اللحظة التي لم تحدث.. التاريخ في مرآة «التحولات البسيطة» للدكتور يحيى حسن عمر - بوابة الشروق
السبت 3 يناير 2026 9:23 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

اللحظة التي لم تحدث.. التاريخ في مرآة «التحولات البسيطة» للدكتور يحيى حسن عمر

شيماء شناوي
نشر في: الإثنين 29 ديسمبر 2025 - 1:41 ص | آخر تحديث: الإثنين 29 ديسمبر 2025 - 1:41 ص

تقوم المجموعة القصصية «التحولات البسيطة»، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، على اختبار لحظات تاريخية بديلة، تنطلق من افتراض وقوع تحول صغير كان في متناول الفاعلين التاريخيين، ثم تتبع تداعياته الممكنة.

قصص المجموعة لا تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ بقدر ما تحاوره، وتضعه في مواجهة أسئلة الاحتمال والضرورة، والاختيار والقدر، عبر سرد يجمع بين الدقة المعرفية والخيال الأدبي.

في القصة التي حملت عنوان «حنبعل يقتحم الأبواب»
تنطلق القصة من أعقاب معركة كاناي، حيث يبلغ الصراع ذروته لا في ميدان القتال، بل داخل خيمة القيادة. يركز السرد على لحظة التردد بوصفها التحول البسيط الذي كان من الممكن أن ينهي الحرب مع روما، ويحول حنبعل من قائد منتصر إلى صانع تاريخ مختلف كليًا. يتقدم القرار هنا بوصفه عبئًا نفسيًا وأخلاقيًا، لا مجرد حساب عسكري.

ويأتي النص الأصلي للقصة معبّرًا عن هذا التوتر الحاد، إذ يقول: «لم تكن الأجواء في خيمة القيادة مليئة بصخب الاحتفال ومُتْرَعَةً بكؤوس النصر… بل كانت عاصفة بالصِّيَاحِ الهائج… فقد كاد قادة حنبعل يُجَنُّونَ من قراره بعدم الزحف على روما بعدما سُحِقَت جيوشها وأصبحت بلا قوات احتياطية».
ويمضي النص كاشفًا عن عمق الصراع بين حنبعل ومهاربعل، حيث تُستدعى المقولة الشهيرة:
«الآلهة لا تعطي لشخص واحد كل شيء…».
هكذا يتحول التردد إلى بطل خفي في القصة، ويصبح السؤال المطروح: هل كان اقتحام روما كفيلًا بإنهاء الحرب، أم أن التاريخ كان سيجد طريقًا آخر ليستمر؟

«مرج دابق – المدفع لا يكسب أحيانًا»
تعيد هذه القصة قراءة معركة مرج دابق من زاوية مختلفة، لا تجعل التفوق العسكري العثماني وحده سبب الهزيمة، بل تضع الخيانة والقرار السياسي في قلب المشهد. يختبر السرد فرضية إقصاء الخونة قبل المعركة، وما إذا كان ذلك كفيلًا بتغيير مصير دولة بأكملها.
ويرتبط هذا التصور مباشرة بالنص الأصلي، حيث يرد المشهد الكاشف للخيانة داخل المعسكر المملوكي:
«أمام جميع قادة المماليك، يُمسك (سيباي) نائب الشام بخناق (خاير بك)، ويصفع وجهه برسالة مطوية… ويقول مواجهًا السلطان: خاير بك موالس علينا مع سليم…».
يتحوّل الاتهام هنا إلى لحظة فاصلة، ويكشف النص عن إدراك متأخر لخطورة بقاء الخونة داخل الصفوف، في مقابل يقين بأن المعركة لم تكن معركة مدافع فقط، بل معركة ولاءات وقرارات مؤجلة.


«فيينا – السلطان في قلب أوروبا»
تتقدم القصة بوصفها اختبارًا للعلاقة بين الطموح والحذر، عبر تخيّل استجابة السلطان سليمان القانوني لنصائح إبراهيم باشا بالهجوم المبكر على فيينا. لا تكتفي القصة بالبعد العسكري، بل تغوص في التوتر الإنساني والسياسي داخل مركز القرار العثماني.
ويرتبط هذا الطرح بالنص الأصلي الذي يكشف حدة الحوار بين السلطان ووزيره:
«ماذا دهاك يا إبراهيم؟!، أنا لست الإسكندر، وأنت لست بطليموس!».
كما تفتح رسائل السلطانة خديجة بعدًا إنسانيًا مغايرًا، يربط القرار السياسي بثمنه الشخصي، ويجعل التحول المفترض أكثر تعقيدًا من مجرد ضربة عسكرية ناجحة.

«القسطنطينية… والبوابة المؤجلة»
تعود القصة إلى واحدة من أكثر اللحظات المفصلية في التاريخ، حصار القسطنطينية، حيث لا يُعاد تخيّل الفتح من زاوية القوة العسكرية وحدها، بل من زاوية القرار، والتوقيت، وحدود الصبر السياسي والعسكري. يضع السرد القارئ أمام سؤال: هل كان التحول البسيط في إدارة الحصار كفيلًا بتغيير لحظة طال انتظارها؟
ويرتبط هذا التصور بالنص الأصلي للقصة، الذي يرصد حالة الترقب والقلق داخل معسكر الفاتحين، حيث يقول:
«كان الانتظار أطول من اللازم، والمدينة العتيقة تقف خلف أسوارها كأنها تعرف أن الزمن – لا السيوف – هو سلاحها الأخير…».

ويمضي النص كاشفًا عن ثقل القرار، وكيف يمكن لتأجيل محسوب أن يتحول إلى عبء، أو إلى ضرورة، تبعًا لقراءة القائد للمشهد بأكمله.

«واترلو… الخطوة التي لم تُؤخذ»
تتناول القصة معركة واترلو بوصفها لحظة فاصلة لم يحسمها السلاح وحده، بل سلسلة من القرارات الصغيرة التي تراكمت حتى صنعت الهزيمة.

يركّز السرد على خيار واحد كان يمكن أن يغيّر مجرى المواجهة، ويعيد رسم خريطة أوروبا.
ويأتي النص الأصلي للقصة ليعكس هذا التردد القاتل:
«لم يكن نابليون يفتقد الجنود، ولا المدافع، بل تلك اللحظة التي يقول فيها القائد لنفسه: الآن… وليس بعد قليل».
هنا، يتحول التأجيل إلى فعل، ويصبح الانتظار قرارًا لا يقل أثرًا عن الهجوم، في سرد يعرّي هشاشة القائد حين يواجه التاريخ وهو في ذروة سلطته.


«القيصر… والشتاء الذي انتظر»

تعيد القصة طرح حملة نابليون على روسيا من زاوية مغايرة، حيث يصبح الشتاء طرفًا خفيًا في المعركة، لكن ليس بوصفه قدرًا محتومًا، بل نتيجة حسابات لم تُحسم في وقتها. يتساءل السرد: ماذا لو أُعيد ترتيب الأولويات قبل أن يبدأ الجليد؟
ويرتبط هذا التساؤل بالنص الأصلي الذي يصوّر المشهد القاسي:
«لم يكن البرد قد حلّ بعد، لكن القلق كان أبرد من الثلج، يسكن العظام قبل أن يسكن الأرض».
النص لا يحتفي بالهزيمة، بل يفكك أسبابها، ويضع التحول البسيط في صميم السقوط الكبير.
في قصة بعنوان «هيروشيما… الزر الآخر»
تنطلق القصة من لحظة معاصرة نسبيًا، وتضع القارئ أمام أكثر القرارات الإنسانية قسوة. لا تسأل القصة عمّا حدث، بل عمّا كان يمكن ألا يحدث، لو اختير زر آخر، أو توقيت مختلف، أو قراءة أكثر تريثًا لعواقب القوة المطلقة.
ويأتي النص الأصلي ليعبّر عن هذا الثقل الأخلاقي:
«لم يكن الصوت هو ما أرعبه، بل الصمت الذي أعقبه… صمت مدينة اختفت دفعة واحدة».
هنا، يتحول التحول البسيط إلى سؤال أخلاقي مفتوح، لا إجابة له، ويغدو التاريخ شاهدًا لا قاضيًا.

«السدان… وما حدث لهما»

تختتم المجموعة بقصة تأخذ منحى إنسانيًا رمزيًا، حيث يبتعد السرد عن المعارك الكبرى، ويقترب من مصائر أفراد يقفون عند أبواب السلطة والقداسة معًا.
يختبر الكاتب فكرة التحول الصغير في حياة شخصين عاديين، ليربط بين الفرد والتاريخ، وبين القرار الشخصي والنتائج العامة.

ويرتبط هذا الطرح بالنص الأصلي الذي يقول:
«لم يكونا يعرفان أن ما يفعلانه سيُكتب يومًا، ولا أن صمتهما سيكون أعلى من ضجيج المدن».
بهذه الخاتمة، تعود المجموعة إلى فكرتها المركزية: أن التاريخ لا تصنعه اللحظات الكبرى وحدها، بل تلك التحولات الصغيرة التي تمر أحيانًا بلا انتباه، لكنها تترك أثرها العميق.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك