البتـــكوين: عملة افتراضية أم فنكوش افتراضي - محمود الخفيف - بوابة الشروق
الأربعاء 13 نوفمبر 2019 11:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

البتـــكوين: عملة افتراضية أم فنكوش افتراضي

نشر فى : الخميس 4 يناير 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 4 يناير 2018 - 10:40 م

البتكوين هي عملة افتراضية، في الأساس لم يكن لها أي قيمة مادية، ولكن أصبح لها قيمة مقابل العملات الأخرى فقط بعد خلق طلب عليها ثم زيادة هذا الطلب باطراد متزايد، وهي عملة مُخَلقة من برنامج كمبيوتر أو تطبيق (application) من تطبيقات الحاسوب على الإنترنت مشابه لتطبيقات الـ Uber أو الـ Expedia أو الـ Airbnb، أو تلك التطبيقات التي يتم من خلالها إتمام صفقات بين بائع (العرض) ومشترى (الطلب) وفي المقابل يتحصل صاحب التطبيق (وهو ليس بالضرورة مصمم أو مُبَرمِج التطبيق) على نسبة من قيمة كل صفقة، أي أن صاحب الملكية الفكرية لبرنامج الحاسوب أو التطبيق يتقاضى نسبة من قيمة كل صفقة (من ملايين الصفقات)، بدون أن يبذل أي مجهود أو يغامر بأي رأسمال، يتقاضى مئات الملايين من الدولارات بدون حتى دفع ضرائب لدولة المشتري فقط لأنه يمتلك برنامج الحاسوب أو تطبيق الانترنت لا أكثر ولا أقل.

بدأت فكرة البتكوين في أواخر2008 وبدايات 2009 وهي عبارة عن تطبيق على الإنترنت يدفع فيه المشتري كم معين من المال الحقيقي (دولارات) مقابل عدد معين من النقود الافتراضية "البتكوينات"، وفي المقابل يستطيع المشترى أن يستخدم ما لديه من "بتكوينات" لشراء أي شيء من على الإنترنت، أي أن الفائدة بالنسبة للمشتري هي سهولة الشراء من على الإنترنت بالإضافة إلى (وهو الأهم) سرية التعامل، حيث أن التطبيق مصمم بطريقة لا تفصح عن اسم المشتري أو اسم البائع.

***

في بداية الأمر ولتشجيع استخدام البتكوين كان مصمم التطبيق يوزع بضع وحدات من البتكوين كجوائز، وكانت قيمة كل وحدة بتكوين في بدايات سنة 2010 تساوي أقل من ثلث سنت أمريكية، أي أن كل 1000 (ألف) وحدة بتكوين كانت تساوى 3 دولارات أمريكية فقط لا غير، ثم أخذت هذه القيمة في التزايد في الست سنوات التالية إلى أن وصلت قيمة وحدة البتكوين حوالي الـ 1000 (ألف) دولار أمريكي في يناير 2017، ثم قفزت عشرون ضعف في أقل من 12 شهر، إلى ما يقرب من 20000 (عشرون ألف) دولار في منتصف شهر ديسمبر الماضي، لكنها تراجعت الآن إلى ما يقرب من 14000 (أربعة عشرة آلاف) دولار امريكي لوحدة البتكوين الواحدة https://en.wikipedia.org/wiki/History_of_bitcoin#Prices_and_value_history.  

وهذه الزيادة المذهلة في السعر ترجع إلى زيادة مضطردة في الطلب أساساً بغرض المضاربة والهلع وراء جاني أرباح من ارتفاع سعر البتكوين، وفي نفس الوقت عدم وجود أي زيادة في المعروض منه. ويُقال أن تطبيق البتكوين مصمم بطريقة تجعل عدد وحدات البتكوين المعروضة في السوق محدود للغاية، حيث أن زيادة المعروض مرتبط بعملية حسابية وحاسوبية معقدة للغاية، فيقل معدل زيادة إصدار وحدات بتكوين جديدة كلما زاد عدد وحدات البتكوين المتداولة والموجودة في السوق، وفي نهاية الأمر سيتوقف التطبيق عن إصدار أي وحدات بتكوين جديدة حين يصل عدد الوحدات المُصْدَرة ومتواجدة في السوق إلى 21 مليون وحدة، ويقال إن المتواجد في السوق اليوم حوالي 17 مليون وحدة بتكوين. والنتيجة المباشرة للطلب المتزايد باستمرار والناتج عن مضاربة مُختَلقة وفي ظل المحدودية الشديدة للمعروض من البتكوين هو توصل انتفاخ فقعة السعر إلى أن تنفجر هذه الفقعة ويسقط السعر فيخسر الملايين من صغار المضاربين بعد أن يكون قد كسب كبار المضاربين آلاف الملايين من الدولارات. وتشير الأرقام المتاحة إلى أن قيمة كل المتداول حاليا (في بدايات يناير 2018) من وحدات البتكوين في الأسواق ولدى المضاربين تقدر بحوالي 238 مليار دولار، بعد أن كانت 340 مليار دولار في منتصف ديسمبر 2017.

***

إن زيادة عرض وإصدار وحدات بتكوين جديدة لا تخضع لأي سلطة حكومية مُعلنة أو أي بنك مركزي مُشهر، بل تخضع فقط (كما يُقال) لتصميم تطبيق البتكوين على الإنترنت! وعلى الرغم من ذلك يمكن اليوم بيع وشراء البتكوين بكل سهولة على الإنترنت، وطبعا صاحب التطبيق يأخذ ملايين الدولارات كعمولة عن كل صفقة للبيع والشراء. ومن غير المعروف من هو صاحب والمستفيد الأعظم من تطبيق البتكوين؟: هل هي جهات سيادية دولية لتمويل عمليات غير شرعية في دول أخرى؟ هل هي جهات غير شرعية تقوم بغسيل وتنظيف أموال قذرة من مصادر غير شرعية؟ هل هم بشر أبرياء يسعون فقط خلف قليل من الدولارات؟ هل .. وهل؟ الله أعلم.

ولكن الأكيد أن البتكوين عملة جاءت من فراغ العالم الافتراضي وليس لها أي قيمة حقيقية ذات علاقة بالإنتاج والعرق والعمل والحياة الشاقة اليومية التي يعيشها الغالبية الكادحة من سكان الكرة الأرضية. قيمة البتكوين تُستمد اساساً من المضاربة المُختَلقة والتي لا أدري من خلقها. والأكيد أيضا أن ظاهرة البتكوين تمثل عملية الأمولة (financialization) في أعلى مراحلها حين يحول الفراغ إلى مال يذهب مع الريح التي تهب إلى الشمال، إن هذه الظاهرة خير مثال لليبرالية الجديد المتوحشة والتي تسعى إلى ترسيخ عملية الأمولة التي تحول كل قيمة حقيقية لإنتاج حقيقي إلى أموال رقمية من تربح ومضاربة يمكن من خلالها نقل فائض قيمة إنتاج شعوب العالم الثالث الفقيرة إلى الدول الغنية لحد التخمة في الغرب.

 

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات