نتابع نشر مقتطفات مختارة من يوميات الشاعرة العراقية الاستثنائية نازك الملائكة بقلمها، وقد تم تحقيقها كمشروع توثيقى كبير استغرق سنين من العمل والتدقيق، تقدمه دار الشروق قريبًا جدًا فى جزأين للقارئ العربى لأول مرة.
وتُعدّ يوميات الشاعرة الاستثنائية نازك الملائكة وثيقة أدبية ونفسية فريدة من نوعها، إذ تسلط الضوء على الخبايا الداخلية لواحدة من أهم أساطير الشعر العربى الحديث.
لا تقتصر هذه الصفحات على كونها سردًا تقليديًا للأحداث، بل هى نافذة حميمة تطل بنا على نشأة نازك البغدادية، وصراعاتها المبكرة، وشغفها العميق بالموسيقى والكتب والفلسفة. ومن خلال ضمير الغائب تارة والمتكلم تارة أخرى، ترسم اليوميات بورتريهًا صادقًا لنفسية شاعرة مرهفة، ترتطم أحلامها المثالية بقسوة الواقع مرة، وتتهلل فرحًا بانتهاء الحروب وطلائع السلام مرة أخرى، لتمنحنا قراءة جديدة ومغايرة لتكوين شعورها الفنى ورؤيتها العميقة للحياة والموت والإنسانية.
- الأحد 17 حزيران «يونيو» 1945
بين الشعر والحياة: لست أدرى ماذا حلَّ بى فى هذا العام فلقد ازداد شرودى حتى أصبح سمة من سماتى الواضحة، وأصبحت أقضى الحياة صامتة قلما أتكلم بشىء. وأنا إن خرجت لزيارة أقاربى المقربين جلست صامتة وفى يدى كتاب أقرأه، هذا إلى أنى لم أخرج من البيت إلا لزيارة جدتى وأخوالى. وقد فرضت على نفسى نوعًا من العزلة الروحية، وبرنامج هذه العزلة لا يزيد على الانقطاع إلى نفسى، والبعد عن الناس جهد الطاقة، والعيش فى صحبة كتاب أو أغنية أو خيال من ماضٍ أو مستقبل. وغايتى من هذه العزلة ذاتُ فرعين، أحدهما أننى أحاول أن أفرض على نفسى نوعًا من «الضيق بالحياة» والشعور بأحزانها والتفكير فى مصاير أهليها المغرورين، والآخر، أننى أريد أن أفرغ للمطالعة وحدها، فإن الاستمرار فى شيء واحد يجدى، والتفرغ يقود إلى نتائج باهرات.
ولقد بدأت منذ أيام بتطبيق نظام العزلة المذكور فى حياتى، فكان اليوم يمضى وأنا مستلقية على المقعد فى أى ركن خال من البيت، وفى يدى كتاب فيه فلسفة وتحليل نفسى، أقرأ وأفكر وأحلم. وكان يأتى المساء فأحس بتعب هائل فى ذهنى، وبارتخاء فى جسدى، وأسمع أحد المحيطين يقول لى: «ما هذا الشحوب؟ هل كنت تنظمين قصيدة؟» ولم يلحظوا علىّ شيئًا فأنا معتادة على القراءة الكثيرة والصمت الدائم.
وكانت نتيجة هذه العزلة سريعة واضحة، والواقع أن تأثيرها كان أقوى مما ظننت، فسرعان ما أخذ وجهى شحوب واصفرارٌ، ولاحت فى عينىّ أحلام حزينة، وظهر على حركاتى شرود غريب، ووضحت فى صوتى نبرات الكآبة إلى حد ملحوظ. وتجلى الأثر فى شعرى فازدادت قصائدى، ونظمت فى أسبوع واحد أربع قصائد هى «رحيل الراعى» و«فى وادى الحياة» و«لحن الوداع» و«بين فكى الموت». وفى القصائد الثلاث الأخيرة تجلت نظرة جديدة إلى الحياة، وظهر روح غير مألوف كله تشاؤم وحزن، وإحساس بمأساة الحياة، وكانت قصيدة «بين فكى الموت». متشائمة فحادثت فيها مساء الصيف الحزين، وقلت له إننى مصابة بالحمى، وإننى سأموت، وتحدثت إلى الموت أن يمهلنى حتى الصباح لأموت بين الضوء وأغانى الرعاة، بعد أن أودع العود الوفى وأروى فؤادى من جمال الحياة التى أحببتها حبًا جما، فلم ترحم قلبى، وأسلمتنى إلى الموت وأنا فى شرخ شبابى.

جبران خليل جبران
وقد عجب أهلى حين قرأوا هذه القصيدة، ولامونى لومًا شديدًا، كاد يبلغ التعنيف، وقالت عمتى أن القصيدة آلمتها وعصرت قلبها لأن فيها تصويرًا محزنًا للموت، وقالت أمي: "أين هذه القصيدة الملعونة لأمزقها؟ ما هذا؟ أننى اتشاءم فلا تعودى إلى نظم كلام كهذا!" وقال لى جهاد السوز أحد أٌقاربي: "أننى أعجب لكآبتك وتشاؤمك وأنت فى مقتبل العمر. ما هذا الشعر المحزون؟ وفيم يخطر الموت على ذهنك؟ إننى أخشى أن يقودك التشاؤم إلى مصيرٍ مؤلم".
لست أدرى أأثرت فى نفسى هذه الحملات اللاذعة، فجعلتنى أنقطع عن إكمال تلك القصيدة؟
وقد علقت على قصيدة "بين فكى الموت" بأنها نظمت فى ليلة من ليالى المرض قضيتها بين الحُمى والصداع وأشباح الموت. وقارئ مذكراتى يدرك أن المرض الذى أعنيه هو الحمى التى أصابتنى منذ أسابيع، ولم يكن ذلك المرض شديدًا، اللهم إلا أن الحمى أصابتنى فى اليوم الأول، وحين أويت إلى الفراش ونام الكل، وبقيت وحدى أحدق فى النجوم، كانت حرارة جسمى شديدة الارتفاع، والصداع يعبث بى وبأحلامى، ونظرت حولى فرأيت مساءً صيفيًا حالمًا ساحر السكون ملهم النجوم، ولكنى وجدتنى أتقلب "على نار" من اصطخاب الحُمى والصداع، فلا فائدة لجمال الصيف. وفى هذا رحت أقول:
يا مساء الصيف الحزين خبا حبــى
لما فيك من أسى وخشوع
وتبرمت بالسكون وبالأشباح
واعتضت عنهما بدموعى
لم يعد فى قلبى لدياجيك
فيا رحمتا بقلبى الوجيع
رحمة يا ظلامُ يا أسرار
بالخافق الشقى المروع
●●●
ها أنا تحت دجية الليل روحٌ
مستطارٌ فى هيكل موهونِ
صرخات الحمى تحطم أحلا
مى وأحلام قلبى المحزونِ
يا عيون النجوم لا ترمقينى
لم يعد فى سناك أى فتونِ
وامددى يا رياح كفيك لطفًا
وحنانًا على فمى وجبينى
ومضيت بعد ذلك أتحدث عن حبى للحياة، وظمأى للنور والجمال، وشبابى، وظلام الموت، ووحشة القبور، وتوسلت للموت أن يؤخر موتي:
أيها الموت وقفة قبل أن تغــرى
بجسمى سكونك الأبديا
آه دعنى أملأ عيونى من الأنــوار
وارحم فؤادى الشاعريا
آه دعنى أودع العود يا موت
فقد كان لى الصديق الوفيا
ثم تحدثت بأننى أكره الموت فى الظلام وأفضل الموت صباحًا
اعفنى الآن من مفارقة الدنــيا
ودعنى إلى غد يا مماتُ
حينما تضحك الطبيعة فى الوادى
الأغنِّ الحالى وتشدو الرعاة
وتأتى بعد ذلك أبياتٌ حزينة أودع فيها الليل الذى أحببته طيلة حياتى، وطالما طوفت تحت ظلامه، وأصف شرودى فى الحياة وحبى الهائل للشعر والخيال:
يا جناح الخيال لم يبقَ ريشُ
يا ظلام الفناء لم تُبق قلبًا
ليس إلا جسم تضعضعه الحمــى
وطرف يطوى الدياجير رُعبًا
ولكنى أعزى نفسى عن مفارقة الحياة بشيئين: أولهما أننى سأستطيع بالموت أن أدرك سر الحياة المجهول وحقائق الموت الغامضة:
لا يدعك الردى حسبك تدرك
يا قلب سرَّه المجهولا
وثانيهما أن الحياة بغيضة ليس فيها إلا الزيف والخداع والأوهام ـ فما أجدر اللبيب باحتقارها وإيثار الموت عليها:
إنها أيها المعذب مأساةٌ
تثير الأسى وتبكى القلوبا
تخدع الجاهلين أوهامها الدُكن
ولا تخدع الذكى الأريبا
فاحتقرها وسر إلى عالم الأموات
يا قلبى الرقيق طروبا
وإلى هنا تقف القصيدة.. فما الخطوة التالية؟
- الجمعة 24 آيار «مايو» 1946
صباحًا: كم أنا مشوقة إلى القراءة الآن، وكم أحس بالتبرم. فإن علىّ أن أصحح دفاتر الامتحان وأقدر لها درجات، وسيمضى هذا الأسبوع كله فى أمثال هذه الشواغل السخيفة التافهة. ثم هناك امتحان الموسيقى فى معهد الفنون الجميلة، يصحبه الامتحان النظرى فى حياة الموسيقيين الكلاسيك. فأما امتحان الموسيقى، فإن بغضى له هذا العام ناشئ عن أسباب غير طبيعية؛ فقد حدث فى الأسبوع الماضى أن وزع علينا الأستاذ منهج الامتحان، فكان من نصيبى سماعى فيه حركة واحدة يصعب عليَّ عزفها، والصعوبة فى أن هذه الحركة تتكرر سبع مرات، وأنا لا أستطيعها مطلقًا، على الرغم من التمارين الكثيرة التى لا يمكن حصرها، التى قمتُ بها منذ العام المنصرم حتى الآن عبثًا. لست أدرى ماذا ينقصنى الآن، لقد تقدمت فى العزف كثيرًا هذا العام، واستطعت أن أعزف مقطوعات صعبة جدًّا، وقد نلت درجة 88 ـ وهى أعلى درجة فى الصف - فى امتحان منتصف السنة، وإن كانت القطعة التى عزفتها من أصعب القطع فى الموسيقى الشرقية. ومع ذلك كله أبقى حيث بدأت فى هذه الحركة البسيطة التى تحتاج إلى خفة يدوية لا أملكها.

نازك.. الكرادة - بغداد سنة 1938
يا رب، ماذا أفعل؟ إنى أحب الموسيقى حبًّا قويًّا، ولكنى لا أملك هذه الخفة اليدوية. وقال لى الأستاذ يائسًا: «ماذا أقول لك؟ إنى لا أستطيع أن أفعل شيئًا، ولا أستطيع أن ألومك على شىء. لأنك تعزفين المقطوعة جيدًا إلا هذه الحركة الصغيرة، وأنا الآن أنتظر الامتحان كما ينتظر المجرم يوم الحكم بالإعدام. إننى لم أعتد أن يلومنى الأستاذ على شىء. وقد كان كل كلام يقوله مقدسًا عندى، وكان العود حبيبى منذ دخلتُ المعهد، أما الآن فسأفقد سمعتى الموسيقية هناك، وسيقول الذين يسمعوننى إننى غبية لا أصلح لشىء ويحسبون أن ضعفى هنا، هو ضعفى فى سائر المقطوعات، مع أن هذه المقطوعة هى الوحيدة التى تزعجنى وألقى فيها صعوبة. ومع ذلك فقد قلت لنفسى يوم الأربعاء الماضى إننى غبية فى الموسيقى خاملة. لا فائدة تُرجى منى. وعدت يائسة يأسًا شديدًا. مع ذلك فما زال حبُّ العود يملأ دمى! فليحكم الزمن بما يشاء. والآن، أليس علىّ أن أصحح الدفاتر؟
●●●
مساءً: ازداد حبًّا للإنسانية هذه الأيام. وهذا الحبّ يتغلغل فى نفسى إلى حد هائل يجعلنى أتحمل الظلم باستعداد كبير. وأحسب أن اشتداد هذا الشعور فى نفسى راجع إلى اعتناقى المبدأ المثالى الإنسانى منذ ست سنوات أو أكثر، ولم أكن إذ ذاك أحس بالحياة والعالم إلى هذا الحد؛ لذلك كانت الإنسانية والمثالية فى فهمى أقرب إلى الألفاظ والأفعال السلبية منها إلى الأعمال الإيجابية. لم أكن إذ ذاك أزيد على أن أحزن للخروف وأرثيه بقصيدة «مرثية خروف»، ولم أكن أزيد عن الامتناع عن ذم الناس وشتمهم ومقابلة عدوانهم بعدوان آخر، وكان رد الفعل الوحيد لذلك كله ذلك الحزن العميق الذى كنت أحسّه على أثر كل خيبة أمل أقابلها. أما الآن فقد تغيرت تغيرًا محسوسًا، أولى بوادره أننى الآن لا أحقد على البشرية لأنها آثمة، ولا أبغض الناس لأنهم تافهون، وإنما أحسُّ بالعطف على الآثمين، والرثاء للناس، لأنهم تافهون ولم أعد أحسّ بأننى ممتازة عنهم، فى أخلاقى وتفكيرى وروحى كما كنت، بل زاد شعورى بإنسانيتى وتجسَّم.
إننى الآن مستعدة لاحتمال أى ظلم بل إن أى استبداد وطغيان يجعلاننى أبتسم رحمة بالظالمين وإشفاقًا كل شتم يأتينى من ورائى أو فى وجهى يجعلنى أتألم للشاتم. ومع ذلك فأنا مرهفة إلى الحدّ الذى يجعلنى أسأل نفسى: من قال إنى لا أستحق هذا الشتم؟ ولماذا لا أحاول الاستفادة منه؟
إنى أشكر الذين يشتموننى ويؤلموننى. أشكرهم لأنهم يعلموننى بشتائمهم ما لا تعلمنيه مدينة أفلاطون الفاضلة، وباب أندريه جيد الضيّق، وحب ماكس مولر الألماني؛ لأن الشتائم ترسم لى الشرَّ كما هو فى الواقع فتعلمنى مقدار قبحه وبشاعته، والمدينة الفاضلة والباب الضيق والحبُّ الألمانى تصور لى ما أعرف جيدًا؛ لأننى أنا نفسى أفكر تفكيرًا مثاليًّا، فأى فائدة تعود عليَّ من قضاء الحياة كلها فيما أحسُّ؟ يجب أن أقرأ الكتب التى تصور الرذيلة (أعنى كتب الحياة نفسها)؛ لكى تتجسم الفضيلة لى أبدع مما كانت. فلماذا أنفر من الشاتمين والعائبين [...]؟.