• دار نشر أسترالية تلغي كتاب أطفال بعد تصريحات مثيرة للجدل لرسّامه حول تعمد اللوبي الصهيوني التضخيم الإعلامي من أجل اجترار مشاعر التعاطف نحو اليهود
• الكاتبة الأسترالية من أصل فلسطيني راندا عبد الفتاح تنسحب من دار النشر بعد اتهامات لها بخنق الأصوات المعارضة والاستجابة لحملات الترهيب
في جدل ثقافي وإعلامي متصاعد في أستراليا، تفجرت أزمة حول قرار دار نشر جامعية إلغاء إصدار كتاب أطفال بعد اكتمال طباعته، ليس بسبب محتواه، بل على خلفية تصريحات سياسية مثيرة للجدل أدلى بها رسّامه عن ضحايا هجوم "بوندي بيتش" الإرهابي، وقد فتح القرار بابًا واسعًا للنقاش حول حدود حرية التعبير، ومسؤولية المؤسسات الثقافية، وإلى أي مدى يمكن أن تمتد تبعات آراء الأفراد لتشمل أعمالًا إبداعية كاملة لا صلة لها بالجدل السياسي.
وقد أعلنت جامعة كوينزلاند أن دار النشر التابعة لها قررت عدم المضي في نشر كتاب الأطفال «بيلا: دورة نهرية» من تأليف الشاعرة الأسترالية جاز موني ورسوم الرسام الإيضاحي مات تشون، مشيرة إلى أنها تدرس خيارات لإعدام النسخ التي تم طبعها بالفعل، وأوضحت الجامعة أن القرار جاء نتيجة تعليقات نشرها "تشون" عبر الإنترنت بشأن ضحايا هجوم "بوندي بيتش" وصفهم فيها بأنهم "مستفيدون من الإمبريالية والصهيونية العالمية"، حيث رأت الجامعة أن التعليقات لا تنسجم مع سياسات الجامعة وقيمها، بما في ذلك تعريفها المعتمد لمعاداة السامية.
وأثار القرار ردود فعل غاضبة في الأوساط الأدبية، حيث أعلن عدد من الكُتّاب عزمهم إنهاء تعاقداتهم أو الامتناع عن التعاون مستقبلًا مع دار النشر التي تتخذ من مدينة بريزبن مقرًا لها، في حين رحّب مجلس نواب يهود كوينزلاند بالخطوة، معتبرًا أنها تمثل موقفًا واضحًا ضد خطاب الكراهية والتحريض والدعاية الفجة.
ومن بين الكُتّاب الذين أعلنوا موقفهم الشاعرة الأسترالية إيفلين أرالوين، والكاتبة الأسترالية من أصل فلسطيني راندا عبد الفتاح، والروائية الحاصلة على جوائز ميليسا لوكاشينكو، التي وصفت القرار بأنه "جسيم وفادح"، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
وكانت دار نشر جامعة كوينزلاند قد علّقت إصدار الكتاب في يناير الماضي، وهو عمل للأطفال في هيئة أشعار يتناول رحلة عبر الأرض ليروي قصة نهر يتخذ هيئة بشرية، وذلك في أعقاب مراجعة تعليقات "تشون"، وكان الأخير قد نشر في الأول من يناير الماضي تدوينة بعنوان «لا نحزن على الفاشيين»، تناول فيها هجوم "بوندي"، منتقدًا ما وصفه بالانصياع الليبرالي للإطار الصهيوني الذي يمنح – بحسب رأيه – اهتمامًا استثنائيًا وتغطية إعلامية مكثفة ودولية دولية للعنف الذي يطال المستفيدين من الإمبريالية.
وأكدت شرطة نيو ساوث ويلز الأسبوع الماضي أن وحدة جرائم الكراهية والتواصل المجتمعي باشرت التحقيق في تدوينة "تشون، الذي هاجم فيها الضحايا معتبرًا أن فقط كونهم يهودًا أو بيض البشرة كان كافيًا بالنسبة لهم لإضفاء ثوب البراءة والفضيلة على كل من قُتل، واتهم اللوبي الصهيوني بتعمد تسليط الضوء إعلاميًا على الحادث وتضخيمه من أجل اجترار مشاعر الشفقة والتعاطف من العالم أجمع مع اليهود.
وكان الهجوم الإرهابي الذي وقع في 14 ديسمبر الماضي قد أسفر عن مقتل 15 شخصًا - بعضهم من اليهود - وبينهم طفل يبلغ من العمر عشرة أعوام، ومن جهته، أشاد رئيس مجلس نواب يهود كوينزلاند، جيسون شتاينبرج، بقرار دار النشر، مؤكدًا أن نشر كتاب - بصرف النظر عن موضوعه - لرسّام يعبّر عن مثل هذه الآراء أمر غير مقبول، مضيفًا أن هذه الخطابات تُسهم في تفشي الكراهية والمعلومات المضللة داخل أستراليا.
وفي المقابل، تمسّك "تشون" بكل كلمة وردت في مقاله، معتبرًا أن القرار يعكس رضوخًا لضغوط لوبيات صهيونية وإعلام مؤيد لإسرائيل، وكانت صحيفة أسترالية قد وصفت تصريحاته بأنها هجوم لاذع على اليهود والصهاينة، فيما أقدمت مكتبة «دايموكس» على سحب أعمال أخرى له من رفوفها في يناير الماضي.
وأوضحت الكاتبة جاز موني أن آلاف النسخ من الكتاب كانت قد طُبعت بالفعل، مشيرة إلى أن قرار إلغائه سيلحق بها أضرارًا مالية ومعنوية، لكنها شددت على أن القلق الأكبر يتمثل في "السابقة الخطيرة" التي يكرّسها القرار، وقالت: "إن الأمر مؤلم بالنسبة لي، لكن الأهم هو الرسالة الخطيرة التي يبعث بها هذا القرار؛ ألا وهي إمكانية إلغاء كتاب أطفال لكاتبة في أستراليا نتيجة حملة إعلامية يمينية مكثفة".
ونفت الجامعة أنها أقدمت على إتلاف النسخ، مؤكدة أنها لا تزال محفوظة في المخازن إلى حين البت في خيارات إعادة تدويرها، معربة عن أسفها لتأثير القرار على "موني"، ومؤكدة احترامها لها ولأعمالها، واستعدادها للتعاون معها مستقبلًا.
غير أن "موني" أكدت أنها فقدت الثقة في دار النشر التي تعاونت معها منذ عام 2020، ووصفت مبررات إلغاء الكتاب بأنها "غير مقنعة"، مشيرة إلى أن العمل لا يتصل بمعاداة السامية أو إسرائيل أو فلسطين من قريب أو من بعيد.
ومن جانبها، كشفت "لوكاشينكو" أنها تدرس اتخاذ إجراءات قانونية بشأن كتابها المرتقب، المقرر صدوره العام المقبل، معتبرة أن القرار لا يقتصر على إسكات كاتبة من السكان الأصليين، بل يعكس أيضًا رضوخًا لضغوط إعلامية.
كما أعلنت "أرالوين" إنهاء علاقتها مع دار النشر على الفور، ووصفت القرار بأنه "مخزٍ ومروّع"، لكونه يقضي بإتلاف عمل لكاتبة أسترالية دون اتباع إجراءات عادلة أو إبداء قدر كافٍ من الاحترام، مشيرة إلى أنها ستلغي عقد كتاب غير روائي وتعيد دفعة مقدمة بقيمة 2500 دولار.
وقالت إن ما جرى يكشف أن دار النشر لا تنظر إلى الكتّاب وقصصهم بوصفهم كائنات حية تستوجب المسؤولية، بل تعاملهم كسلع، أما راندا عبد الفتاح، فاعتبرت أن دار النشر انخرطت في حملة غضب منظمة تهدف إلى الترهيب وتقويض الشرعية وخنق الأصوات المعارضة، مؤكدة أن كتابها «انضباط» سيكون أول وآخر عمل يصدر لها عن هذه الدار، كما أعلن كتّاب آخرون، بينهم ناتاليا فيجيروا باروسو وسارة صالح، إنهاء تعاونهم مع دار النشر في اليوم ذاته.