طارق البشرى.. رُوحٌ عَذْبٌ - نبيل مرقس - بوابة الشروق
الأربعاء 22 سبتمبر 2021 2:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

طارق البشرى.. رُوحٌ عَذْبٌ

نشر فى : الإثنين 1 مارس 2021 - 7:00 م | آخر تحديث : الإثنين 1 مارس 2021 - 7:00 م

شرفت فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى بمعرفة المستشار طارق البشرى القاضى/ المؤرخ والقامة الفكرية والوطنية الرفيعة، الذى أبدع أحد أهم الكتابات عن العلاقات الإسلامية المسيحية فى مصر «المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية». كانت أولى مقابلاتى معه فى الملتقى الثقافى الخاص الذى أسسه الصديق الراحل عادل حسين المفكر الاقتصادى والرمز السياسى المصرى المرموق، الذى تعرفت عليه فى إحدى جلسات المؤتمر العلمى السنوى للاقتصاديين المصريين، الذى نظمته الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع عام 1977. وكان الملتقى الثقافى الخاص الذى بدأه عادل حسين فى تلك الآونة وضمنى إليه، بمثابة حلقة نقاشية جادة تضم عددا من الرموز والقامات الثقافية والسياسية المهمة فى ذلك الوقت. احتضنت الحلقة أسماء عديدة بارزة، منهم عادل حسين وطارق البشرى وجلال أمين وعبدالوهاب المسيرى وحسن حنفى ونادر فرجانى وعبدالمنعم تليمة ومحمد عمارة ووليم سليمان قلادة وعلى نصار وجودة عبدالخالق وكريمة كريم ومحمد عامر وأحمد عامر. وضموا إليهم فى تواضعٍ محمود عددًا من شباب الباحثين والمثقفين، هم حامد الموصلى وأحمد حمدى وممدوح فهمى والعبدلله. ودارت داخل الملتقى مناقشات ثرية حول كيفية السعى للخروج من «الأزمة الحضارية» التى تمر بها مصر.
***
بحسب تعريف المجموعة للحالة المصرية وقتها. وذلك بطرح مشروعٍ حضارى جديد يخرج مصر من أزمتها الوجودية التى عصفت بها بعد هزيمة يونيو 1967.
كانت فترة السبعينيات من أخطر المراحل السياسية والاجتماعية التى مرت بها مصر. ففيها تم تعديل مسار السياسة الخارجية المصرية من توجهات التحالف مع الاتحاد السوفييتى والمعسكر الاشتراكى والتنسيق الجاد مع كتلة عدم الانحياز إلى مسار الانحياز الكامل إلى المعسكر الغربى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وسعت مصر بقيادة أنور السادات إلى استعادة كامل الأراضى المصرية بعد حرب أكتوبر المجيدة من خلال سياسة الخطوة خطوة التى ابتدعها السياسى الأمريكى الداهية هنرى كيسنجر. وفى هذا السياق الاقتصادى والاجتماعى، تراجعت شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الطبقات لتسود سياسات وثقافة الانفتاح الاقتصادى ذات النزعة الاستهلاكية المرتبطة بآليات السوق الرأسمالى. كما ظهر فى هذه الفترة بين شباب الجامعات تيار الإسلام السياسى كمنافسٍ شرس للتيارات اليسارية والناصرية المعادية لنظام السادات.
وفى نهاية السبعينيات، كان الصديق الراحل عادل حسين بشخصيته الكاريزمية الجسورة ومزاجه الحاد وعقله البحثى والسياسى المتقد الذى أبدع أحد أهم كتابات الاقتصاد السياسى فى تلك الفترة «الاقتصاد المصرى من الاستقلال إلى التبعية: ١٩٧٤ــ١٩٧٩»، وفى صحبته المستشار طارق البشرى بشخصيته الدمثة الودودة وروحه العذب وفكره الوطنى والإنسانى الثاقب والمبدع وخلقه الرفيع ومزاجه الهادئ، كانا قادرين معا فى تناسقٍ بديع أن يجمعا من حولهما ذلك العدد الكبير من رموز الفكر والثقافة من جميع ألوان الطيف الفكرى والسياسى ــ مع بعض التحيز نحو التيارات اليسارية ــ بحكم الانتماء الفكرى التاريخى لعادل حسين. وذلك مع محاولةٍ جادة للانفتاح على التوجهات الإسلامية المعاصرة بحكم الصعود المتزايد للتيار الإسلامى على الساحة السياسية المصرية وقتها. وكان ذلك متزامنا مع رحلة التحول الإنسانى والفكرى الخلّاق للقامتين طارق البشرى وعادل حسين من قلب المشروع القومى الناصرى إلى مشارف المشروع الحضارى الإسلامى.
ولكن هذه القدرة العبقرية لعادل حسين وطارق البشرى معا على التشبيك الإنسانى الخلاق والحوار الفكرى الرصين وطرح الأهداف القومية الجسورة عبر الحواجز وخطوط المواجهة الفكرية والسياسية والشخصية، تراجعت بشكلٍ واضح بعد إعلان عادل حسين فى منتصف الثمانينيات انضمامه إلى حزب العمل تحت قيادة إبراهيم شكرى وشغله لمنصب الأمين العام للحزب ثم توليه رئاسة تحرير جريدة الشعب الناطقة باسم الحزب. وقد سبقه المستشار طارق البشرى فى مقدمته البديعة للطبعة الجديدة من كتاب «الحركة السياسية فى مصر: 1945-1952» عام 1981، بالإعلان عن انتمائه الفكرى الإسلامى الجديد. وهكذا بدأت المسافات والحواجز والمعارك التى فصلت تاريخيا بين اليسار العلمانى بجميع أطيافه وتيار الإسلام السياسى فى مصر تتسرب من جديد داخل هذه المجموعة المتميزة. فغادر كثيرون من رموز اليسار المصرى وقتها مثل نادر فرجانى وعلى نصار وعبدالمنعم تليمة وجودة عبدالخالق وكريمة كريم ومحمد عامر وأحمد عامر. بينما فقد البعض الآخر من أعضاء الملتقى حماسه وقرر الانقطاع عن المجموعة، مثل حسن حنفى وجلال أمين ووليم سليمان قلادة. واستمر باقى أعضاء المجموعة يحاولون جاهدين صياغة فكر المجموعة فى سياق الساحة الفكرية والسياسية المتغيرة والمتحركة فيما يعبر عن الحد الأدنى المشترك فكريا وفلسفيا بين أعضاء المجموعة. وهكذا ضغطت التطورات المتلاحقة لتتفكك المجموعة تدريجيا، إلى أن انفرط عقدها تماما مع الاستغراق الكامل لعادل حسين فى مسئولياته السياسية والحزبية الجديدة فى حزب العمل الإسلامى.
***
ومع ذلك، ظل أستاذنا الجليل وراعينا الفكرى المستشار طارق البشرى يجسد دائما لنا ــ نحن من حرصنا على صحبته الفكرية والإنسانية الدافئة والرائقة ــ ملاذا فكريا آمنا يقينا لحظات الصدام السياسى الخشن واضطرابات غياب الرؤية وافتقاد المرجعية وانعدام التوافق التى مرت بها مصر منذ أحداث سبتمبر ١٩٨١، وحتى انتفاضة ٢٥ يناير ٢٠١١ وما بعدها. كنا نلجأ إليه أنا وعددٌ من الأصدقاء المقربين ــ منهم جورج إسحق وسمير مرقس ومنير عياد وحنا جريس ــ عندما تضيق بنا السبل، ويتعذر علينا اختراق سحب السياسة المعتمة وتمييز الحق من الباطل وسط ضجيج السياسيين المحترفين. تجده ينتظرك مرحبا فى مقعده المعتاد، باسم الثغر هادئ النفس يقف واثقا على ضفاف الحقيقة الصافية مستندا فى دعة إلى إيمانه الصوفى الراسخ، محدقا فيما وراء الصخب والضجيج والسحب المعتمة ومقتنصا فى سلاسة جوهر الأمر الغائب عن الجميع.
وهو فى ظنى قد ظفر بما كان يطلبه، فقد خرج عن نطاق هذه الدوائر الصاخبة والدورات الكونية القلقة، وظفر بصحبة من رسوا واستكانوا إلى بر النجاة ومن عبروا الزائل ليلتحقوا هانئين بموكب الأبدية. حيث يصدح الصوت السماوى مرحبا نِعِمَّا أيها العبد الصالح والأمين كنت أمينا فى القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح مولاك وسيدك فتنعم بصحبة الأبرار والقديسين وأولياء الله الصالحين.

نبيل مرقس باحث بمعهد التخطيط القومي (سابقاً)
التعليقات