تشهد الشوارع الإيرانية موجة احتجاجات متواصلة منذ أيام، في مشهد يعكس تصاعدا جديدا لحالة الغضب الشعبي؛ ورغم أن النظام الإيراني سبق أن واجه احتجاجات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن التطورات الحالية تحمل أبعادا مختلفة، خاصةً مع دخول العامل الخارجي على خط الأزمة.
في هذا السياق، لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية الضرب بقوة في المكان المؤلم إذا ما أقدمت السلطات في إيران على قمع المتظاهرين، مؤكدا أن الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد للمساعدة، ما يضيف بعدا حساسا إلى الأزمة.
وفي إسرائيل، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، إن الجميع يأمل أن تتحرر الأمة الإيرانية قريبا من نير الاستبداد، وعندما يحين ذلك اليوم ستصبح إسرائيل وإيران مجددا شريكين مخلصين في بناء مستقبل من الازدهار والسلام لكلا الشعبين، وفقا لما نقلته "بي بي سي".
يعني ذلك أن النظام الإيراني يواجه وضعية جديدة وأزمة غير مسبوقة، قد تجعل مسألة سقوطه الوشيك مطروحة بقوة، وهو ما يفتح باب التساؤل: كيف نشأ هذا النظام؟ وكيف صعد؟ وكيف استطاع الصمود لما يقارب خمسين عاما، رغم مروره بحروب إقليمية، وتعرضه لخنق العقوبات الأمريكية وحلفائها الغربيين؟.
في التقرير التالي، ووفقا لما يورده كتاب "إيران.. دراسة تاريخية وجيوسياسية" للدكتور جمال واكيم، نطل بقراءة تاريخية في ظروف صعود النظام الإيراني وجذور استمراره.
الثورة البيضاء وصعود الخميني
بحسب ما يذكره الكتاب، تعود إحدى البدايات المفصلية لصعود الثورة الإسلامية إلى ستينيات القرن الماضي، حين تصدّى الفقهاء للقوانين التي أصدرها الشاه عام 1963، والتي أطلق عليها اسم "الثورة البيضاء"، معتبرين أنها تمثل تكريسا لتغريب هوية إيران وتقويضا لمرجعيتها الدينية والاجتماعية.
يشير الكتاب إلى أن آية الله روح الله الخميني كان على رأس المعترضين، إذ حرّض الشعب علنا ضد سياسات الشاه وعلاقاته الوثيقة بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي هذا السياق، يتوقف الكتاب عند "ثورة 15 خرداد" (5 يونيو 1963)، التي تزامنت مع ذكرى مأساة كربلاء، بما تحمله من رمزية دينية عميقة في الوعي الشيعي، وسانده خلالها طلاب الحوزة العلمية في مدينة قم.
ووفقا لقراءة الكتاب، سرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى مظاهرات واسعة قوبلت بقمع دموي، قُتل خلالها الآلاف، فيما أُلقي القبض على الخميني وأُودع السجن، إلا أن هذا القمع، كما يوضح المؤلف، أدى إلى نتيجة عكسية؛ إذ اجتمع كبار المراجع الدينية وأعلنوا ترقيته إلى رتبة "آية الله العظمى"، وهي مرتبة تمنح صاحبها حصانة تحول دون سجنه.
وبحسب تحليل الكتاب، أسهم هذا التطور في تكريس الدور السياسي والديني للخميني بوصفه مدافعا عن "حقوق المستضعفين"، ومنذ تلك اللحظة أخذت مكانته في الاتساع، وتزايد تأثيره عاما بعد عام في دفع الاحتجاج الشعبي ضد نظام الشاه.
آية الله العظمى
يذكر الكتاب أن شرارة أخرى للثورة جاءت عام 1977، مع الضغوط الشديدة التي مارستها الإدارة الأمريكية والرئيس جيمي كارتر على الشاه، لدفعه إلى تخفيف قبضته الحديدية خوفا من انفجار شعبي متوقع.
إصلاحات محدودة
وبالفعل، أقدم الشاه على عدد من الإصلاحات السياسية المحدودة، قلّصت من السلطات شبه المطلقة لقوات الأمن والمخابرات، وفتحت هامشا ضيقا من حرية التعبير والحركة، غير أن الكتاب يلفت إلى أن الشاه لم يدرك أن أخطر اللحظات التي تواجه أي نظام استبدادي هي لحظة شروعه في الإصلاح، كما لاحظ المؤرخ الفرنسي توكفيل.
وفي خريف 1977، ووفقا لما يرصد الكتاب، اندلعت موجة واسعة من الاحتجاجات، وظهرت إلى العلن منظمات وجمعيات مهنية متعددة، في مقدمتها تجمعات المحامين والقضاة وأساتذة الجامعات والصحافيين والطلاب، بمن فيهم من طلاب المؤسسات الدينية، مطالبة بالحقوق الديمقراطية ومنددة بحزب الصحوة الحاكم.
ومن جانب آخر، يشير الكتاب إلى نهوض الحركة العمالية عبر سلسلة مؤثرة من الإضرابات، لتتطور التحركات المختلفة إلى تظاهرات جماهيرية ضخمة عام 1978، رفعت مطالب بوقف الهجمات الأمنية على الطلاب، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، وقطع العلاقات مع القوى الاستعمارية، والاستجابة للمطالب الاقتصادية للعمال والفلاحين.
ويؤكد المؤلف أن الحركة لم تكن ذات طابع طبقي محدد، بل ضمت تنوعا واسعا من المطالب، كما يعزو استمرار طابعها الشعبي إلى عاملين أساسيين: عجز اليسار الإيراني عن توحيد حركة العمال والفلاحين الفقراء بشكل مستقل، وغياب أحزاب يسارية ثورية قادرة على طرح بديل واضح لشعارات الخميني.
وفي هذا الفراغ، بحسب الكتاب، لم يكن مستغربا أن يتحول الخميني إلى الرمز الأبرز للجماهير الثائرة، وأن تتصدر شعاراته المشهد، وصولا إلى تصاعد مطلب عودته من منفاه الباريسي وإسلامية الثورة.
ويشير الكتاب إلى أن ما أسقط الشاه فعليا لم يكن التظاهرات وحدها، بل التدخل الحاسم للطبقة العاملة، خاصةً مع إضرابات عمال البنوك والمصانع وسكك الحديد والموانئ، وصولا إلى الضربة القاضية بإضراب عمال النفط.
هروب الشاه واستقبال الخميني
في 11 ديسمبر 1978، خرج أكثر من مليوني متظاهر إلى شوارع طهران، وشُلّت أجهزة الأمن والجيش، وفرّ الشاه من البلاد.
وفي 1 فبراير 1979، عاد الإمام الخميني إلى طهران، وكان في استقباله أكثر من ثلاثة ملايين إيراني، وبحسب ما يخلص إليه الكتاب، لم تكن الأطروحات الإسلامية خلال الثورة حكرا على الخميني وحده، إذ برز تأثير أفكار علي شريعتي، إلى جانب الاشتراكية الإسلامية التي تبناها تنظيم المجاهدين، والليبرالية الإسلامية التي طرحها مهدي بازركان، فضلا عن الرؤى الإسلامية التقليدية.
ويختم الكتاب بالإشارة إلى أن النظام الجديد واجه تحديات ضخمة في بداياته، خاصةً مع استمرار الحالة الثورية والمطالب العمالية، وغياب تصور اقتصادي واضح، قبل أن تفرض الحرب مع العراق والحصار الأمريكي دورا مركزيا للدولة في الاقتصاد، عبر هيمنة رأسمالية الدولة ومؤسسات "البونياد" الخاضعة لسيطرة رجال دين الخميني.