الحب فى زمن الكورونا - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الخميس 9 أبريل 2020 4:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الحب فى زمن الكورونا

نشر فى : الأربعاء 4 مارس 2020 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 مارس 2020 - 9:15 م

فى زمن القنوات المفتوحة وشبكات التواصل الاجتماعى والأخبار المتاحة على مدى الساعة، الحقيقية منها والمفبركة، فى زمن التقدم العلمى والدقة وإمكانية التأكد من صحة معلومة لا سيما حين تكون علمية، ها نحن نغرق أمام فيروس الكورونا ووسط المعلومات المتوفرة بشأن الوقاية أو العلاج منه.
***
سوف أعطى الخباز خبزه كما يقال، ولن أدخل فى نقاش علمى بما أنى لست طبيبة ولست أيضا مخبرية أو مدرسة علوم طبيعية، إنما يستوقفنى منذ أيام عدد من ردود الأفعال غير المنطقية والتى تدل على أن الطريق ما زال طويلا أمام قدرتنا على التجرد من الأحكام المسبقة والقاسية، وقدرتنا على تحمل مسئولية أفعالنا أمام الآخرين.
***
انتشرت فى الأيام الأخيرة مقاطع مصورة آتية من بلاد أوروبية تظهر ردود فعل بعض الناس فى أماكن عامة عند وجود أشخاص آسيويى الملامح فيها، وتراوحت ردود الأفعال بين محاولة تجنب الوقوف قرب أصحاب الملامح الآسيوية وصولا إلى إيذائهم بالألفاظ وبالاعتداء البدنى عليهم.
بالمقابل، وربما بسبب قلة الثقة فى منطقتنا بالمؤسسات الرسمية، يبدو أن ثمة محاولات من جانب العائدين من بلاد أعلنت ظهور الكورونا بتجنب الحجر الصحى، يأتى ذلك وسط تخبط رسمى فى نوع المعلومات المتاحة والتصريحات من قبل المسئولين على قنوات الإعلام الرسمى، من أبقى على بعض من هدوئه عاد إلى معلومات منظمة الصحة العالمية، وهى المرجع الدولى فى حالة انتشار وباء كهذا، أما الكثيرون فقد أدلوا بتصريحات منقوصة وغير مسئولة وطبعا تناقلت وسائل التواصل الاجتماعى التصريحات على أنها حقائق.
***
فى الحالتين تطغى هستيريا عامة على التعاطى الرسمى والشعبى مع الموضوع، وهو موضوع مهم لا مجال للتقليل من شأنه طبعا، إنما يعيد إلى الأذهان وإلى الأفعال علاقة الفرد بالمجتمع من حوله. ففى مواجهة المجهول، يصبح من السهل زج فئات كاملة فى كرسى الاتهام، الآسيويون كمثال. كما يظهر بوضوح الاستهتار بتعليمات السلامة رغم وضوحها وسهولة تطبيقها: الإعلان عن زيارة بلد وبالتالى الخضوع لفحوصات محددة ليس ترفا إنما واجب، ليس مهينا إنما تصرف مسئول.
***
الحب فى زمن الكورونا، ممنوع التقبيل، ممنوع اللمس، لكن مسموح نبذ شعوب بأكملها بسبب ملامحها، ومسموح إخفاء إمكانية أن يحمل أحدهم المرض بسبب عدم الرغبة فى تعطيل حياته لمدة أسبوعين.
***
طبعا تنتشر بالمقابل إحصائيات من شأنها تهدئة النفوس قليلا فتظهر أن عددا ممن يموتون سنويا بسبب حوادث فى الطرق وبسبب السرطان بل وحتى بسبب أمراض أخرى تعودنا على وجودها من حولنا أكبر أضعاف المرات ممن ماتوا بسبب كورونا، لكن ذلك لا يفيد، فكورونا اسم جديد ويرتبط ببلد حوله كثير من الأساطير، من تاريخه إلى حاضره، لذا فمن الصعب فى هذه المرحلة المبكرة من اكتشاف فيروس كورونا أن تتقلص الهستيرية من حوله.
***
أغسل يدى بالماء والصابون وأحاول أن أغسل أيضا أحكاما مسبقة قد تكون فى عقلى لم أتخلص منها رغم سنوات من محاولات تهذيب الذات. الخوف من المرض ومن المجهول قد يعيد إلى الفرد غرائز دفينة لحماية من أحب. الحب فى زمن كورونا يعنى أن أخاف فعلا من الأماكن المكتظة وأتساءل عما سوف أفعله إن ارتفعت حرارة أحد أطفالى بشكل غير مفهوم. الخوف فى زمن كورونا يجعلنى أتمنى ألا أسمع عن حالة انتشار الفيروس فى مخيم للاجئين السوريين، أو وسط الحشود التى تنتظر مصيرها حاليا على حدود اليونان. لا أريد أن أفكر فى ردود أفعال العالم حين تظهر أول حالة كورونا عند طالب لجوء سورى فى مخيم فى اليونان مثلا، فها أنا أتخيل ما حدث لشخص آسيوى الملامح رأيت فيديو عن ضربه فى قطار فى بريطانيا، أتخيل ضرب السورى فى أوروبا.
***
تتداخل الأخبار ويطفو أسوأها أمامى: لاجئ سورى فقد أبناءه فى بحر ابتلعهم أثناء محاولة هجرة غير شرعية، يصل الأب المنكوب إلى جزيرة يونانية وتظهر عليه أعراض الفيروس الجديد فينهال عليه من حوله بالضرب. لا لا، لم تحدث هذه القصة إنما أتخيلها فى محاولة هى أشبه بالقص واللصق، فأنا أقص من هنا جزءا ومن هناك مقطعا وألصقهما. لا أريد أن أغرق فى تفاصيل سوداوية. لنعيد المحاولة: تصل العائلة إلى الطرف الآخر من البحر، لم تبتلعهم الأمواج. جميعهم بخير، لا أثر لأى مرض عليهم. يمضون بعض الوقت فى مخيم ثم ينتقلون إلى بلد يحتضنهم، يتعلمون لغة البلد وسرعان ما يجدون عملا يخرجهم من لائحة متلقى المساعدات.
***
هكذا، أصبح أكثر ما أطمح أن أسمعه هو عدم تعرض لاجئ للإساءة وعدم تحميله عبء المساعدات للبلد المضيف. حتى الأحلام باتت مؤطرة بواقع الحرب والتشرد والنزوح والعنصرية، حتى الحلم بعودة السورى إلى وطنه قد اختفى من عقلى الباطن. الحب فى زمن كورونا يعنى الحد الأدنى من الأحلام. ما أقسى السنوات الأخيرة وما أصعب أن يكون سقف الأمل هو عبور آمن والحد قليلا من العنصرية.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات