بي بي سي: لماذا يرفض السويديون الحديث عن ثرواتهم؟ - بوابة الشروق
الجمعة 15 نوفمبر 2019 4:15 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

بي بي سي: لماذا يرفض السويديون الحديث عن ثرواتهم؟

التباهي بالثروة أو حتى مناقشة راتب متوسط مع شخص غريب، يشكل أحد المحرمات في المجتمع السويدي.<br/>
التباهي بالثروة أو حتى مناقشة راتب متوسط مع شخص غريب، يشكل أحد المحرمات في المجتمع السويدي.

نشر فى : السبت 12 أكتوبر 2019 - 6:34 ص | آخر تحديث : السبت 12 أكتوبر 2019 - 6:34 ص

يعج حي أوسترمالم بكل ما يؤكد أنه بالفعل الحي الأكثر ثراء في العاصمة السويدية ستوكهولم؛ إذ توجد يخوت خاصة وحانات عائمة على شاطئ النهر ومتاجر تعرض منتجات غالية الثمن ومطاعم فاخرة، فضلا عن بعض من أغلى العقارات في المدينة.

كما تغص المنطقة بأُناس ذوي مظهر متأنق يحاولون الاستمتاع بشمس الخريف. لكن من المستحيل تقريبا أن تجد منهم من يحدثك بارتياح عن ثروته.

أحدهم وهو في الثلاثين من العمر، ويشغل وظيفة بارزة في مجال التسويق قال لي: "لن أخبرك عما أكسبه؛ لأنني لا أرى سببا لفعل ذلك". الموقف نفسه تبناه شاب آخر، رد على سؤالي عن راتبه باقتضاب قائلا: " هذا أمر سري".

وتبرز النظرة التقليدية لهذين الشابين - وغيرهم من السويديين - كونهم ينعمون بما يُعرف بالديمقراطية الاجتماعية، أنه بالرغم من أنهم يدفعون ضرائب مرتفعة؛ فإن التفاوت في الدخول بينهم محدود بالمعايير الدولية.

ومع أن الواقع يعزز هذه الصورة النمطية؛ فإن الفجوة بين فقراء هذا البلد وأغنيائه تتسع باطراد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى حد يجعل دخل أغني 20 في المئة من مواطنيه يفوق ما يكسبه أفقر 20 في المئة منهم، بواقع أربع مرات.

وبينما يشكل الحصول على دخل مرتفع إشارة على نجاح المرء في الكثير من دول العالم، فإن لدى السويديين نفورا عميقا من الحديث عن دخولهم. لذا فشلت كل جهودنا تقريبا لترتيب مقابلات مع شبان سويديين أثرياء. فبعيدا عن ميكرفونات التسجيل، لم يكن هؤلاء يمانعون في الحديث عن منازلهم المتعددة أو يخوتهم الفاخرة وسياراتهم الفارهة، لكن الصمت كان يلفهم ما إن نشرع في تدوين ما يقولون.

أحدهم أرسل لي رسالة نصية، بدت تجسيدا للمشاعر التي تختلج في نفسه ونفوس كثيرين غيره، قال فيها "لدي شعور بأن ذلك الحديث عن الثروة والدخل سيكون بمثابة مباهاة وتفاخر، وهو ما لا أرتاح له للأسف".

وفي ضوء أن الحديث عن أمور مثل هذه، لا غضاضة فيه في بقاع أخرى في العالم، بدا غريبا أن لا نجد أحدا تقريبا في ستوكهولم يفخر بأنه ينعم بالثراء.

"غير مريح"
برأي لولا أكينمَيد ووكستروم، وهي كاتبة متخصصة في شؤون الثقافة السويدية تعيش في ستوكهولم منذ أكثر من عقد في الزمان، يشكل الحديث عن المال موضوعا "غير مريح لأقصى حد في السويد". بل إن التباهي بالثروة أو حتى مناقشة راتب متوسط مع شخص غريب، قد يشكل أحد المحرمات في المجتمع السويدي، لدرجة أن الكثير من أبنائه ربما سيكونون في هذه الحالة أكثر تقبلا وارتياحا "للحديث عن أمور مثل الجنس"، مقارنة باستعدادهم للخوض في نقاش بشأن الدخل المالي.

وتتفق مع هذه الرؤية الصحفية السويدية ستينا دولغرين (28 عاما)، التي عاشت لعدة سنوات في الولايات المتحدة. فبينما يشيد الأمريكيين بمن يفصح عن أنه يجني الكثير من المال ويشجعونه، يراه السويديون غريب الأطوار. ففي السويد "لا يسأل المرء عن الراتب أو عن المال".

ويتفق الكثير من الكُتّاب المتخصصين في مجال الثقافة على أنه يمكن تفسير جانب كبير من هالة الحظر المفروضة على الحديث عن الثروة والدخل في السويد، من خلال مفهوم ثقافي عميق الجذور يسود في ما يُعرف بدول شمال الكرة الأرضية، ويُطلق عليه اسم "يانته لوغين". ويشجع هذا المفهوم المرء على ألا يفكر أبدا في أنه أفضل من غيره.

وتقول أكينمَيد ووكستروم - التي تناولت ذلك المفهوم في أحد كتبها - إنه يشكل "قاعدة اجتماعية غير معلنة هنا في السويد وفي الكثير من دول الشمال الأوروبي. الأمر كله يتعلق بألا يكون المرء مبهرجا على نحو مفرط، وألا يتباهى دون ضرورة، وهو وسيلة لإبقاء الجميع - على الأغلب - متساويين، لتبديد مصادر الضغط والتوتر في المجتمع".

واستمد مفهوم "يانته لوغين" - الذي يعني بالسويدية "قانون يانته" - اسمه من مدينة تحترم القوانين وتحمل الاسم نفسه ظهرت في رواية للكاتب النرويجي الدنماركي أكسيل ساندموس عام 1933. لكن الدكتور ستيفن تروتر، وهو أكاديمي اسكتلندي نرويجي أعد مؤلفات عن هذا الموضوع خلال عمله في جامعة غلاسكو الأسكتلندية، يقول إن الروح التي يعبر عنها ذلك المفهوم موجودة في دول الشمال - خاصة في أريافها - منذ قرون.

ويعتبر تروتر أن "يانته لوغين" يمثل "آلية للضبط الاجتماعي، فهو لا يتعلق بالثروة وحدها، وإنما بألا تتظاهر بأنك تعلم ما لا تعرفه في الواقع، أو تتصرف على نحو يفوق وضعك وإمكانياتك".

ويضيف تروتر: "لن يشعر الناس في السويد بالدهشة إذا تحدثت عن كوخك في الغابة، أو عن أن لديك نظام تدفئة تحت أرضية بيتك. فهي أمور شائعة في دول الشمال، ولدى الكثيرين هنا منزل ثانٍ. لكنك غالبا ستتعرض للسخرية قليلا إذا قلت إنك ستنفق القدر نفسه من المال (الذي كرسته لشراء الكوخ أو لتثبيت نظام التدفئة) لاقتناء سيارتين من إنتاج شركة لامبورجيني".

وتقول أكينمَيد ووكستروم إنه بينما تكافح السويد للإبقاء على صورتها في العالم، كدولة تسودها ديمقراطية اجتماعية ولا توجد فيها فروق طبقية؛ فإن الكثير من السويديين لا يزالون يحرصون على أن يحيطوا أنفسهم بأُناس يماثلونهم في مستوى الدخل.

ويعني ذلك - برأي هذه الكاتبة - أن القواعد التي ينطوي عليها مفهوم "يانته لوغين"، يمكن أن تتبدل وتتغير بحسب المستوى الاقتصادي والاجتماعي لمن يحيطون بالإنسان، فالتباهي والتفاخر - مثلا - قد يكونان مقبوليْن بشكل أكبر، إذا حدثا وسط أشخاص ذوي خلفيات متشابهة.

وتضيف: "يشعر الأثرياء براحة أكبر وهم يجلسون خلف الأبواب المغلقة بصحبة من يماثلونهم في الوضع الاقتصادي والاجتماعي. فبوسعهم في هذه الحالة الحديث عما يمتلكونه من منازل صيفية أو سيارات، مع أي شخص آخر ينتمي لمستواهم نفسه".

ويتفق أندرياس كينسن (33 عاما) مع فكرة وجود ارتباط بين كيفية تطبيق مفهوم "يانته لوغين" والسياق الذي يجري فيه ذلك. إذ قال الشاب - الذي التقيناه في حي أوسترمالم خلال جولته على المتاجر الراقية هناك كما يفعل في عصر كل يوم - إنه لن يتردد في أن يخبر أصدقاءه بالرحلات التي يقوم بها إلى الخارج، ولن يحجم عن التفاخر بذلك على حسابيْه على إنستغرام أو فيسبوك، لكنه لن يفعل ذلك بالتأكيد إذا كان يتحدث مع غريب قابله للتو.

رفض متزايد
لكن مفهوم "يانته لوغين" بات يتعرض الآن لانتقادات متزايدة، من جانب عدد متنامٍ من الشبان السويديين الناجحين، الذين يطالبون بأن يتحدث أبناء مجتمعهم بشكل أكثر وضوحا، عن أمور مثل تحقيق النجاح ومراكمة الثروات.

من بين هؤلاء، نيكول فالشاني (22 عاما) التي بدأت منذ أن كانت مراهقة في كسب أموال مقابل التدوين على شبكة الإنترنت، وقد أصبحت الآن إحدى الشخصيات الشهيرة المؤثرة على الشبكة العنكبوتية، بعدد متابعين يبلغ 354 ألفا تقريبا على موقع إنستغرام.

فحينما التقينا هذه الفتاة، خلال جلسة تصوير كانت ترتدي فيها مجوهرات شبيهة بتلك التي ترتديها العروس في حفل زفافها، لم يرف لها جفن عندما سُئلت عن المقابل الذي تحصل عليه للمشاركة في الحملات الدعائية، وردت بالقول "نحو 20 ألف دولار في الحملة الدعائية الواحدة". وتنفق فالشاني أموالها في الأغلب، على السفر للخارج واقتناء حقائب غالية الثمن، كما سبق لها شراء شقة في وسط المدينة، وهي لم تتجاوز العشرين من العمر.

وتقول فالشاني: "أتمنى أن يختفي مفهوم `يانته لوغين`، لأنني أعتقد أن ذلك سيفيد كثيرا كل من يعيشون هنا. إذا كان بمقدورنا الحديث عن المال فسيصبح مجتمعنا أكثر انفتاحا بقدر كبير. إنها لفكرة رائعة أن يكون الجميع متساويين. لكن هذا لا يؤتي ثماره، فإذا كنت تعمل بشكل أكثر جدية من الآخرين، فمن الواجب عليك أن تفخر بذلك".

ويعزو أساتذة جامعيون في النرويج رد الفعل العكسي من قبل الشبان حيال الـ"يانته لوغين"، إلى صعود نجم وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقولون إن التدوين سواء بالكتابة أو بمقاطع الفيديو - بصفة خاصة - يدعم ضربا من "النزعة الفردية الجامحة"، التي تشجع المرء على السعي للتفرد عن الآخرين. وقد كانت هذه النزعة - حتى وقت قريب - أقل انتشارا في دول الشمال الأوروبي، منها في دول الغرب الأخرى، خاصة الولايات المتحدة.

ويضيف الباحثون أن "هناك عددا متزايدا من الناس يستخدمون هذا المصطلح (مفهوم الـ `يانته لوغين`) باعتباره مسبة، خاصة وأن الكثير من الشبان يقولون صراحة إنهم يكرهون هذه العقلية".

وتتفق الكاتبة أكينمَيد ووكستروم مع هذا الرأي، وترى أن لمنصات التواصل الاجتماعي تأثيرا كبيرا بالفعل. وتقول إنه منذ أن أصبحت المباهاة والتفاخر أمريْن شائعيْن على "فيسبوك" وإنستغرام، شرع السويديون - من أصحاب الإنجازات الشخصية البارزة - في الشعور بارتياح أكبر وهم يتحدثون عن نجاحاتهم على رؤوس الأشهاد.

وتضيف أن مَن يفعلون ذلك "أُناس موهوبون ومهرة للغاية، قُمِعوا بفعل انتشار مفهوم `يانته لوغين`.. ويرون في الوقت نفسه أشخاصا ذوي قدرات عادية وهم يتباهون ويتفاخرون بثقة" عبر شبكة الإنترنت.

وتتوقع أكينمَيد ووكستروم أن يتلاشى هذا المفهوم ببطء، بفعل شروع الأشخاص - الذين قُمِعوا طويلا بسببه - في الحديث علنا عما يجيدون القيام به. وتشير في الوقت ذاته إلى حقيقة أن "منصات التواصل الاجتماعي تربط المرء بجمهور أوسع لا يألف مفهوم الـ `يانته لوغين` هذا".

وترى الكاتبة كذلك أن شعبية ذلك المفهوم تراجعت، نظرا لارتفاع معدلات الهجرة. ففي السويد - وهي الدولة الأكثر تنوعا بين دول الشمال الأوروبي - ستجد أن قرابة 25 في المئة من السكان إما وُلِدوا في الخارج أو لأب وأم أجنبييْن.

وتقول أكينمَيد ووكستروم: "الثقافات الأخرى تجلب معها فكرة الاحتفاء بالنجاح وبالموهوبين وبالكفاءات والمهارات".

وتحظى هذه النظرية بتأييد نيكول فالشاني، التي وُلِدَتْ ونشأت في السويد لأب وأم إيطالييْن. وتقول هذه الشابة إنه يصعب عليها في بعض الأحيان، أن تحدد أيا من الموضوعات التي ناقشتها مع أقاربها في إيطاليا، سيحظى بالقبول إذا حاولت الحديث عنه في المجتمع السويدي.

وتقول فالشاني إنها تعتقد أن الوضع يتحسن بالفعل، وأن السويد تصطبغ بطابع أوروبي أكثر وأكثر، مع قدوم مزيد من الأجانب للإقامة فيها جالبين معهم ثقافاتهم المختلفة.

يُضاف إلى ذلك - بحسب قولها - عرض الكثير من البرامج التليفزيونية الأميركية على الشاشات السويدية، وهي برامج لا تتناول مضامينها مفهوما مثل "يانته لوغين" لا من قريب ولا من بعيد. رغم ذلك، تقول هذه الشابة إنها لا تتوقع أن يتلاشى ذلك المفهوم بشكل كامل لأنه "متجذر بشدة في الثقافة السويدية، أو بالأحرى في الثقافة الإسكندنافية".

باحثون متخصصون يشاطرونها هذا الرأي بدورهم، ويقولون إنهم يأملون في أن تبقى الجوانب الإيجابية من هذا المفهوم، وهي تلك التي تتعلق بالحض على التحلي بالتواضع، وأن تتلاشى جوانبه السلبية، المرتبطة بالتقليل من أهمية الآخرين.

اللافت أن بعض المهاجرين للسويد، يقولون إنهم بدأوا الاقتناع بذلك المفهوم، مثل سيدة في منتصف الثلاثينيات من عمرها، جاءت من تشيلي إلى ستوكهولم قبل ثلاث سنوات.

وتقول هذه السيدة: "أعتقد أن لدينا في تشيلي مجتمعا أنانيا بحق، تكتسي فيها الإنجازات الشخصية بالأهمية، مثل نيل المرء درجات علمية أو اتصافه بالجمال أو امتلاكه سيارة أو منزلا. (هنا في السويد) لدينا جارة تعمل عارضة أزياء، لكنها لم تتفاخر قط بأنها تظهر على صفحات المجلات".

وتضيف: "التواضع بالنسبة لي مهم حقا، وما أحبه في السويد أن الأشياء المادية ليست بهذا القدر من الأهمية في ضوء وجود مفهوم الـ `يانته لوغين`" هذا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك