مع بداية شهر رمضان الكريم يذهب القراء والمطلعون إلى قراءة الأعمال ذات الصبغة الإسلامية، والكتابات الإسلامية المعاصرة زاخرة بالعديد من المؤلفات الهامة والمتنوعة، وإذا ذُكرت الكتابات الإسلامية فبالتأكيد يُذكر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
يملك الكاتب الكبير طه حسين العديد من الأعمال الفكرية والإسلامية التي تغطي عديدا من جوانب التاريخ الإسلامي والدولة الإسلامية بشكل عام، ومن تلك المؤلفات كتابه "مرآة الإسلام".
ينقسم الكتاب إلى قسمين، إذ يتناول القسم الأول أحوال شبه الجزيرة العربية والعرب قبل الإسلام، ويتناول القسم الثاني تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة على يد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وعصر أبي بكر وعمر بن الخطاب، ثم الاختلاف والفتنة التي أصابت الدولة في عصر عثمان بن عفان حتى مقتله، ثم الانقسام الذي حدث في عصر علي بن أبي طالب.
يتحدث طه حسين، في الكتاب الأول عن الأمة العربية منذ أواسط القرن السادس الميلادي، حيث كانت متخلفة أشد التخلف بالقياس إلى الأمم التي كانت تجاورها، وكان لها في الجنوب بقايا حضارة، ولم يكن أهل الجنوب أنفسهم يعلمون من أمورها إلا أخلاطا هي إلى الأساطير أقرب منها إلى الحق، وكيف بقيت الأمة كذلك إلى أن جاء الإسلام فارتقت به.
ويتناول تلك البيئة التي أحاطت بالعرب وشكلت ملامح حياتهم قبل الإسلام، وأثبت عدم عزلتهم عما يجاورهم من الأمم، رغم وثنيتهم التي كانت ديانة معظمهم، مستعرضا مكانة قريش، وحادثة الفيل، ثم بدء رسالة النبي محمد، وهجرته إلى يثرب.
ويعرض طه حسين، كيف هيأت ظروف الجزيرة العربية لظهور الإسلام؛ فكانت كالتي تنتظر مولودها، فما لبث أن انتشر الدين الجديد بسرعة غير متوقعة بعدما عانى نبيّه من التضييق والمحاربة.
ويتطرق طه حسين، إلى المراحل التي مرت بها الدعوة الجديدة منذ بزوغها حتى استطاع النبي بناء دولته في المدينة.
ويتناول في القسم الثاني المعجزة الكبرى التي أنزلها الحق سبحانه وتعالى على النبي محمد، ألا وهي القرآن وإعجازه، من حيث المعنى والشكل، وبأسلوبه الرفيع الذي يشكل أعلى أداء للغة العرب.
ثم يفيض طه حسين في الحديث عن سنة رسول الله، باعتبارها النسق الثاني المكمل لمرآة الإسلام، التي تبين لنا أن طريق الرقي الصحيح شاق وطويل، وما علينا إلا أن نستيقظ وندرك ما فاتنا كأمة إسلامية.
ويتحدث الكاتب، عن بناء الرسول للدولة الإسلامية في المدينة، وكيف نعم المسلمون بالاستقرار فيها، وعن علاقة النبي باليهود ونصارى نجران، وفتح مكة، والغزوات والحروب المختلفة، وعلاقة الدين الجديد في المدينة بالعرب بشكل عام.
بعد ذلك يتطرق الكتاب إلى اختيار خليفة الرسول بعد وفاته، وقصة ذلك الاختيار، وكيف إنه لم يكن شورى لكل المسلمين، ثم يعرض حروب الردة وقرار أبي بكر بقتال المرتدين، وكيف استتبّ الأمر للمسلمين مرة أخرى في الجزيرة العربية.
ويرينا الكاتب، فترة خلافة عمر بن الخطاب، وكيف تعامل مع قريش وكبار الصحابة والولاة وشئون الحكم بشكل عام، ثم مقتل عمر، وما حدث في عهد عثمان بن عفان من اضطرابات وثورة بسبب بطانة بني أمية التي أدت إلى مقتله، حيث ساءت الأمور كثيرا بعد ذلك؛ فكانت فتنة مقتل عثمان كالشرارة التي أحرقت الأخضر واليابس.
ونرى كيف أن تلك الفتنة كانت السبب في تفرّق المسلمين شيعا وفرقا كثيرة متناحرة، مثل الجماعة، والشيعة، والخوارج، وكيف أن كل فريق انقسم بعد ذلك إلى عدة فرق، مثل المعتزلة وغيرهم.
ما يميز طه حسين في هذا الكتاب أنه رغم صغر حجمه نسبيا، لكنه كبير التأثير معرفيا وتاريخيا؛ إذ لا يكتفي بالعرض فقط، وإنما يحلل الأحداث الكبرى، ولا سيما الفتن والثورات، ويكشف أسبابها.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مرجع تاريخي عام لفترة هامة وطويلة من تاريخ العرب والمسلمين من قبل الإسلام، مرورا ببداية الدين الإسلامي وإنشاء الدولة الإسلامية، وصولا إلى مرحلة ما بعد الرسول، والافتراق والحروب.