لبيروت من قلبى اعتذار - طلعت إسماعيل - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2020 5:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

لبيروت من قلبى اعتذار

نشر فى : الثلاثاء 1 سبتمبر 2015 - 6:45 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 1 سبتمبر 2015 - 6:45 ص

زرت لبنان مرة وحيدة فى مطلع التسعينيات من القرن الماضى، كانت الحرب الأهلية، التى أتت على الأخضر واليابس من دون أن تمس روح الشعب اللبنانى المحب للحياة، تضع أوزارها.. يومها كنت أغطى أعمال المؤتمر القومى العربى، حيث اجتمع ساسة ومفكرون من غالبية البلدان العربية لتشريح أحوال الأمة التى لم تكن ــ ولا تزال ــ ترضى أحدا، ورغم مرور كل هذه السنوات، لا يزال حجم التأثير الذى أحدثه تعرفى على الإخوة اللبنانيين كبيرا.

قبل هذه الزيارة كانت معرفتى بلبنان تتلخص فى بضع قراءات محدودة عن الحرب الأهلية وما أحدثته من دمار فى بلاد الأرز، وأغانى فيروز التى أعشقها، وأسماء عدد من الممثلين اللبنانيين الذين يظهرون فى أفلامنا القديمة، قبل أن نتقوقع ونغلق الباب فى وجه المواهب العربية، وهى طبعا معلومات ثبت ضحالتها عندما استقبلنى الإخوة اللبنانيون بشحمهم ولحمهم فى المطار.

فى «ست الدنيا» بيروت، استقبلنى فتيان وفتيات جعلونى أخجل من ضحالة معلوماتى عن بلدهم، بغزارة ثقافتهم وفيض محبتهم لمصر والمصريين، فلم تمنع الحرب الأهلية هذا الجيل من الشباب، الذين كانوا يماثلوننى العمر (منتصف العشرين وقتها)، من التعليم الجيد، والسعى للمعرفة، ومتابعة ما يدور حولهم من أحداث إقليمية ودولية، رغم أن بعضهم يعمل فى مجال السياحة والترفيه وليس فى الإعلام ومطابخ الصحافة.

أثناء متابعتى جلسات المؤتمر القومى العربى، كان الاحتقان يبلغ مداه فى الشارع اللبنانى ضد حكومة عمر كرامى (الأولى فى ربيع 1992)، احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية، ولأنى مولع بالميادين، أكثر من الاستماع إلى التحليل السياسى فى الغرف المغلقة، سارعت إلى متابعة المظاهرات التى كانت تطوف أرجاء بيروت باتجاه مقر الحكومة.

تحت لافتات عريضة وشعارات جميلة مضت التظاهرات فى حماية رجال الأمن، وهو مشهد كان جديدا علي وأنا القادم من مصر، التى كان جل أمانى نشطائها السياسيين، تنظيم مظاهرة داخل حرم هذه الجامعة أو تلك، وعلى أقصى تقدير بساحة معرض الكتاب حيث يتم قمعها بعنف.

لا أخفيكم مقدار رهبتى وأنا أمر أمام جنود لبنانيين مدججين بالسلاح، قرب مقر الحكومة، ولسان حالى يسأل: متى يطلقون الغاز المسيل للدموع؟ لكن خاب ظنى وأنا ألمح الابتسامات على الوجوه، قبل أن ينفض المتظاهرون برقى من دون حرق أو تدمير، رغم أن الجميع كانوا خارجين لتوهم من آتون حرب ضارية.

اليوم أتابع عن بعد ما يدور فى لبنان، لرصد ما طرأ من تغيير على سلوك المتظاهرين، وتصرفات الأمن، بعد أن خرجت طلقات رصاص قوات الجيش باتجاه المحتجين الذين مال بعضهم للعنف، لكن أهم ما بقى هى روح التمرد التى أطاحت بحكومة عمر كرامى فى مايو 1992، والوقوف فى وجه من «طلعت ريحتهم» فى أغسطس 2015.

طبعا البعض فى مصر بضحالة قراءته لما يدور فى لبنان، اختزل المشهد فى بضع لقطات لشبان وشابات يمارسون فعل الاحتجاج على طريقتهم، وانطلاقا من اختلاف الثقافة المجتمعية فلم ير غير «المزز»، ما دفع كاتبا لبنانيا إلى توجيه عتاب للمصريين يقول فيه: «بلغنا أنكم تبدون إعجابكم بـ(المُزز)فى تظاهراتنا، فلا تغرنكم المظاهر».

وللشقيق اللبنانى أقول: اقبل اعتذارى عن سوء تصرف البعض منا، ممن يتحدثون ليلا ونهارا عن الديمقراطية وهم لا يفقهون أن أولى خطواتها قبول الاختلاف حتى ولو كان فى التظاهرات.

التعليقات