المحلل الاقتصادي جاكي سيليرز: التركيبة السكانية الشابة في أفريقيا سلاح ذو حدين - بوابة الشروق
الخميس 20 أغسطس 2026 11:29 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

المحلل الاقتصادي جاكي سيليرز: التركيبة السكانية الشابة في أفريقيا سلاح ذو حدين

واشنطن - (د ب أ)
نشر في: الخميس 20 أغسطس 2026 - 10:17 ص | آخر تحديث: الخميس 20 أغسطس 2026 - 10:17 ص

على مدى عقود أرجع المراقبون فقر الدول الأفريقية وفشلها في التطور إلى الفساد وضعف المؤسسات والقيادة السيئة. ورغم أن هذ الأسباب حقيقية وقائمة، هناك عامل أقوى وأشد تأثيرا لم يلتفت إليه الخبراء وهو التركيبة العمرية لسكان القارة.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال جاكي سيليرز رئيس برنامج المستقبليات الأفريقية في مكتب معهد الدراسات الأمنية ببريتوريا إن الدولة عادة ما تكون في أوج إنتاجيتها عندما ينخفض ​​معدل الخصوبة فيها إلى الحد الذي يفوق فيه عدد البالغين في سن العمل عدد الأطفال وكبار السن المحتاجين للرعاية. عندما يشكل الشباب نسبة كبيرة من السكان - ويكونون متعلمين، ويتمتعون بصحة جيدة، وقادرين على إيجاد عمل، يمكن للاقتصاد أن يزدهر.

لكن من الواضح أن دول أفريقيا لم تحقق بعد هذه المعادلة المطلوبة. فلا يزال معدل الخصوبة في أفريقيا ضعف مثيله تقريبا في أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، حيث يبلغ متوسط ​​ عمر سكان دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى اليوم 5ر19 عاما، مقابل 29 عاما في جنوب آسيا و34 عاما في أمريكا اللاتينية و43 عاما في أوروبا. لكن من المتوقع وصول العديد من الدول الأفريقية لهذه الفرصة الديموغرافية الذهبية في غضون عقود قليلة: فمع بلوغ ملايين المواطنين الأفارقة سن العمل، قد يتسارع النمو الاقتصادي للقارة بشكل حاد، لكن الظروف التي يمكن أن تقود إلى الازدهار والديمقراطية قد تتسبب أيضا في انهيار أي دولة ما إذا أُسيء إدارتها. لذا، يجب على الدول الأفريقية أن تبدأ اليوم الاستعداد لبلوغ هذه الفرصة.

ووفقا لتحليل جاكي سيلرز لا تزال أفاق الازدهار في أفريقيا، تعتمد إلى حد كبير على التركيبة السكانية. فالقارة تضم حاليا 22 دولة منخفضة الدخل و23 دولة متوسطة الدخل. وفي ظل محدودية رأس المال المحلي في الدول الفقيرة وقلة الاستثمارات الأجنبية تعد العمالة المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي. ووفقا لتحليل باستخدام منصة المستقبلات الدولية للمستقبل التابعة لمركز باردي، يميل النمو إلى التسارع عندما يكون هناك مقابل كل طفل أو مسن 7ر1 شخص على الأقل في سن العمل. ويبلغ هذا المعدل في أفريقيا حاليا 4ر1 شخص قادر على العمل مقابل كل طفل أو مسن في المجتمع.

والحقيقة أن معظم الدول الأفريقية لم تستفد بعد من التركيبة السكانية التي استفادت منها الدول الآسيوية في نهضتها. وقد تأخر انتقال أفريقيا بسبب عبء تاريخي ثقيل بشكل استثنائي. شهدت حركة النهضة بالقارة تباطوءا في البداية مقارنة بمناطق أخرى من العالم بسبب تهجير السكان في سن العمل عبر تجارة الرقيق؛ ثم تدهور نوعية السكان من حيث مستوى التعليم والمهارات العملية بعد انتهاء حقبة الحكم الاستعماري.

لكن سكان أفريقيا الشباب يتجهون الآن نحو مرحلة النضج. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد الدول الأفريقية التي يزيد متوسط ​​أعمار سكانها عن 30 عامًا ثلاث مرات تقريبًا بين عامي 2025 و2050. وقد انخفضت معدلات الخصوبة في معظم أنحاء القارة، في حين يعزز انخفاض معدلات وفاة الأطفال وتعليم المرأة هذا الاتجاه. وتشير التوقعات باستخدام منصة "المستقبلات الدولية" إلى أن أفريقيا ككل ستصل إلى عتبة 7ر1 شخص قادر على العمل مقابل كل طفل ومسن حوالي عام 2053، مع وصول شمال وجنوب أفريقيا والعديد من الدول الجزرية إلى هذه العتبة في وقت أبكر بكثير. لذا يمكن للحكومات تسريع فتح نافذة النمو الديموجرافي الرئيسية بنحو 10 سنوات، من خلال السياسات الصحيحة،. وإذا ما استعد القادة لذلك، فستنضم المزيد من الدول الأفريقية إلى قائمة أسرع الاقتصادات نموا في العالم.

ويقول سيليرز مؤلف كتاب "طريق أفريقيا إلى الرخاء" إن التركيبة السكانية التي تحفز النمو الاقتصادي، يمكن أن تتحول إلى مصدر لعدم الاستقرار السياسي إذا أُسيء إدارتها. فالمجتمعات الشابة تمثل ضغطا هائلا على المدارس والمراكز الصحية وأسواق العمل. إذا لم تستطع مواكبة الطلب على هذه الخدمات فستفقد ثقة الشعب فيها. وعندما يشكل الشباب - وهم عمومًا أكثر تعليما، وأكثر استعدادًا للمخاطرة، وأشد ميلا للتحرك السياسي، نسبةً كبيرةً من السكان، يرتفع خطر الاضطرابات بشكلٍ حاد عندما لا يتيح لهم الاقتصاد سوى القليل من سبل التقدم.

ووفقا لأبحاث أجراها باحثون مثل جاك جولدستون وريتشارد سينكوتا، فإن خطر الصراعات الداخلية والاضطرابات الثورية يكون مرتفعًا طالما بقي متوسط ​​عمر السكان في أي بلد أقل من 5ر25 عاما تقريبا. ويُعدّ تجاوز هذا الحدّ من أفضل المؤشرات على انخفاض خطر الصراع. ويتراجع الاضطراب السياسي بشكل ملحوظ بمجرد أن يتجاوز متوسط ​​عمر السكان 30 عاما، حتى قبل أن يبلغ المجتمع نضجه الديموغرافي الكامل عند متوسط 5ر35 عاما. وبحلول عام 2025، لم يصل متوسط ​​عمر السكان 30 عاما إلا في عدد قليل من الدول الأفريقية.

وبالطبع، يتوقف تحول مظالم الشباب إلى اضطرابات على قدرة الحكومة على احتواء المعارضة. فالدول الغنية بالموارد وضعيفة المؤسسات، في أفريقيا، تستطيع ضخّ الأموال في أجهزة الشرطة والمراقبة لقمع الاضطرابات على المدى القصير. ولكن في غياب مؤسسات خاضعة للمساءلة، تؤدي الاستثمارات في الأمن إلى الفساد وهيمنة النخب بدلا من الاستقرار طويل الأمد.

ليس هذا فحسب بل إن المجتمعات ذات التركيبة السكانية الشابة ليست فقط أكثر عرضةً للاضطرابات، بل إنها أيضاً أقل ملاءمةً للديمقراطية المستقرة. فقد أظهرت أبحاث جولدستون وسينكوتا وباحثين آخرين، مثل جينيفر سيوبا، أن المجتمعات ذات متوسط ​​الأعمار المنخفض جدا ومعدلات الخصوبة المرتفعة، تُحكم عموما بأنظمة استبدادية. ويعود ذلك جزئيا إلى أن النمو السكاني السريع عادة ما يتجاوز نضوج المؤسسات المدنية التي تعتمد عليها الديمقراطيات في عملها، بما في ذلك وسائل الإعلام المستقلة، ومنظمات الدفاع عن الحقوق القانونية، والنقابات العمالية.

أما المجتمعات ذات التركيبة السكانية الأكبر سنا، فتميل نحو الديمقراطية المستقرة. وتعد موريشيوس، بمتوسط ​​عمر يبلغ 5ر35 عاما الدولة الأفريقية الوحيدة التي تتمتع بتركيبة سكانية مواتية في هذا الصدد. وتشير الأبحاث إلى أن الدول تميل إلى الديمقراطية المستقرة بمجرد ارتفاع متوسط ​​العمر إلى منتصف الثلاثينيات، وعادةً ما يتزامن ذلك مع ظهور طبقة متوسطة أكبر واقتصاد أكثر تنوعا، مع وجود استثناءات مثل روسيا والصين وبيلاروس التي لا تزال مستقرة سياسيا وتخضع لحكم استبدادي، على الرغم من ارتفاع متوسط ​​أعمار سكانها.

لا يعني هذا أن على عامة الناس في المجتمعات ذات التركيبة السكانية الشابة قبول حكم المستبدين، أو أن الحكم الاستبدادي من شأنه أن يقود إلى استراتيجية تنمية فعالة. فلكل مثال على التقدم الاقتصادي في ظل حكم استبدادي، يوجد مثال على التراجع. بعبارة أخرى، يمكن أن يترافق التحول الديموغرافي في أفريقيا مع الاستقرار والتحول الديمقراطي.

أخيرا من المتوقع أن تتغير التركيبة الديموغرافية لأفريقيا بشكل ملحوظ بحلول منتصف القرن الحالي. ستواصل القوة العاملة في القرية نموها، بينما تنكمش في الصين وأوروبا وغيرها من الاقتصادات التي تشهد شيخوخة سكانية. وإذا تمكنت الدول الأفريقية من تحسين معدلات إنتاجية سكانها ولو بنسبة متواضعة، فمن المتوقع أن تتجاوز معدلات نمو اقتصادات المجتمعات التي تشهد شيخوخة سكانية والتي قادت النمو العالمي خلال نصف القرن الماضي.

مع ذلك، لا يمكن لأفريقيا أن تصبح نقطة مشرقة في العالم ما لم تتخذ حكومات المنطقة إجراءات فورية. وتشير نماذج برنامج "مستقبل أفريقيا" إلى أنه إذا أضافت الدول الأفريقية نحو نقطتين مئويتين إلى متوسط معدل ​​النمو الاقتصادي السنوي - من خلال انخفاض أسرع في معدلات الخصوبة، وإدارة أفضل للتوسع الحضري، وقدرة أكبر على توفير فرص عمل لقوى عاملة متنامية، وإنتاجية زراعية أعلى - فسيكون اقتصاد القارة في عام 2050 أكبر بنسبة 50% مما هو عليه في ظل الوضع الراهن. كما سينخفض ​​عدد سكان القارة بنحو 166 مليون نسمة مع استمرار الرخاء في خفض معدلات الخصوبة، وسيرتفع نصيب الفرد من الدخل من حوالي 28% من المتوسط ​​العالمي إلى 36%.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك