجزه عن القيام بأى شىء مثمر فى الوزارة، كما ذكر أحد المواقف بعد توليه المنصب حين دخلت عليه مديرة مكتبه مُحمّلة بتلال من الأوراق، وعندما سألها عن محتواها، أجابت أنها طلبات متنوعة قدمها المواطنون وأغلبها طلبات لاستخراج بطاقات تموينية، وهنا أُسقِط فى يد الوزير؛ حيث نه ليس من اختصاص الوزير إصدار البطاقات التموينية للأفراد، ولكنها مسألة «تركيز السلطة» التى تُعلى زورًا من شأن الوزير وتفرض عليه ما ليس بمهامه.
ويُصوِّر الفصل الثالث بعنوان «إيزيس تلملم أشلاء أوزوريس» جهود «عبدالخالق» فى «تجميع أشلاء» وزارة التموين التى تم تقطيعها وإحالة الكثير من كياناتها الفاعلة لوزارة التجارة والصناعة خلال حكومة «نظيف» عام 2005: كهيئة السلع التموينية، وجهاز حماية المستهلك، ولم يبق بها سوى قطاع الرقابة والتوزيع فقط.
وأضاف «عبدالخالق» أنه لجأ من أجل تحقيق ذلك إلى فضح ما كان يقوم به بعض تجار القمح من التحصل على أرباح ربوية بعد استيراده من الخارج وتوريده للحكومة؛ حيث قام بتوقيف واحد من التجار كان يستورد طن القمح من كازاخستان بمبلغ 300 دولار، ثم يطلب من المُورِّد إصدار الفاتورة ب360 دولارا، وتمكن بهذه الطريقة من التربح بمبلغ 186 مليون دولار خلال عام واحد فقط، وأكد أن أول قرارته الوزارية بعد توليه المنصب فى 22 فبراير عام 2011 كان ضم تلك الكيانات من جديد لبيتها الأصلى فى وزارة التموين، كما أصدر قرارًا وزاريًا بجعل استيراد القمح لإنتاج الخبز المُدعّم من اختصاص وزارة التموين حصريًا.
وأفصح عن أنه واجه العديد من العقبات؛ بسبب أن المجموعة التى كانت تتاجر فى القمح هى مجموعة شديدة البأس والثراء؛ وبالتالى المواجهة معهم كان يجب أن تكون مدروسة العواقب؛ ولكنه تمكن من التغلب عليها وترسيخ مكانة مصر فى إطار العلاقات الدولية كأكبر مستورد للقمح، كما حوّل سوق القمح من سوق بائعين إلى سوق مشترين.
وتطرّق «عبدالخالق» للحديث عن إصلاح منظومة الخبز، حيث أكد أن الخبز «منتج ثقافى» قبل أن يكون سلعة، ويختلف من محافظة إلى أخرى، وقد رصدت موسوعة «المأثورات الشعبية» الصادرة عن هيئة قصور الثقافة فى عددها الثانى، وجود حوالى 200 لـ 300 نوع مختلف من الخبز فى أنحاء الجمهورية، وتابع: «بسبب الفساد السياسى انتشرت ظاهرة مخابز إنتاج الخبز البلدى فى جميع القرى والنجوع، والتى تنتهك حصة الدقيق انتهاكًا مباشرًا؛ حيث يتحصل صاحب المخبز على طن الدقيق بسعر 160 جنيها ويبيعه بمبالغ تصل لـ2000 جنيه، وكأنها تماثل أرباح تجارة المخدرات».
وخلال المناقشة أشارت د. هبة نصار إلى أن صفحات الكتاب ضمت آراء أخرى متنوعة للوزير حول موضوعات شتى؛ كالحد الأنى للأجور، والضرائب التصاعدية، كما ناشدته بالتطرق لتصحيح هيكلة الأجور وملف «المكافآت»، التى يعتمد عليها معظم العاملين بالقطاع الحكومى بسبب عدم كفاية رواتبهم الأساسية، حتى وإن كان مبلغ المكافأة صغيرًا، كمائة من الجنيهات.
وأشاد الدكتور أحمد عزت، أستاذ الاقتصاد، بتناول «عبدالخالق» لـ «الاشتراكية» فى كتابه، حيث طرح مفاهيمها بسلاسة عبر عدة مواقف بالرغم من معاندة الكثيرين فى المجتمع المصرى لها واعتبارهم إياها نوعا من أنواع الكفر السياسى، كما أثنت سميحة فوزى، وزيرة التجارة والصناعة السابقة، على وطنية «عبدالخالق»الجلية، وإخلاصه للقضايا التى يؤمن بها، كما أكدت أن وجوده أثبت أنه يمكن لأستاذ الجامعة أن يشغل موقعًا تنفيذيًا وسياسيًا متميزًا فى ذات الوقت.
وشارك «عبدالخالق» بعضًا من خواطره السياسية مع الحضور؛ فقال إنه كان حريصًا خلال فترة عمله بالوزارة الأخطر على الإطلاق فى المجتمع المصرى كما يراها، على ضبط النفس والتحكم فى ردود أفعاله بسبب خوفه من غواية السلطة من ناحية، وتوليه المنصب فى ظروف عصيبة من ناحية أخرى؛ حيث إنه لم يتصور أن يكون الجهاز الإدارى للدولة مُخوخًا إلى هذا الحد، كما شبّه وضعه فى الوزارة بـ «الكتلة الحرجة»؛ بسبب عدم اتساقه مع أفكار زملائه مما كان يستثير المشاحنات فى بعض الأحيان، وذكر موقفًا تعرض له حين أخبره بعضهم أنهم يقفون إلى جواره فى صلاة الجمعة من أجل «أخذ ثواب الصلاة بجانب يسارى»، وأضاف أنه لا يفكر بالعودة إلى الوزارة الآن؛ لأن هذا الأمر يعد انتحارًا سياسيًا؛ لشدة اختلاف الأوضاع عن سنوات الثورة حين كان محميًا بالشارع المصرى.
وأكد أن الثورة تعرضت للاختطاف أو السرقة مرتين: الأولى على يد الإخوان، والثانية على يد عناصر نظام مبارك، ولكن علم تاريخ الثورات يقول إن التصحيح قادم مهما طال الأمد، ولنا فى الثورة الإنجليزية التى قامت عام 1640 ولم تستقم أمورها حتى القرن الـ18، عبرة.
وعن علاقة وزارته بالإعلام، صرّح «عبدالخالق» أنه كان يدعم الإعلام النزيه، غير المعتمد على تلبية المصالح وتوجيه النقد الأعمى ونشر المعلومات المغلوطة، وذكر أنه كان ضيفًا بأحد البرامج التليفزيونية ذات مرة، حيث عرض عليه المذيع مقطعًا لمظاهرات تندد بالوزارة، فعلّق «عبدالخالق» على الفور أن الأشخاص فى الفيديو يرتدون الملابس الشتوية فى حين أن الوقت كان صيفًا.
يذكر أن د. جودة عبدالخالق مفكر اقتصادى وعضو بارز فى حزب التجمع، عمل خبيرًا بالبنك الدولى، ومستشارًا لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ولعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كما عمل أستاذًا زائرًا فى عدد من الجامعات العربية والأمريكية. من أهم أعماله العلمية: «الاقتصاد السياسى لتوزيع الدخل فى مصر»، و«الانفتاح الاقتصادى»، و«الصناعة والتصنيع فى مصر والأزمات المالية العالمية».