الوجه الاقتصادى لأزمة لبنان - رابحة سيف علام - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 5:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الوجه الاقتصادى لأزمة لبنان

نشر فى : السبت 4 يوليه 2020 - 9:15 م | آخر تحديث : السبت 4 يوليه 2020 - 9:16 م


الحقيقة أن أزمة لبنان اليوم ليست أزمة اقتصادية فقط ولكنها أيضا أزمة سياسية طاحنة، بل والأدهى أن الاقتصادى يغذى السياسى لكى تتعقد الأزمة أكثر فأكثر. ولكن العنوان العام لهذه الأزمة هو الإصرار على اجترار نفس السياسات ثم انتظار نتيجة مختلفة، ولكن النتيجة الفعلية جعلت لبنان يقف اليوم على عتبة خطر داهم لم يكن قائما من قبل حتى فى أحلك سنوات الحرب العنيفة التى استمرت قرابة الخمسة عشر عاما.
لا يمكن تحديد متى بدأت الأزمة الاقتصادية الحالية بشكل دقيق لأنها ببساطة حصاد لعدة سنوات من السياسة الاقتصادية الهشة التى تجعل لبنان شديد الاعتماد على الأموال الخارجية سواء فى صورة قروض أو استثمارات أو تحويلات العاملين بالخارج. وإذا كان السياق السياسى فى لبنان واستقرار نظامه البنكى فى مراحل سابقة قادرا على اجتذاب هذه الأموال، فإن الأمر لم يعد كذلك. فالسياسة البنكية اللبنانية التى اعتمدت على اجتذاب الودائع عبر تقديم سعر فائدة أعلى نسبيا من السعر الفعلى فقدت مصداقيتها وأثبتت إفلاسها، تماما كما أفلست استراتيجية الاقتراض المتتالى لسد أقساط الدين السابقة. شهد العام 2019 احتجاجات فئوية وطلبية متعددة قبل أن تندمج كل هذه الاحتجاجات وتثمر انتفاضة 17 أكتوبر فى تلاحم شعبى كبير على أساس مطلبى ومعيشى عابر للانتماءات الطائفية والمناطقية الضيقة. استمرت هذه الاحتجاجات لعدة أسابيع وبزخم شعبى كبير استطاع أن يجذب الجمهور اللبنانى الواسع على أساس وطنى فقط متجاهلا الانقسامات التى كانت تفرق اللبنانيين. طالبت الاحتجاجات بإقصاء ومحاسبة الطبقة السياسية التى أنتجت سياسات فاسدة على مدار عقود، فضلا عن إرساء دعائم نظام جديد ينبذ الطائفية ويقدم خدمات لائقة لكل مواطنيه على حد سواء. غير أن هذه الاحتجاجات التى أسقطت حكومة ونصبت أخرى اضطرت للتراجع عقب استفحال جائحة كورونا فى لبنان. وقاربت الحكومة الجديدة ــ التى لم تحظ برضاء الشارع ــ الأزمة بخطة اقتصادية تسعى لجذب مساعدات مالية عاجلة من الخارج ولكن دون جدوى.
***
بالنظر لطبيعة السوق اللبنانية التى تعتمد فى أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية على الواردات، يصبح الاعتماد على الدولار لا مفر منه، ولكن مع تصاعد شح الدولار فى السوق تزايد الطلب عليه فانخفضت قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار حتى فقدت أكثر من 60 % من قيمتها. كان ذلك كفيلا بحدوث خسائر متسارعة للأعمال الخاصة مما أدى بأصحاب هذه الأعمال إلى تسريح قسم كبير من العمالة. ثم عمقت جائحة كورونا من الأزمة فأدى الإغلاق الكلى الذى شهدته البلاد إلى تسارع فى وتيرة إغلاق الأعمال الخاصة وتسريح العمالة. فتقديرات الربع الأول من 2020 تشير إلى فقدان حوالى 20% من قوة العمل اللبنانية وظائفهم، بينما الأعمال التى نجت من الإغلاق اضطرت إلى تخفيض أجور العمالة ــ التى استمرت فى العمل ــ بمقدار يقارب 30% من أصل الأجر. ومن ثم سقط تحت خط الفقر نحو 50% من اللبنانيين بدلا من 30% فقط قبل أشهر قليلة، فى مقابل ذلك حاولت البنوك ترشيد استخدام الكمية المحدودة أصلا التى تملكها من الدولار فوضعت قيودا على سحب المودعين لمدخراتهم الخاصة بواقع 100 دولار فقط أسبوعيا مع ضرورة تقديم ما يثبت الاحتياج للنقد الأجنبى لمنع المزيد من المضاربة فى السوق السوداء. أدى شـُح الدولار وارتفاع سعره إلى ارتفاع مماثل فى أسعار المواد الغذائية وصولا إلى اختفائها من الأسواق، لعجز الموردين عن ضخ هذه المواد فى السوق بسبب عدم امتلاكهم للنقد الأجنبى الكافى لاستيرادها، الأمر الذى أنتج أزمات متتالية فى توفير المواد الضرورية وعلى رأسها الخبز والدواء.
***
ومن ثم فكان منطقيا أن تعلن الحكومة فى مارس الماضى عن امتناع لبنان عن تسديد القسط المستحق آنذاك من ديونه الخارجية والمقدر بحوالى 1.2 مليار من أصل إجمالى 31 مليار دولار. كما طلبت الاقتراض من صندوق النقد الدولى من أجل إنقاذ اقتصاده والشروع فى سياسة إصلاح اقتصادى تغير من جوهر المشكلة. وجوهر المشكلة تكمن فى هيكل الاقتصاد القائم الذى يميل بشكل ملحوظ للقطاع الخدمى ــ شديد الهشاشة والتأثر بالتقلبات الخارجية ــ بدلا من القطاع المنتج الذى كان من المفترض أن يوفر الاحتياجات الأساسية للمواطنين فى أزمة كالذى يعيشها لبنان اليوم. إلى جانب ذلك يعانى الجهاز الإدارى للدولة من ترهل وعدم كفاءة لاعتماده على التعيين وفق حصص طائفية ويعمل فى بيئة من انعدام للشفافية وللرقابة بما يسهل من عمليات الهدر والاختلاس من المال العام. وبالتالى تصبح أية أموال جديدة تدخل ضمن المعادلة الحالية للهيكل الإدارى اللبنانى محكوم عليها مسبقا بالهدر والتبديد والاختلاس بدلا من توجيهها بشكل منضبط لتقديم خدمات لائقة للمواطنين.
وإلى جانب الإفلاس المالى، كان الإفلاس السياسى عنوانا للحل لدى القائمين على السلطة، فبدلا من إحداث تغيير جوهرى يضع حدا للسياسات التى أهدرت المال العام وأفقرت البلاد، تم التنازع بين الفرقاء حول المسئولية عن الأزمة فرفض طرف محاولات الإنقاذ الدولية بحجة أنها مخترقة من الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما رأى طرف آخر أنه لا حل اقتصاديا حقيقيا دون فك الارتباط مع محور إيران فى المنطقة. بينما تناسى الطرفان مطالب الشارع بمحاسبة الفاسدين وإطلاق يد القضاء فى التحقيق فى وقائع الفساد والهدر وتجميد أرصدة المتورطين فيها، أو على الأقل وضع قوانين شفافة تمنع تكرار هذه الوقائع مرة أخرى. بينما لم يحظ اللقاء الوطنى الذى عقد على عجل منذ أيام برعاية الرئيس عون بأى مصداقية فى ظل مقاطعته من جانب رؤساء الحكومات السابقة، فبدا وكأنه لقاء من لون واحد وليس لقاء وطنيا شاملا.

باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

رابحة سيف علام باحثة بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
التعليقات