زار الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، مسجد ومقام العارف بالله عبد الوهاب الشعراني بميدان باب الشعرية في وسط القاهرة، الأحد، وكانت الزيارة تمهيدًا لإطلاق عمليات التطوير والصيانة الشاملة للمسجد، في إطار التوجيهات الرئاسية بشأن تجديد مساجد آل البيت والأولياء والصالحين، والتي ضمت عددًا من المساجد التاريخية، أشهرها الإمام الحسين، ومسجد السيدة زينب، ومسجد السيدة نفيسة، ومسجد السيدة عائشة.
* نسب إلى آل البيت
ووفقًا للموقع الرسمي لوزارة الأوقاف، فإن الاسم الكامل للإمام عبد الوهاب الشعراني هو «عبد الوهاب بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن زرفا»، وتعود أصوله إلى أسرة عربية عريقة ترجع إلى قبيلة «بني زغلة»، وينتهي نسبها إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وعُرف الشعراني بعدة ألقاب؛ فحمل لقب «الأنصاري» نسبة إلى جده علي نور الدين الأنصاري، و«الشافعي» نسبة إلى المذهب الشافعي الذي درسه وتبحر فيه وألّف في مسائله، بينما جاءت نسبته «الشعراني» إلى قرية «ساقية أبي شعرة».
وُلد الشعراني في السابع والعشرين من رمضان عام 897هـ، في قرية قلقشندة بمحافظة القليوبية، في بيت جده لأمه، ولم تدم رعاية والديه له طويلًا، إذ توفيا في وقت مبكر، فنشأ يتيم الأبوين، وتولى شقيقه عبد القادر كفالته ورعايته.
وفي سن مبكرة، بدأ الشعراني رحلته مع العلم؛ فحفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره، ثم انتقل إلى القاهرة والتحق بالأزهر الشريف عام 911هـ، ونبغ في دراسته، وتتلمذ على نحو خمسين شيخًا.
* حياته بين الزهد والعبادة.. ليله صلاة ونهاره صيام
وخلال سنوات طلبه للعلم، اتجه الشعراني إلى الزهد والتفرغ للعبادة، فقطع علائقه الدنيوية، وأمضى سنوات في التهجد، حتى كان لا ينام إلا قليلًا ومتقطعًا، وأدام الصيام، وكان يكتفي عند الإفطار بأوقية من الخبز. ويروي ابن العماد في «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» أن الشعراني عاش تلك المرحلة في مجاهدة شديدة.
وفي الوقت نفسه، لم ينقطع الشعراني عن طلب العلم، وحرص على الأخذ عن شيوخ عُرفوا بالعلم والعمل. فكان ممن قرأ آثارهم وتأثر بهم ابن الفارض، ومحيي الدين ابن عربي، وأحمد البدوي، كما أخذ عن عدد من شيوخ عصره، وفي مقدمتهم زكريا الأنصاري، الذي ألبسه «الخرقة». ويذكر أبو صالح محمد المليجي في «المناقب الكبرى» أن هؤلاء الشيوخ جمعوا بين العلم والعمل.
وكانت أسرته وشيوخه عونًا له على الاستمرار في طريق العلم والعبادة، حتى اشتهر بين الناس بالزهد. وكان كثيرون يقدمون إليه الأموال والهدايا، لكنه لم يكن يحرص على الاحتفاظ بها؛ فكان يعرض عنها أحيانًا، ويقبلها أحيانًا أخرى، ثم يذهب بها إلى جامع «الغمري» ويوزعها على الفقراء والصبيان.
ومن تمام زهده وكرم خلقه، أنهم قالوا له مرة: «ألا تشتري بهائم؟»، فقال: «إذا اشتهت نفسي ذلك، وقفت على مرتفع خارج البلد وقت رجوع الناس من حقولهم، وقلت: كل هذه البهائم الآيبة من المرعى لي، فإنه لا فرق بين أن تكون في داري أو في دور أهل البلد، لأنه لا ملك لأحد مع الله».
ويشير الدكتور عبد الحفيظ فرغلي في كتابه «عبد الوهاب الشعراني إمام القرن العاشر» إلى أن هذا الزهد رفع مكانة الشعراني في أعين الناس، حتى وصلت شهرته إلى السلطان سليم الأول، الذي ذهب بنفسه إلى زيارته، وتذكر الرواية أنه لم يفعل ذلك مع أحد غيره.
وترك الشعراني للمكتبة الإسلامية أكثر من 200 مؤلف، من أبرزها: «الطبقات الكبرى»، و«آداب العبودية»، و«أسرار أركان الإسلام»، و«لطائف المنن والأخلاق».