الغارمات.. قصص خلف الأسوار وفرصة ثانية للحياة - بوابة الشروق
الأحد 2 أغسطس 2026 10:43 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

الغارمات.. قصص خلف الأسوار وفرصة ثانية للحياة

كتبت ــ آية عامر:
نشر في: الأحد 2 أغسطس 2026 - 9:28 م | آخر تحديث: الأحد 2 أغسطس 2026 - 9:43 م

من ورشة تطريز إلى زنزانة.. «هناء» بدأت من جديد بعد السجن: «اتعلمت أقف على رجلى تانى»

إحدى ضحايا إيصالات الأمانة والقروض: «ضمنت زوجى وتخلى عنى بعد الحبس»

رئيس الاتحاد العام للجمعيات لـ«الشروق»: تراجع أعداد الغارمات.. ولا ندعم إلا الحالات المستحقة بعد فحص دقيق

عبد القوى: الجمعيات لا تقوم بسداد المديونية مباشرة للغارمة وإنما تتعامل مع الدائن

 

بين التعثر المالى وإيصالات الأمانة، تتحول حياة بعض السيدات فى لحظة إلى سلسلة من القضايا وأحكام الحبس، رغم أن كثيرات منهن لم يكن يسعين إلا إلى إعالة أسرهن أو مساعدة أزواجهن أو إنقاذ مشروع صغير من التعثر.

وفى المقابل، تقودهن رحلة الخروج من السجن إلى محاولة جديدة للوقوف على أقدامهن، بدعم من الجمعيات الأهلية التى لا تكتفى بسداد الديون، بل تساعدهن أيضا على اكتساب مهنة تضمن لهن مصدر رزق كريما.

«الشروق» ترصد شهادات لسيدات عشن تجربة الغرم والحبس، وتروى كل منهن كيف تحولت أحلامهن البسيطة إلى معاناة، قبل أن تبدأ رحلة جديدة نحو الاستقرار.

فبين ليلة وضحاها، تبدلت حياة هناء حسن، 48 عامًا، من سيدة تعول أسرتها وتدير ورشة صغيرة لتطريز العباءات، إلى غارمة تقضى أشهرًا خلف القضبان بسبب ديون وقضايا لم تتخيل يومًا أن تصل إليها.

وتواصلت «الشروق» مع هناء، التى روت تفاصيل رحلتها مع الديون والسجن، مؤكدة أن بداية الأزمة كانت مع جائحة كورونا، التى أغلقت أبواب الرزق أمام مشروعها الصغير.

تقول هناء، وهى أم لابنتين وولد، ومنفصلة منذ سنوات، بينما توفى والد أبنائها قبل أربع سنوات: «كان عندى ورشة تطريز عبايات فى إمبابة، وكان معايا ناس شغالة، والحمد لله الدنيا كانت ماشية كويس لحد ما جت أزمة كورونا، وكل الشغل وقف».

وتضيف أنها كانت قد حصلت على قرض بقيمة 5 آلاف جنيه من إحدى الجمعيات لتمويل مشروعها، وكانت قيمة القسط الشهرى 560 جنيهًا، وتمكنت من سداد أول قسط بالفعل، إلا أن توقف العمل بسبب الجائحة حال دون استكمال السداد.

وتابعت: «وقتها البنك المركزى أعلن مهلة للمتعثرين، لكن الجمعية كانت واخدة منى إيصال أمانة على بياض، واتفاجئت بعد كده إنهم كتبوا فيه 120 ألف جنيه، رغم أننى لم استلم سوى 5 آلاف جنيه، ورفعوا ضدى قضية، وصدر حكم بالحبس سنة».

وتروى هناء لحظة تنفيذ الحكم قائلة: «فى أواخر 2020 فوجئت بالمباحث عند باب البيت لتنفيذ الحكم، عملت معارضة وخرجت من القسم، لكن وأنا بخلص الإجراءات اكتشفت إن فيه قضية قديمة من سنة 2010».

وتوضح أن القضية الثانية تعود إلى سنوات سابقة، عندما وقعت ضامنة لزوجها الراحل فى شراء غسالة بنظام التقسيط، قائلة: «كنت ضامنة أبو ولادى فى غسالة، وما كنتش أعرف إن القضية لسه مفتوحة، واتقبض عليا بسببها، واتحبست ستة شهور».

ورغم قسوة التجربة، تؤكد هناء أن السجن لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية جديدة. وتقول: «بعد خروجى لقيت ناس ساعدونى ووقفوا جنبى، واتعلمت الخياطة والتطريز من خلال جمعية أطفال السجينات بتدعم السيدات الغارمات، واشتغلت معاهم».

ولم تكتف بذلك، بل حاولت أن تبدأ مشروعا جديدا يناسب ظروفها، مضيفة: «عملت صفحة على مواقع التواصل الاجتماعى ببيع من خلالها أكل بيتى، وبحاول أبدأ من جديد وأعيش بكرامة».

وتختتم حديثها برسالة لكل سيدة تمر بأزمة مشابهة: «مهما كانت الأزمة كبيرة، لازم الإنسان يتمسك بالأمل، لأن ربنا ممكن يفتح له باب جديد عمره ما كان يتخيله».

كما تروى (ن.م) البالغة من العمر 42 عامًا، وأم لولدين ومنفصلة عن زوجها، أن أزمتها بدأت قبل نحو ثمانى سنوات، عندما حصلت على قرض بسيط بقيمة 15 ألف جنيه، لم يكن من أجل مشروع خاص بها، وإنما لمساعدة زوجها آنذاك على تجاوز أزمة مالية.

تقول: «كنت فاكرة إنى بساعد بيتي، ومكنتش متخيلة إن القرار ده هيغير حياتى كلها». وتضيف أن زوجها لم يتمكن من سداد الأقساط، لتجد نفسها مطالبة بالدين، بعدما كانت قد وقعت على عشرات إيصالات الأمانة.

وتوضح: «مضيت على 36 إيصال أمانة، وكل إيصال كان بمبلغ مختلف، واتحولت فجأة إلى متهمة فى 29 قضية». وأشارت إلى أن الأزمة لم تقتصر على الديون فقط، بل امتدت إلى حياتها الأسرية، إذ انتهى الأمر بالانفصال عن زوجها، بينما كانت تواجه وحدها تبعات القضايا والأحكام الصادرة ضدها، والتى وصلت فى مجموعها إلى نحو عشر سنوات.

وتقول إن نقطة التحول فى حياتها جاءت بعد خروجها، عندما دلّها بعض جيرانها على إحدى الجمعيات الأهلية التى تهتم بدعم الغارمات، حيث أجرت الجمعية بحثا اجتماعيا عن حالتها، ثم بدأت رحلة جديدة بعيدا عن الديون والمحاكم.

وتابعت: «الجمعية علمتنى ووقفت جنبى، وحاليًا بشتغل معاهم، وبشارك فى الدورات التدريبية والأنشطة، وبحاول أبدأ حياة جديدة وأعتمد على نفسى».

وتؤكد (ن.م) أن أكثر ما تتمناه اليوم هو ألا تمر أى سيدة بالتجربة نفسها، وأن تفكر جيدا قبل التوقيع على أى أوراق أو إيصالات أمانة، حتى لو كان ذلك من أجل أقرب الناس إليها.

ومن جهته، قال طلعت عبد القوى، رئيس الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية، إن هناك عددًا لا بأس به من الجمعيات الأهلية التى تعمل على مساعدة الغارمات وسداد مديونياتهن تمهيدًا للإفراج عنهن، من بينها مؤسستا مصر الخير ومؤسسة الزكاة.

وأوضح عبد القوى، فى تصريحات خاصة لـ«الشروق»، أن مساعدة الغارمات تخضع لضوابط ومعايير دقيقة، أبرزها صدور حكم قضائى نهائى واجب النفاذ، والتأكد من أن السجن جاء نتيجة تعثر فى سداد دين أو مديونية، وليس بسبب ارتكاب جريمة.

وأضاف أن الجمعيات لا تتعامل مع جميع المحبوسين، مؤكدًا: «ليس كل من يقضى عقوبة حبس يعد غارمًا، فالغارم هو من تورط فى مديونية أو التزام مالى ولم يتمكن من سداده، أما المحبوسون فى قضايا جنائية أو جرائم مثل الاتجار فى مديونات المخدرات فلا تشملهم هذه المساعدات، لأننا لا ندعم المجرمين».

وأشار إلى أن أعداد الغارمات شهدت تراجعا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، لافتًا إلى أن الجمعيات تجرى بحثا اجتماعياً دقيقا لكل حالة للتأكد من استحقاقها للدعم، والتأكد من أنها ليست حالة نصب أو تحايل، وأنها بالفعل تعانى من ظروف مالية قهرية.

وأوضح أن الجمعيات لا تقوم بسداد المديونية مباشرة للغارمة، وإنما تتعامل مع الدائن، حيث يتم التفاوض معه لتخفيض قيمة الفوائد أو إسقاط جزء منها، بهدف سداد أصل الدين أو أكبر جزء ممكن منه، مع التأكد من تحرير تنازل رسمى عن المحضر أو القضية بعد السداد، بما يضمن إنهاء الإجراءات القانونية والإفراج عن الحالة.

وأكد عبد القوى أن الاتحاد والجمعيات الأهلية لا يقتصر دورها على سداد الديون، بل تنفذ أيضًا مبادرات توعوية لحماية المواطنين من الوقوع فى دوامة الديون والحبس، موضحًا أن بعض الأشخاص يحتاجون إلى مبالغ بسيطة، مثل 5 آلاف جنيه، لكنهم يوقعون على إيصالات أمانة بقيمة 50 ألف جنيه، ما يعرضهم لاحقًا للحبس.

وشدد على أهمية تكثيف حملات التوعية، حتى لا يعتقد البعض أن بإمكانه الاقتراض دون حساب اعتمادًا على وجود جمعيات ستتولى سداد ديونه، مؤكدًا أن المساعدات تُقدم فقط للحالات المستحقة وبعد استيفاء جميع الضوابط والإجراءات.

ورصدت «الشروق» إعلانا منشورا عبر الصفحة الرسمية لأحد مكاتب المحاماة بمحافظة المنوفية، بشأن إطلاق مبادرة تستهدف المساهمة فى فك كرب الغارمات، من خلال التنسيق مع رجال الأعمال وأصحاب الشركات وأهل الخير بالمحافظة.

وبحسب ما جاء فى الإعلان، تهدف المبادرة إلى حصر الحالات المستحقة، ومراجعة موقفها القانونى، ثم التواصل مع الدائنين واتخاذ الإجراءات اللازمة للتوصل إلى تسويات وسداد المديونيات، بما يساهم فى الإفراج عن الغارمات وعودتهن إلى أسرهن.

وأكد القائمون على المبادرة أن دور المكتب يقتصر على تقديم الدعم القانونى والتنسيق بين جميع الأطراف دون الحصول على أى مقابل مادى، مشيرين إلى أنه لن يتم فى المرحلة الحالية تلقى أو جمع أى تبرعات أو مبالغ مالية.

وأضاف الإعلان أنه حال الانتقال إلى مرحلة تنفيذ المبادرة، سيتم تشكيل لجنة مستقلة تضم شخصيات مشهودا لها بالنزاهة والحياد، لتتولى إدارة أى مساهمات مالية والإشراف عليها، مع الإعلان عن آلية عملها قبل بدء تلقى أى تبرعات، بما يضمن تحقيق أعلى درجات الشفافية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك