أنجلينا جولى فى العريش.. رسالة سياسية - خالد محمود - بوابة الشروق
الأحد 11 يناير 2026 2:19 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

أنجلينا جولى فى العريش.. رسالة سياسية

نشر فى : الإثنين 5 يناير 2026 - 9:00 م | آخر تحديث : الإثنين 5 يناير 2026 - 9:00 م

لم تكن زيارة النجمة العالمية أنجلينا جولى إلى مدينة العريش حدثًا فنيًا عابرًا، ولا محطة علاقات عامة فى مسار نجمة هوليودية لامعة، بل جاءت كفعل إنسانى وسياسى عميق الدلالة.


حملت فى جوهرها أبعادًا سياسية واضحة، عميقة الدلالة تتجاوز فكرة «التضامن» إلى ما يمكن اعتباره شهادة دولية غير رسمية على ما يجرى فى المنطقة، وعلى الدور الذى تقوم به مصر فى لحظة إقليمية وإنسانية بالغة التعقيد.


أن تختار شخصية بحجم أنجلينا جولى ــ المبعوثة السابقة للمفوضية السامية لشئون اللاجئين، وأحد أكثر الوجوه تأثيرًا فى الرأى العام الغربى ــ أن تكون العريش محطتها، فذلك اختيار سياسى بامتياز. فالعريش ليست مجرد مدينة حدودية، بل نقطة تماس مباشرة مع أزمة إنسانية تحولت إلى اختبار أخلاقى للمجتمع الدولى. فى لحظة شديدة الحساسية.


زيارة جولى إلى العريش تُقرأ فى سياق دولى يتسم بازدواجية المعايير، حيث تتراجع القيم الإنسانية أمام الحسابات السياسية. وجودها هناك يضع الكاميرا العالمية فى موقع لا يمكن تجاهله، ويعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا تُترك المآسى الإنسانية رهينة التوازنات السياسية؟


العريش، التى أصبحت مركزًا لوجستيًا للمساعدات الإنسانية، تمثل فى هذا المشهد الدور المصرى العملى فى التعامل مع الأزمة، بعيدًا عن الشعارات أو الاستعراض الإعلامى. وهو ما تمنحه زيارة جولى شرعية رمزية أمام الرأى العام العالمى.


قيمة الزيارة تكمن فى أن أنجلينا جولى لا تتحدث بلغة السياسيين، بل بلغة «الشاهد». زيارة تختصر معنى أن تتحول الشهرة إلى مسئولية.. وجودها فى العريش يحوّل الصورة إلى وثيقة، والمشهد إلى رسالة ضغط أخلاقى على العواصم الكبرى التى تكتفى بالبيانات.


فالسياسة هنا لا تُمارس عبر التصريحات، بل عبر الاختيار: اختيار المكان، والتوقيت، والظهور الصامت الذى يقول أكثر مما تقوله الخطب.


تعكس الزيارة حقيقة مهمة فى المشهد الإقليمى، وهى أن مصر اختارت موقع الفعل الإنسانى بعيدًا عن الضجيج فى وقت اختار فيه كثيرون موقع المراقبة. عبر فتح المعابر، وقنوات الدعم والمساعدات، وتحمل أعباء إنسانية وأمنية ثقيلة فى آنٍ واحد، كلها وقائع على الأرض، لا تحتاج إلى ترويج بقدر ما تحتاج إلى شهود.


ومن هنا، تكتسب زيارة جولى وزنها السياسى والانسانى؛ فهى لا تمنح مصر «دعمًا لفظيا»، بل تقدم صورة موثقة لدور قائم بالفعل.. وشهادة دولية غير رسمية لكنها بالغة التأثير.


الأثر الأهم للزيارة يتجه نحو الداخل الغربى نفسه. فأنجلينا جولى تخاطب جمهورًا اعتاد تلقى الرواية الرسمية عبر شاشات بعيدة. وجودها فى العريش يعيد صياغة السردية، ويكشف فجوة بين الخطاب السياسى الغربى، والواقع الإنسانى على الأرض. بهذا المعنى، تصبح الزيارة جزءًا من معركة الوعى، لا مجرد حدث بروتوكولى.


لن تغيّر الزيارة موازين القوى، لكنها تُربك السرديات الجاهزة، وتعيد ترتيب الأسئلة. وفى السياسة، أحيانًا يكون تغيير السؤال أهم من تقديم الإجابة.


فى المحصلة، تمثل زيارة أنجلينا جولى للعريش موقفا سياسيا مقنعا بالإنسانية، ورسالة واضحة بأن الصمت الدولى لم يعد مقبولًا، وأن هناك من اختار أن يرى، وأن يشهد، وأن يضع العالم أمام مسئولياته.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات