هل استعار جورج أورويل عالمه الديستوبي في «1984» من رواية روسية؟ رواية «نحن» تفتح ملف الاقتباس الأدبي من جديد - بوابة الشروق
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 7:54 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

هل استعار جورج أورويل عالمه الديستوبي في «1984» من رواية روسية؟ رواية «نحن» تفتح ملف الاقتباس الأدبي من جديد

منى غنيم
نشر في: الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 4:11 ص | آخر تحديث: الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 4:11 ص

 منذ أن أصبحت رواية «1984» للكاتب البريطاني جورج أورويل واحدة من أشهر الأعمال الأدبية التي تناولت الاستبداد والرقابة ومراقبة الأفراد، ظل سؤال يتردد بين النقاد والقراء، وهو: إلى أي مدى كان هذا العمل أصيلًا، وهل استعار أورويل عناصر أساسية من رواية روسية سبقت عمله بنحو ثلاثة عقود؟

والرواية المقصودة هي «نحن» (We)، للكاتب الروسي يفجيني زامياتين، التي كُتبت في أوائل عشرينيات القرن العشرين، ونُشرت بالإنجليزية عام 1924، قبل ظهور «1984» عام 1949، ولا يتعلق الجدل بمجرد اشتراك العملين في تصوير مستقبل مظلم تحكمه سلطة شمولية، وإنما يمتد إلى تشابهات في الحبكة والشخصيات وطبيعة العلاقة بين الفرد والدولة، وصولًا إلى مصير الشخصيات الرئيسية في نهاية الروايتين.

وقد أعادت صحيفة «الجارديان» البريطانية في يونيو 2009 طرح المسألة في مقال للصحفي بول أوين بعنوان «هل ارتكب أورويل جريمة فكرية؟ وهل يهم أنه استعار الحبكة؟»، متسائلة عما إذا كانت أوجه التشابه بين الروايتين تستدعي إعادة النظر في مكانة «1984» الأدبية، وذهب المقال إلى أن رواية أورويل تدين لسابقتها الروسية بعناصر من حبكتها وشخصياتها ونهايتها، مع الإقرار بأن أورويل منح هذه العناصر بناءً أدبيًا مختلفًا وتأثيرًا ثقافيًا واسعًا.

عالم تحكمه السلطة وتُراقَب فيه الحياة الخاصة

وصور زامياتين في رواية «نحن» مجتمعًا مستقبليًا يُعرف باسم «الدولة الواحدة»، يخضع سكانه لنظام صارم يسعى إلى إخضاع حياتهم لقواعد محددة، ويُحرمون من مساحة واسعة من الخصوصية والاستقلال الفردي، ويحمل السكان أرقامًا بدلًا من الأسماء، بينما تتيح المباني الزجاجية مراقبة تحركاتهم، وتفرض السلطة رقابتها على تفاصيل حياتهم.

أما في «1984»، فقدم أورويل مجتمعًا تحكمه سلطة الحزب بقيادة الأخ الأكبر، وتراقب فيه الشاشات الناطقة المواطنين، بينما تعمل أجهزة الدولة على ضبط الأفكار والسلوك، وإعادة صياغة الماضي بما يتوافق مع الرواية الرسمية للحزب.

وتظهر المقارنة بين العملين في طبيعة السلطة نفسها؛ ففي رواية زامياتين، يتولى «المحسن» (The Benefactor) قيادة الدولة، بينما يتجسد الحكم المطلق في شخصية الأخ الأكبر (Big Brother) لدى أورويل، وفي العملين، لا تكتفي السلطة بالسيطرة على الأفعال الظاهرة، وإنما تسعى إلى اختراق الحياة الداخلية للفرد، وتقييد قدرته على التفكير والاختيار.

وبرز التشابه كذلك في مسار البطلين؛ فبطل «نحن»، المهندس دي-503، يبدأ في التشكيك في النظام الذي يعيش داخله، وتدفعه علاقته بإحدى المعارضات إلى الاقتراب من التمرد، وفي «1984»، يبدأ ونستون سميث تمرده على الحزب من خلال رفضه الداخلي لأفكاره، ثم علاقته بجوليا، قبل أن يتطور الصراع إلى مواجهة مباشرة مع أجهزة السلطة.

وتزداد المقارنة إثارة للجدل عند الوصول إلى النهاية؛ ففي الروايتين، تقع الشخصيات الرئيسية في قبضة النظام بعد محاولتها التمرد، وتصبح مواجهة التعذيب والإكراه اختبارًا لقدرتها على الاحتفاظ باستقلالها، ولكن النهايتين ليستا متطابقتين؛ إذ تختلف استجابة الشخصيات، كما يختلف مصير الشخصيتين النسائيتين في العملين، وقد استند مقال «الجارديان» إلى هذه التشابهات ليطرح السؤال عما إذا كان أورويل قد استعان بالهيكل الدرامي الذي وضعه زامياتين، ثم أعاد بناءه في صورة أكثر إحكامًا وتأثيرًا.

أورويل قرأ الرواية الروسية وكتب عنها بنفسه

ولم يستند الجدل إلى التشابهات وحدها؛ فمن المعروف أن أورويل قرأ «نحن» وكتب عنها مراجعة نقدية نُشرت في مجلة «تريبيون» البريطانية في 4 يناير 1946، أي قبل نشر «1984» بثلاث سنوات، وفي مراجعته، تناول أورويل الرواية بوصفها عملًا يتأمل سيطرة الآلة على الإنسان، وانتقد جوانب من بنائها الفني، لكنه أبدى اهتمامًا واضحًا بأفكارها، كما ناقش أوجه الشبه بينها وبين رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي، معتبرًا أن عمل زامياتين يستحق أن يحظى باهتمام أكبر من القراء الإنجليز.

وتعد هذه المراجعة دليل موثق على معرفة أورويل بالرواية الروسية، لكنها لا تثبت بمفردها أن كل أوجه التشابه بين العملين جاءت نتيجة اقتباس مباشر، ولا تكفي وحدها لإثبات السرقة الأدبية.

وفي دراسة تمهيدية نُشرت عام 2024 بعنوان «أنت غير موجود: مقدمة إلى رواية 1984»، تناول الكاتب والباحث البريطاني، كريستوفر سنودون ، المراحل التي تشكلت خلالها أفكار أورويل عن الدولة الشمولية، وأشار إلى أن الكاتب البريطاني كان قد دوّن عددًا من الأفكار الأساسية التي ظهرت لاحقًا في روايته قبل قراءته «نحن»، ومنها التحكم في الحقيقة والماضي، والشعارات السياسية المتناقضة، وعلاقة الحب والصراع بالعنف والتعذيب.

واستندت هذه القراءة إلى ملاحظات ورسائل تعود إلى أوائل الأربعينيات، بما يدعم الحجة القائلة إن «1984» لم تنشأ بالكامل بعد اطلاع أورويل على رواية زامياتين، غير أن وجود أفكار أولية سابقة لا ينفي بالضرورة احتمال تأثر بعض تفاصيل البناء الروائي بعمل قرأه الكاتب لاحقًا.

اتهام بالاقتباس أم تأثير أدبي مشروع؟

وكان الناقد والمؤرخ إسحاق دويتشر من أبرز من تبنوا قراءة شديدة النقد لعلاقة الروايتين؛ ففي مقاله «1984: صوفية القسوة»، المنشور في خمسينيات القرن العشرين، رأى أن أورويل استعار العناصر الرئيسية لروايته من عمل زامياتين، واستند إلى معرفته السابقة به وإلى أوجه التشابه في الحبكة والنهاية.

وفي المقابل، أتاحت المقارنات الأدبية بين الروايتين رصد اختلافات جوهرية في الأسلوب والعالم المتخيل وطبيعة السلطة؛ فزامياتين قدم مجتمعًا مستقبليًا بعيدًا، تحكمه النزعة الرياضية والتنظيم الصارم، بينما صور أورويل عالمًا أقرب إلى الواقع السياسي الذي عرفه في القرن العشرين، ومنح قضايا الدعاية وتزييف التاريخ والتحكم في اللغة مساحة مركزية.
 
كما أن بعض المفاهيم المرتبطة بـ«1984»، مثل «الأخ الأكبر» و«التفكير المزدوج» و«جريمة الفكر» و«شرطة الفكر»، اكتسبت دلالات ثقافية وسياسية خاصة، تجاوزت حدود الحبكة الروائية لتصبح تعبيرات شائعة عن آليات السيطرة والاستبداد
.
وطرحت هذه الاختلافات سؤالًا أوسع بشأن حدود التأثر في الأدب؛ فالتشابه في الفكرة أو البناء الدرامي لا يعني بالضرورة السرقة، كما أن إعادة صياغة عمل سابق لا تمحو تلقائيًا احتمال الاقتباس من عناصره المميزة، ويتطلب الفصل بين هذه الاحتمالات فحصًا تفصيليًا للنصين، إلى جانب دراسة التسلسل الزمني لكتابة الروايتين وما تركه أورويل من ملاحظات ورسائل ومراجعات نقدية.

وقدمت الجامعة المفتوحة البريطانية في أغسطس 2022، في مادتها التعليمية عن أورويل ورواية «1984»، قراءة تضع العمل ضمن تاريخ أدب المدينة الفاسدة، وتقر بتأثير «نحن» في الرواية البريطانية، مع الإشارة إلى أن الأدب الذي سبق أورويل تضمن بالفعل تصورات متعددة عن المجتمعات الخاضعة للآلات والسلطة المطلقة.

وفي أبريل 2026، تناول الكاتب والناقد الأدبي ديميان والتر الرواية الروسية في مقال بعنوان «أول رواية ديستوبية»، متوقفًا عند علاقتها بعمل أورويل الأشهر، وأقر والتر بأن «نحن» أثرت في «1984»، لكنه حذر من المبالغة في تقدير حجم هذا التأثير، مشيرًا إلى أن مصادر الإلهام الأدبي لأورويل لم تقتصر على زامياتين، بل شملت كذلك أعمالًا أخرى في أدب المستقبل والمجتمعات الشمولية، واكتسب هذا الطرح أهميته من أنه يضع الروايتين داخل سياق أدبي أوسع، بدلًا من تفسير التشابه بينهما باعتباره دليلًا كافيًا على السرقة.

وفي قراءة حديثة نُشرت في أغسطس 2026، أعاد أستاذ القانون بجامعة جورج واشنطن، دانيال سولوف، تسليط الضوء على الدور الذي أدته رواية «نحن» في تشكيل أدب المدينة الفاسدة، معتبرًا أنها أثرت في عدد من أبرز أعمال هذا النوع الأدبي، وفي مقدمتها «1984» لجورج أورويل.

وقارن سولوف بين المجتمع الذي صوره زامياتين، حيث تُراقَب الحياة الخاصة ويُختزل الأفراد إلى أرقام داخل نظام صارم، وعالم أورويل الذي يسعى فيه الحزب إلى السيطرة على الحقيقة والتفكير، وتساعد هذه المقارنة على فهم جذور التشابه بين الروايتين، وإن كانت لا تحسم وحدها ما إذا كان أورويل قد اقتبس عناصر بعينها اقتباسًا مباشرًا.

ومن بين الملاحظات الهامة الأخرى في هذا الصدد، أنه بينما يحتفظ «1984» بمكانته بوصفه أحد أكثر الأعمال الأدبية تأثيرًا في فهم الشمولية والرقابة وتزييف الحقيقة، فإن إعادة قراءة رواية زامياتين تكشف أن بعض الأسئلة التي ارتبطت باسم أورويل كانت مطروحة في الأدب قبل ظهور عمله الأشهر بسنوات طويلة.

وفي الختام، لا يمكن اختزال المسألة في حكم قاطع بأن أورويل سرق رواية زامياتين، كما لا يمكن تجاهل أوجه التشابه الموثقة بين العملين، والأدق أن «نحن» تمثل أحد الأعمال السابقة المهمة في تاريخ أدب المدينة الفاسدة، وأن معرفة أورويل بها ثابتة، بينما تظل طبيعة ومدى الاقتباس المباشر موضع نقاش نقدي.


صور متعلقة


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك