غزة ومحكمة العدل الدولية في النظام الدولي - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 10:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

غزة ومحكمة العدل الدولية في النظام الدولي

نشر فى : السبت 3 فبراير 2024 - 8:10 م | آخر تحديث : السبت 3 فبراير 2024 - 8:10 م
أغلب المعلقين الأجانب والعرب ومسئولى جنوب إفريقيا نفسها، التى أقامت الدعوى أمام محكمة العدل الدولية مطالبة إياها بالحكم باتخاذ تدابير مؤقتة لحماية سكان غزة الفلسطينيين من حملة الإبادة الجماعية التى يتعرضون لها على أيدى القوات الإسرائيلية، اعتبروا أن الحكم الصادر عن المحكمة يوم 26 يناير الماضى إيجابى. هم رأوا أن إسرائيل، بهذا الحكم، تتعرض للمساءلة القانونية لأول مرة منذ نشأتها. المحكمة لم تستجب لطلب إسرائيل برفض الدعوى، فهى حكمت باختصاصها فى نظر القضية ثم هى اعتبرت أن الهجمات والممارسات الإسرائيلية يمكن أن تعتبر بمثابة جريمة الإبادة الجماعية، كما عرفتها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، ثم هى استدلت على ذلك بتصريحات عدد من كبار المسئولين الإسرائيليين.
هذا المقال لا يستعرض حكم المحكمة فلقد تعددت التحليلات الوافية عليه منذ صدر. مراد المقال هو محاولة النظر فيما وراء الحكم، ثم وضع الحكم ومحكمة العدل الدولية ذاتها فى إطار النظام الدولى. السبب فى ذلك هو أن البعض فى العالم العربى اعتبر أن الحكم قاصر وهو أنه لم يوفر الحماية للشعب الفلسطينى، فها هى إسرائيل مستمرة فى قصف غزة وقتل سكانها، والولايات المتحدة ما زالت تزودها بالسلاح والذخيرة.
• • •
محكمة العدل الدولية هى واحد من الأجهزة الرئيسية الستة لمنظمة الأمم المتحدة، وهى الجهاز الأقرب، مع أمانة المنظمة، للطابع الدولى فالدول الأعضاء غير ممثلة فيها وقضاتها مستقلون وإن رشحتهم دولهم لعضويتها. إن قبلت دولة اختصاص المحكمة بشكل كامل أو جزئى فى النزاعات التى تكون طرفا فيها، فهى تكون قد تنازلت طوعا عن جانب من سيادتها، ويكون للمحكمة أن تحكم ولأحكامها أن تصبح ملزمة واجبة النفاذ متعدية سيادة الدولة المحكوم فى حقها.
عن استقلال القضاة، تجدر الإشارة مثلا إلى أن القاضى الأمريكى فى المحكمة انضم إلى حكمها الصادر باتخاذ تدابير مؤقتة لصالح إيران ضد الولايات المتحدة فى سنة 2018 فى القضية التى ادعت فيها إيران بأن الولايات المتحدة قد انتهكت اتفاقية الصداقة التى تجمعهما منذ سنة 1955، ولم ينقضها أى من الطرفين بعد الثورة الإسلامية، عندما فرضت عقوبات عليها. ليس فى محله افتراض أن القضاة يتخذون المواقف السياسية لدولهم فى القضايا التى تعرض لهم. ومع ذلك، فإنه حتى فى حالة اختصاص المحكمة بالنظر فى نزاع ما فإن لفاعليتها المباشرة والآنية حدودها التى يفرضها التوتر الموجود فى منظمة الأمم المتحدة عموما بين الطابع الدولى المثالى للمنظمة من جانب، ومبدأ سيادة الدول الأعضاء، وخاصة ما فوق السيادة المقررة للدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى المتمتعة بحق الفيتو فيه، من جانب آخر.
فى نهاية الأمر، محكمة العدل الدولية ليست جهازا مستقلا يعمل وحده، وإنما هى جهاز من أجهزة الأمم المتحدة تعمل من أجل تحقيق مقاصدها على أساس مبادئ المنظمة وفى إطار أحكام ميثاقها.
• • •
قراءة حكم المحكمة بشأن تدابير الحماية المؤقتة لسكان غزة تبين أنها استندت فى حكمها، بالإضافة إلى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، إلى أحكام القانون الدولى العام، وأحكام القانون الدولى الإنسانى، وذلك فى إطار الحدود المشار إليها أعلاه، ونضيف إليها اعتبارا رئيسيا آخر هو حرص القضاة على القضاء الدولى المتمثل فى محكمتهم، بل وعلى منظمة الأمم المتحدة برمتها، وهى الفاعل الأساسى فى حوكمة النظام الدولى. نستشف ذلك من قراءة حكم المحكمة والرأى المخالف للقاضية الأوغندية، جوليا سيبوتيندى، والإعلانات بشأن الحكم الصادرة عن القاضية الصينية كسوى هانكين والقاضى الهندى دالفير بهاندارى والقاضى الألمانى جورج نولته، بالإضافة إلى الرأى المنفصل للقاضى الإسرائيلى المعين خصيصا للنظر فى هذه القضية أهارون باراك. الحجج الواردة فى الرأيين والإعلانات لا بد أنها نوقشت فى مداولات القضاة إلا أن شبه إجماعهم لم يأخذ بها.
القاضى الإسرائيلى شدد على أن المحكمة لم تحكم بوقف إطلاق النار كما طلبت جنوب إفريقيا واعتبر أن المحكمة أقرت بحق إسرائيل فى الدفاع عن مواطنيها، وهو ما لم تقله المحكمة فى منطوق حكمها. يلفت النظر أن القاضى باراك شدد على التزام كل أطراف النزاع، بمن فيهم «حماس»، بالقانون الدولى الإنسانى. المحكمة لم تسم «حماس» ولكنها نصت فى حكمها على التزام كل الأطراف بالقانون الدولى الإنسانى. مفاد هذا أن «حماس» ليست فقط ملتزمة بأحكام القانون الدولى الإنسانى، وإنما هى تتمتع أيضا بحمايته. يذكر أنه كان للوفد المصرى الدور الجوهرى فى إدراج حركات التحرر الوطنى ضمن الفاعلين المتمتعين بحماية القانون الدولى الإنسانى فى البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف عند التفاوض عليه فى جنيف فى سنة 1977.
القاضية الأوغندية خالفت كل ما قررته المحكمة من تدابير مؤقتة، معتبرة أنه ليس لهذه التدابير ما يبررها بل هى اعترضت على اختصاص المحكمة بالنظر فى الدعوى أساسا، وهو ما لم يفعله القاضى الإسرائيلى نفسه. السبب فى اعتراضها على اختصاص المحكمة هو أن النزاع الفلسطينى ــ الإسرائيلى نزاع سياسى يحل بالطرق السياسية وليس بواسطة القضاء. هذه حجة لا بد أن القاضية ساقتها أمام زملائها وهم وعن حق لم يأخذوا بها. غريب أنه فات القاضية الأوغندية أن جنوب إفريقيا لم تطلب من المحكمة حل النزاع الفلسطينى الإسرائيلى وإنما حماية الشعب الفلسطينى فى غزة من انتهاكات إسرائيل لاتفاقية الإبادة الجماعية، ولقد وجد خمسة عشر قاضيا من سبعة عشر أن ارتكاب هذه الانتهاكات احتمال ممكن.
القاضية الصينية وافقت على سلامة كل تدابير الحماية المؤقتة التى حكمت بها المحكمة، إلا أن عبارتين تسترعيان الانتباه فى الإعلان الصادر عنها. العبارة الأولى هى «الشعب الفلسطينى» التى وردت مرتين فى الإعلان البالغ عشرين سطرا. المحكمة انتهت فى حكمها إلى أن «الفلسطينيين يبدون مشكلين لمجموعة وطنية أو عرقية أو عنصرية أو دينية متميزة» وبالتالى مجموعة تتمتع بالحماية وفقا للمادة الثانية من الاتفاقية. مع ذلك، استمر الحكم فى استخدام مصطلح «الفلسطينيين» الذى درج استخدامه فى الخطاب السياسى وفى جل الوثائق الدولية فى الأربعين سنة الماضية. القاضية الصينية ترجمت «المجموعة المتميزة» إلى «شعب» وهو واحد من العناصر الثلاثة الضرورية لتشكيل الدولة الوطنية. العبارة الثانية هى «نتيجة للأعمال العسكرية الإسرائيلية، فإن مجرد وجود الشعب الفلسطينى فى غزة معرض للخطر». هذه العبارة لا يمكن أن تعنى غير أنه لضمان وجود الشعب الفلسطينى فى غزة فإنه يجب أن تتوقف الأعمال العسكرية الإسرائيلية، أى يجب وقف إطلاق النار، كما طلبت جنوب إفريقيا.
• • •
نحن لا نعرف مواقف القضاة الأربعة عشرة الآخرين من المسائل الشائكة التى تداولوا بشأنها قبل إصدار حكمهم. أما عن مواقفهم من حجج القضاة الثلاثة الأوغندية والإسرائيلى والصينية تحديدا، فإنه واضح أنهم كانوا بعيدين عن مواقف القاضيين الأوغندية والإسرائيلى اللذين أعلنا عن اختلافهما معهم فى كل شىء أو فى أغلبه. اتفاق القاضية الصينية معهم منعقد صراحة إلا أنهم لم يبلغوا مبلغها، على الرغم من أن تدابير الحماية المؤقتة التى أمروا بها لا يمكن أن تتحقق إلا بوقف إطلاق النار. أغلب الظن أن ذلك يرجع إلى أن المحكمة قدرت أن إسرائيل لن تمتثل لوقف إطلاق النار إن هى قررته وأن الولايات المتحدة ستمارس حق الفيتو فى مجلس الأمن لإجهاض فرضه على إسرائيل بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. عدم امتثال إسرائيل لأمر المحكمة بوقف إطلاق النار ثم شل مجلس الأمن، بممارسة حق الفيتو فيه، من شأنهما النيل بشدة من مكانة المحكمة ومصداقيتها، ومن مصداقية منظمة الأمم المتحدة وشرعيتها. يمكن تصور أن المحكمة لم ترد اتخاذ هذه الخطوة شديدة الخطورة. هى تجنبت ذلك فى الوقت الحالى على الأقل. يبدو كذلك أنه للحفاظ على مكانة المحكمة أراد القضاة الظهور موحدين أمام العالم وهم نجحوا فى ذلك فلم يصدر إلا رأى مخالف واحد لحكمها ورأى منفصل واحد أيضا.
المحكمة طلبت من إسرائيل تقريرا بعد شهر من إعلان حكمها عما اتخذته من إجراءات لإنفاذ تدابير الحماية التى أمرت بها. ليس معروفا ما الذى ستفعله المحكمة إن لم تقدم إسرائيل التقرير أو ما ستفعل به إن قدمته. هل تنعقد من جديد لتصدر حكما آخر أم هل تكتفى بضمه إلى أوراق القضية إلى حين تنظر فى موضوعها فى السنوات القادمة؟
• • •
محكمة العدل الدولية أدت ما عليها. هى تعمل فى نظام دولى هو نظام سياسى غير مكتمل، أى هو نظام لا سلطة مركزية فيه تطبق القانون وتنفذ أحكام القضاء. وعندما توجد سلطة مجمعة لإنفاذ الأحكام فى شأن السلم والأمن الدوليين، كتلك التى ينص عليها الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فإن القوة التى تمارسها الولايات المتحدة تبطل مفعولها.
حكم محكمة العدل الدولية جيد جدا يمكن الاستناد إليه والبناء عليه. هو يمثل رأى المجتمع القضائى الدولى. من جانبه، المجتمع السياسى الدولى، الممثل فى الجمعية العامة للأمم المتحدة، أغلبيته الساحقة تساند حقوق الشعب الفلسطينى. المجتمع المدنى العالمى، بما فى ذلك مكوناته الأمريكية، تتزايد عناصره المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطينى. المجتمع الأكاديمى العالمى تتوسع دوائر مساندته للحقوق الفلسطينية.
الألم شديد للقتل والدمار اللذين تواصل إسرائيل صبهما على غزة. ولكن فليعمل أنصار الإنسانية فى كل مكان على توظيف حكم المحكمة لصالح مجمل الشعب الفلسطينى وحقوقه.
إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات