مصطفى الفقى يكتب: الإدارة الأمريكية الجديدة وملف الحريات - بوابة الشروق
الأربعاء 27 يناير 2021 6:29 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

مصطفى الفقى يكتب: الإدارة الأمريكية الجديدة وملف الحريات

مصطفى الفقى
مصطفى الفقى

نشر في: الإثنين 23 نوفمبر 2020 - 9:53 م | آخر تحديث: الإثنين 23 نوفمبر 2020 - 9:53 م

ما أكثر مشاهد الحق الذى يراد به باطل، وذلك ينطبق تماما على سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين التى تتبعها القوى الكبرى فى الغرب، خصوصا فى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى، فى محاولة لابتزاز الدول وتخويف الحكومات بملف الحريات وحقوق الإنسان. وبداية لا يجادل أحد فى أن هذا الملف ملف عصرى مستحدث ظهر بظهور العهد الدولى لحقوق الإنسان، ولكن الاعتبارات السياسية طغت على فلسفته القانونية، بل وطوعته فى كثير من الأحيان لمصالح قوى معينة على حساب غيرها واتخذت منه ذريعة لتوجيه السياسات وتغيير النظم وإطاحة الحكومات.
نحن لا ننكر بداية أن ذلك الملف الإنسانى هو دليل على رقى البشرية وتقدمها على طريق العدل والمساواة وسيادة القانون، ولكن الأمر اختلف تماما، فكم من الجرائم ارتكبت فى ظل بريق ذلك الشعار الإنسانى الرفيع، بحيث استخدمته القوى الكبيرة كفزاعة للدول الصغيرة واستحلت دول كبرى لنفسها ما عاقبت به غيرها، فحقوق الإنسان فى الولايات المتحدة الأمريكية ليست هى التى فى الدول الأفريقية، وحقوق الإنسان فى دول الاتحاد الأوروبى تختلف عن نظيرتها فى الدول العربية، ولعل ذلك التوجه المزدوج هو جوهر المشكلة التى يعانيها كثير من النظم والحكومات، فإذا استسلمت للإرهاب فهى خائنة وضعيفة، وإذا قاومته بكل الطرق القائمة والاستباقية، فإن ذلك فى نظر العرابين الجدد لحقوق الإنسان خرق لميثاقه واعتداء على القانون وسيادته، فإذا وضع جندى أمريكى حذاءه على رقبة مواطن أمريكى أفريقى ظل يحتضر تحت وطأة الموت على مشهد علنى مستنجدا بالحياة، مؤكدا أن أنفاسه الأخيرة تتقطع فى هذه الحالة تمر الجريمة لأنها جريمة أمريكية، وإذا أطلقت الشرطة البريطانية الرصاص على شاب أفريقى فى رصيف محطة المترو وقد رفع يديه مستسلما لمجرد الاشتباه فيه ثم صرعته رصاصات الشرطة البريطانية فورا فى جريمة قتل بدم بارد، وإذا جرى استجواب من فعل ذلك قال إنه لا يعلم إذا كان ذلك الشخص يحمل حزاما ناسفا أم لا! ولكن تبقى الجريمة البريطانية مختلفة عن وقوعها على أرض عربية، لذلك فإننا نطالب بتوحيد المعايير فى قضايا حقوق الإنسان والتوقف عن العبث بملف الحريات صيانة للشعوب وضمانة للمجتمعات، ولأن قضية حقوق الإنسان ومعها ملف الحريات هى قضية شائكة فإننا نطرح الآن بعض الاعتبارات المتصلة بها:
أولا: إننا نتذكر أن إدارة جيمى كارتر كانت من أسبق الإدارات الأمريكية اهتماما بملف حقوق الإنسان، وربما كان ذلك من منطلق دينى مسيحى يعبر عن الإيمان الذى يلتزم به ذلك الرئيس الأمريكى الذى جاء من قاعدة ريفية وظل معنيا بالقيم الأخلاقية إلى حد كبير فى فترة ولايته، ثم تغيرت الظروف وجاء رؤساء مختلفون مثل ريجان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وأوباما، ثم كانت نهاية المطاف مع الرئيس الأمريكى الأخير الذى خسر تقريبا الانتخابات الرئاسية، وأعنى به دونالد ترمب. وهو يملك شخصية أثارت الجدل واختلفت حولها الآراء لأنه كان مختلفا عن سواه، يبدو صداميا فى تصريحاته، متقلبا فى سياساته، مستبدا فى ردود فعله ولكنه أغلق عينيه إلى حد كبير عن ملف حقوق الإنسان واعتبر أن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية أولا وثانيا هى ما يمكن أن تحصل عليه الإدارة الأمريكية من أموال غيرها، وما تستقطعه من عوائد دول أخرى تحت مسمى ثمن الحماية وضريبة الدفاع عن أراضيها.
وعلى رغم أن فترة رئاسته قد خلت من تورط أمريكى فى عمليات عسكرية، بخلاف رئيس آخر مثل بوش الابن، فإن سياسات ترمب المتسمة بالعنف والخروج على الأعراف الدبلوماسية والقواعد الحاكمة للتعامل مع الغير أقول إن ذلك النمط كان هو البديل الذى اعتمد عليه حتى لا يبعث بقوات أمريكية خارج حدود بلاده، وقد اتهمه خصومه خصوصا فى الحزب الديمقراطى بل وفى حزبه الجمهورى أيضا بأنه يغمض عينيه عن ملف الحريات وحقوق الإنسان ويرعى بعض النظم التى يعتبرونها ديكتاتورية، وبذلك اتخذها أولئك الخصوم أداة للهجوم عليه وتشويه صورته والنيل من شعبيته.
لقد كانت شعارات جو بايدن الانتخابية معتمدة إلى حد كبير على ما يتصل بالسياسة الخارجية لأن الرئيس الأمريكى الجديد بايدن هو أحد خبرائها فى تاريخه النيابى الطويل، كما أن سياسات ترمب أنعشت الاقتصاد الأمريكى فلم يعد باستطاعة الخصوم الدخول إليه عن طريق سياساته الداخلية.
ثانيا: يجب أن نتوقف طويلا أمام نسبية التعريف الدقيق لحقوق الإنسان بل وملف الحريات برمته؛ لأن لكل دولة ظروفها، ولكل شعب خصائصه على رغم أننا نسلم بوجود حد أدنى من المعايير المشتركة لمفهوم قضايا حقوق الإنسان إلا أننا نرى أن العامل الثقافى يلعب دورا رئيسا فيها، فثقافة الشعوب والقيم السائدة فى المجتمعات هى التى تحدد المعيار الوطنى لحقوق الإنسان، فالبعض يرى أن تدنى مستوى المعيشة وشيوع الفقر وحرمان المواطنين من الحد الأدنى لتكاليف الحياة هو فى مجمله خرق لحقوق الإنسان وظلم له، بينما ترى مجتمعات أخرى أن قبول «المثلية» هو واحد من حقوق الإنسان، بينما تنظر إلى ذات الأمر مجتمعات شرقية برفض وازدراء، لذلك فإن النسبية الثقافية لحقوق الإنسان يجب أن تؤخذ فى الاعتبار، وأن يكون لها تأثير فى فهم ما يجرى فى بعض الدول التى تواجه الإرهاب على سبيل المثال، فتحدث تجاوزات فى ملف حقوق الإنسان والحريات العامة ولكن تلك الدول تبدو أحيانا مضطرة لذلك دفعا لخطر داهم أو مواجهة لفعل إرهابى متوقع، وعندئذ يكون صياح الغرب مزدوجا مرة ضد الإرهاب وأخرى ضد من يقاومونه. ويبدو الأمر فى هذه الحالة محيرا وعجيبا، إن الأميرة البريطانية ديانا التى اعترفت بالخيانة الزوجية علنا ماتت قديسة فى بلادها بل ومحبوبة فى العالم كله، بينما هناك فتاة قتلها والدها فى صعيد مصر لأنها تزوجت زواجا رسميا صحيحا بشاب من دينها وعمرها ولكن الأب لم يكن راضيا عنه، فالنسبية هنا قضية يجب أن تؤخذ فى الاعتبار حتى ولو كان فيها أحيانا بعض الإخلال بمبدأ المساواة فى المعايير.
ثالثا: ليس من شك فى أن الموجات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة مثل القاعدة وداعش وغيرهما قد لعبت دورا سلبيا فى إقرار حقوق الإنسان والتسليم بها، فلم يعد مقبولا أن تستسلم الشعوب للهجمات الإرهابية، وأن نعتبر تبادل العنف بالعنف خرقا لحقوق الإنسان، وفى ظنى أن رعاية حقوق الإنسان تنسحب على الأغلب الأعم من البشر الآمن الذى يطلب الحياة وليست لتلك القلة المعتدية التى تروع المجتمعات وتستنزف طاقات الدول بهجمات عدوانية تحت ستار الدين أحيانا أو التطرف القومى أحيانا أخرى.
رابعا: إن مسألة الأقليات من أكثر القضايا حساسية فى ملف الحريات وحقوق الإنسان، إذ إن الحريات الدينية حق مكفول للبشر والعقائد مرعية وممارسة الشعائر الدينية محمية ومصانة، ولكن هناك بعض ضعاف العقول ومرضى النفوس الذين يخرقون ذلك الالتزام ويقومون بتصرفات لا ترضى بها ديانات سماوية ولا أرضية تتسم بضيق الأفق وخراب العقل لذلك تهتم بها الدول المختلفة وتضعها فى صدر اهتماماتها بملف الحريات وحقوق الإنسان.
خامسا: إننا نلفت النظر إلى مخاطر الاستخدام التحكمى لملف الحريات وحقوق الإنسان ونتطلع إلى الإدارة الأمريكية الجديدة أن تكون واعية بهذا المفهوم بحيث لا تستخدم هذا الملف للضغط على أنظمة لا ترضى عنها أو حكومات لا تتفق مع هواها، إذ إن العبرة فى النهاية هى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان مع الوضع فى الاعتبار للأوضاع القائمة والظروف المحيطة.
هذه قراءة عاجلة فى ملف الحريات وحقوق الإنسان واحتمالات استخدامه فى ظل الإدارة الأمريكية الجديدة التى ندعوها إلى التوقف عن ازدواج المعايير، وسياسة الكيل بمكيالين، ومحاولة فهم ظروف الدول والمناخ الفكرى والسياسى السائد لدى شعوبها بما لا ينال من المفهوم المتفق عليه للحدود الدنيا، على الأقل، لحقوق الإنسان المعاصر.
نقلا عن إندبندنت عربية



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك