خلص تقرير حديث أصدره "مجلس العلاقات الخارجية" الأمريكي، إلى أن طول المدة اللازمة لإنتاج الأسلحة، والاختناقات في سلاسل الإمداد، والتي تفاقمت بسبب استنزاف مخزونات الذخائر خلال الصراع مع إيران، تعني أنه يتعين على أمريكا إجراء إصلاحات في سياساتها وتعزيز قدراتها على إنتاج أسلحة دقيقة، بكميات كبيرة، "لمجابهة الصين خلال السنوات القليلة المقبلة".
ويستعرض أحد الخبراء الذين شاركوا في إعداد التقرير أبرز النتائج والتوصيات المتعلقة بالبدائل التي يتعين على الحكومة الأمريكية اتباعها. ويحمل التقرير عنوان: "نفاد الذخيرة: سباق لمدة عامين لإعادة بناء الترسانة الأمريكية وردع الصين."
ويقول الخبير في مجال الدفاع مايكل سي. هورويتز- زميل أول شؤون التكنولوجيا والابتكار ومدير برنامج الدفاع والأمن القومي بالمجلس- إن عملية "الغضب الملحمي" والصراع المستمر مع إيران، "مشكلة لطالما تقدمت في بطء إلى واجهة الأحداث، إذ بات الجيش الأمريكي لا يمتلك ما يكفي من الأسلحة والمنصات التي يحتاج إليها لخوض الحروب، أو ردعها. ولا تقتصر تداعيات هذا النقص على الشرق الأوسط، بل تمتد أصداؤها إلى أنحاء العالم".
وأضاف هورويتز أنه قبل أن تتصدر هذه القضية عناوين الأخبار، دعت "مبادرة استراتيجية الصين" و"برنامج الدفاع والأمن القومي"، التابعان لمجلس العلاقات الخارجية، مجموعة عمل لبحث مستقبل القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية والإصلاحات اللازمة لتعظيم القوة العسكرية للبلاد خلال عامين، وأيضا على مدار عشر سنوات.
وأضاف أنه بناء على المناقشات التي أجرتها المجموعة، والتي ضمت خبراء يتمتعون بخبرات واسعة في المجالات العسكرية والسياسات والصناعة والمشتريات والدفاع والكونجرس، أصدر المجلس تقريرا جديدا يوضح أن "اعتماد الولايات المتحدة بشكل حصري على أسلحة ومنصات متطورة وباهظة الثمن وصعبة الإنتاج لم يعد نهجا مستداما".
وأوضح أن الأمر يزداد أهمية في ظل استمرار العمليات العسكرية في أنحاء العالم، وأيضا حجم التحدي الذي تفرضه عملية تحديث القدرات العسكرية الصينية، "حيث لا يمكن إعادة بناء ترسانة من صواريخ كروز باهظة الثمن، ومنظومات دفاع جوي متطورة، وسفن يصعب إنتاجها، خلال فترة عامين، بغض النظر عن حجم الموارد التي تستثمرها الحكومة أو القطاع الخاص".
ورغم أن الحكومة "وقطاع الصناعة يعملان حاليا بقدر واسع من التعجل لزيادة معدلات إعادة بناء مخزونات هذه الذخائر، التي تمثل عنصرا محوريا في الاستراتيجية القتالية الأمريكية الحالية بمنطقة المحيط الهادئ، سوف تحتاج هذه الجهود سنوات عديدة قبل أن تؤتي ثمارها".
وقد أدت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى استنزاف حاد في مخزونات ذخائر أساسية، من بينها الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي، والذخائر الموجهة بدقة، والتي ستحتاج بدورها إلى إعادة بناء مخزوناتها.
وخلص معدو التقرير إلى أنه "يتعين على أمريكا استغلال السنوات المقبلة، خاصة العامين القادمين، لتعظيم استثماراتها في منظومات الإنتاج الكمي الدقيق، أي الأسلحة وأجهزة الاستشعار والمنصات الأقل تكلفة، والأكثر قابلية للاستبدال، والأعلى استقلالية، والتي يمكن تصنيعها بالاستناد إلى قدرات الإنتاج التجاري، والاستفادة من الدروس المستخلصة من الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا، بل ومن العمليات التي نفذتها إيران ضد الولايات المتحدة أيضا".
العامان المقبلان حاسمان
وبدون تحرك عاجل، سوف تفتقر أمريكا بشكل متزايد إلى القدرات اللازمة لردع أي عدوان صيني أو التصدي له في منطقة غرب المحيط الهادئ، خاصة إذا أقدمت الصين على غزو تايوان أو فرض حصار عليها.
ولسد هذه الفجوة، "يتعين على وزارة الدفاع الأمريكية والكونجرس إجراء إصلاحات واسعة النطاق تتيح إنتاج وشراء ونشر منظومات الإنتاج الكمي الدقيق، وهي فئة ناشئة من القدرات العسكرية تشمل الطائرات المُسيّرة وأجهزة الاستشعار والتقنيات المساندة.
ويمكن تصنيع هذه المنظومات بتكلفة منخفضة، ونشرها بسرعة، واستخدامها بكثافة خلال العمليات القتالية، والحفاظ على إمداداتها على نطاق واسع وبشكل مستدام خلال أوقات الحرب.
وحال تصاعد التوتر مع الصين خلال العامين المقبلين، "قد يتوقف تحقيق النصر على تسريع إنفاق الأموال التي سبق أن خصصها الكونجرس، وتخفيف قواعد المشتريات، واستخدام جميع أدوات السياسة الصناعية المتاحة لتوسيع الإنتاج على نحو سريع.
وعلى خلاف الذخائر والمنصات التقليدية، يمكن توسيع إنتاج منظومات الإنتاج الكمي الدقيق خلال فترة عامين، بفضل اعتمادها على التصنيع التجاري، وتصميماتها الأقل تعقيدا، مع الاستفادة من الدروس المستخلصة من حربي إيران وأوكرانيا، فضلا عن الابتكارات التي طورتها الشركات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
ويقول هورويتز إن التقرير خلص إلى أن اعتماد منظومات الإنتاج الكمي الدقيق على نطاق واسع خلال العامين المقبلين "يمثل السبيل الأكثر قابلية للتطبيق لردع الصين عن السعي إلى تحقيق أهدافها من خلال الغزو العسكري أو الإكراه، أو منعها من تحقيق النجاح إذا اختارت المضي في مثل هذه المسارات".
ويشرح هورويتز أنه نظرا للإطار الزمني البالغ عامين، "لا يسعى التقرير إلى إعادة تصميم القاعدة الصناعية الدفاعية بأكملها أو طرح إصلاحات هيكلية شاملة، حيث سيتناول التقرير المقبل فترة تمتد لعشر سنوات. وتتضمن بعض التوصيات خروجًا مؤقتًا عن الممارسات المعتادة، بينما تمثل توصيات أخرى إصلاحات طويلة الأمد".
ومن شأن جميع هذه التوصيات تعزيز القدرات العسكرية الأمريكية في ساحات عمليات تتجاوز منطقة المحيط الهادئ.
ويؤكد التقرير أنه "يتعين على واشنطن البدء فورا في التعامل مع إنتاج منظومات الإنتاج الكمي الدقيق باعتباره جهدا على أساس زمن الحرب، حيث إن الانتظار حتى اندلاع الصراع سيكون قد فات أوانه".
يتعين على الكونجرس والبيت الأبيض التحرك الآن
ويطرح التقرير بعض التوصيات المهمة، منها أربع توصيات رئيسية يتعين على الكونجرس والبيت الأبيض تنفيذها بشكل فوري.
وتتمثل التوصية الأولى في أنه يتعين على أمريكا تسريع وتيرة الإنتاج الصناعي، مما يعني منح مكاتب البرامج في وزارة الدفاع صلاحيات واسعة لتحديد أولويات الجدول الزمني، وضمان تحويل كل دولار سبق تخصيصه في الميزانية إلى عقود سنوية، و"يجب أن تتسم العملية بالشفافية والمساءلة".
أما التوصية الثانية، فهي أنه يتعين على البنتاجون قبول قدر أكبر من المخاطر في عمليات المشتريات الدفاعية، خاصة عند شراء "قدرات منخفضة التكلفة وقابلة للاستبدال، مع تحديث هذه المنظومات بسرعة مع تطور التكنولوجيا.
وتشير التوصية الثالثة إلى أن المشتريات الدفاعية تتطلب ميزانيات متعددة السنوات، حيث إن "ربط عمليات شراء الترسانة الأمريكية، حصرا، بدورات الاعتمادات المالية السنوية يؤدي إلى حالة من الغموض. ومن شأن تثبيت مؤشرات الطلب على مدى عدة سنوات أن يتيح لقطاع الصناعة التخطيط والاستثمار بثقة أكبر، وأن يساعد في الوصول إلى مستويات إنتاج أكبر بوتيرة أسرع.
وتشير التوصية الرابعة، وهي معالجة الاختناقات، إلى أنه يجب على البنتاجون مواصلة التركيز على إزالة القيود المعروفة التي تعرقل الإنتاج. ويشمل ذلك تحديث المصانع التي تنتج المكونات الحيوية في سلاسل الإمداد الأمريكية، وتكوين مخزونات من المكونات التي يستغرق إنتاجها وقتا طويلا.
ومن خلال الاستثمار في موردين بديلين، يمكن للبنتاجون إعادة بناء منظومة الشركات المصنعة الصغيرة التي تعتمد عليها الشركات الدفاعية الكبرى.
وتقع كل هذه التغييرات ضمن نطاق ما يستطيع الكونجرس الحالي والبنتاجون تنفيذه، لكنها تتطلب مستوى جديدا من السرعة، أو الاستعجال، حيث إن العامين المحددين قد بدآ بالفعل في الانقضاء.