تاريخ مصر.. نابليون فى الطريق إلى مصر! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أكتوبر 2020 1:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

تاريخ مصر.. نابليون فى الطريق إلى مصر!

نشر فى : السبت 5 سبتمبر 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : السبت 5 سبتمبر 2020 - 8:15 م

كما أوضحت فى مقالة الأسبوع الماضى، فإن مصر عشية وصول الحملة الفرنسية إليها بقيادة نابليون بونابرت كانت دولة مفككة وضحية للصراعات المستمرة بين المماليك والعثمانيين من ناحية، وبين المماليك وبعضهم البعض من ناحية أخرى، لكن وقبل الحديث عن تفاصيل الحملة الفرنسية على مصر، فلابد أولا من أن نسأل لماذا قرر الفرنسيون غزو مصر؟

الإجابة عن هذا السؤال نجدها فى كتاب «تاريخ مصر.. من محمد على إلى العصر الحديث» (مرجع سبق ذكره)، حيث يسرد الكاتب محمد صبرى أهم هذه الأسباب فى الصراع المتصاعد بين فرنسا من ناحية، وبين إنجلترا وإيطاليا والنمسا وروسيا من ناحية أخرى، وبينما تمكن الفرنسيون من إخضاع النمسا وإيطاليا، فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة لإنجلترا حيث تمكنت الأخيرة من تدشين أسطول تجارى عظيم من لندن إلى الهند حافظ لها على التفوق المالى والعسكرى والسياسى فى أوروبا، ومن هنا كانت رغبة نابليون فى احتلال مصر من أجل إفساد طرق التجارة الإنجليزية إلى آسيا والسيطرة على البحرين الأحمر والمتوسط!
ورغم ذلك، فإن نابليون لم يكن أول قائد فرنسى يفكر فى غزو مصر، فقبله، فكرت فرنسا ثلاث مرات فى إرسال حملات عسكرية إلى مصر وتراجعت لأسباب مختلفة، فعالم الرياضيات والفلسفة الطبيعية وأحد رموز عصر التنوير فى أوروبا الألمانى «جوتفيرد وليام ليبنيتز» قام بزيارة غير معلنة إلى فرنسا عام 1672 من أجل التباحث مع حكومتها حول سبل إعادة الوحدة الدينية والسلام إلى أوروبا وخاصة بعد الحروب الدينية التى استمرت لأكثر من ثلاثة عقود بين الكاثوليك والبروتستانت، وفى أثناء تواجده هناك، فقد راسل الملك لويس الرابع عشر والذى كان يحارب الهولنديين فى ذلك الوقت قائلا:
«إذا كان مولاى يريد القضاء على جمهورية هولندا فأحسن وسيلة لذلك هى ضرب هذه الأمة فى مصر هناك حيث يوجد طريق الهند، وحيث يمكن تحويل التجارة الهولندية إلى طريق مصر». (الاقتباس من كتاب نابليون بونابرت فى مصر من تأليف أحمد حافظ عوض وقد صدر عام 1925، حيث اطلعت على نسخته التى أعادت دار نشر هنداوى نشرها فى نسخة إلكترونية عام 2012 فى ص. 71».
ورغم عدم استجابة لويس الرابع عشر للفكرة، فقد تجددت فكرة احتلال مصر مرة أخرى وهذه المرة فى حكم لويس السادس عشر قبل اندلاع الثورة الفرنسية بسنوات قليلة، حيث قال وزير البحرية الفرنسى دى سارتين فى اجتماع مجلس الوزراء:
«إن احتلال مصر هو الطريقة الوحيدة لحفظ تجارتنا فى البحر الأبيض، ومتى توطدت قدمنا فى مصر صرنا أصحاب السيادة على البحر الأحمر، وصرنا نستطيع أن نهاجم إنجلترا فى الهند، أو ننشئ فى تلك الأصقاع متاجر ننافس بها الإنجليز». (المرجع السابق نفس الصفحة).
لكن هذه المرة فعل لويس السادس عشر الاقتراح وقام بإرسال البارون دى توت إلى مصر والشام بدعوى أنه قادم لعمل أبحاث فلكية وعلمية، ولكن كانت مهمته الحقيقية هى رسم خرائط شاملة ودقيقة لسواحل مصر وسوريا وجزر اليونان، كما قام بدراسة متعمقة للساحل المصرى بين الإسكندرية وأبو قير لمعرفة النقطة الأصلح لإنزال الجنود الفرنسيين إلى البر، اصطحب دى توت معه ضابط من البحرية الفرنسية لدراسة عمق السواحل ومعرفة صلاحية سير السفن بها، ثم لاحقا قامت هذه البعثة المتنكرة برسم خريطة للقاهرة والسويس، هذا فى الوقت الذى شهدت مصر صراعات حادة بين المماليك!
***
رغم رفع الخرائط الدقيقة للويس السادس عشر عن السواحل المصرية فإن الأخير لم يرسل الحملة، إلى أن قام سفير فرنسا فى الأستانة فى 1781 بإرسال خطاب إلى حكومته يحثها على غزو مصر معللا وجهة نظره بأن الحرب العثمانية الروسية توشك على الانتهاء لصالح الروس، ومن ثم على فرنسا استغلال قرب سقوط الدولة العثمانية والاستحواذ على مصر، وقد أشفع طلبه بتقدير لقوة المماليك فى مصر المتأخرة عسكريا فلا يوجد حصون ولا مدافع وقدر الجيش المملوكى بستة آلاف جندى فقط، مما دفع الحكومة الفرنسية بالفعل إلى تجهيز جيش قوامه 28 ألف جندى لهذه المهمة، وتواصلت الحكومة الفرنسية آنذاك من خلال الجالية الفرنسية فى مصر مع عدد من الأقباط الذين كانوا يديرون أملاك المماليك من أجل استطلاع الأحوال ومدى استعداد المماليك لمواجهة الحملة المحتملة، لكن قيام الثورة الفرنسية ومن قبلها حرب التحرير الأمريكية عطل الحملة التى كانت على وشك الانطلاق إلى مصر!
وفى هذه الأثناء فإن أحد السياح الفرنسيين والذين يعتقد أنهم كانوا من الرسل السريين لفرنسا فى مصر استعدادا للحملة التى كانت وشيكة وقتها قام بإرسال رسالة إلى الحكومة الفرنسية متغنيا بثروات مصر غير المستغلة قائلا:
«لو أن فى مصر حكومة عادلة وتوجهت نية هذا الشعب المصرى الذكى إلى خدمة أرض مصر الخصبة، فأى جوخ ينسج من صوف أغنام مصر الجميل، وأى قماش يعمل من كتانها الناعم، وأى أقمشة تصنع من قطنها بنوعيه، وأى حرير ينسج من نتاج دود القز الذى ينمو فى بلد كهذا، صاف لا مطر فيه ولا غمام؟ وأى خير لا يجنى إذا حفرت الترع، وأقيمت الجسور لجعل الأرض صالحة للزراعة، وهى التى دفنت ثلثها الرمال؟ وأى نجاح لا يناله الإنسان إذا بحث عن مناجم الزمرد الذى قال أنه يوجد فى تربة هذه البلاد». (المرجع السابق ص. 72)

***
بعد الثورة الفرنسية سطع نجم نابليون بونابرت وأعاد للمرة الرابعة فى القرن الثامن عشر التفكير الفرنسى فى غزو مصر وبدا عازما جديا هذه المرة من أجل منافسة الإنجليز كما كان الهدف دوما. جهز نابليون جيشا كبيرا للحملة على مصر، كان عتاد الجيش 32 ألف جندى، و680 من الخيل، و13 بارجة و7 فرقاطات و6 سفن و106 نقالات، ومر عبر رحلته إلى مصر بخمس موانئ وهى طولون ومرسيليا وكورسيكا وجنوا وسفاتافيتشا، لكن الملاحظة الأهم أن نابليون قد اصطحب بعثة علمية استكشافية معه فى هذه الحملة تتكون من أشهر العلماء الفرنسيين فى كل فرع من فروع العلم، فقد اصطحب معه 4 من علماء الرياضيات، وثلاثة أكاديميين، ومهندس للكبارى والقناطر واثنين من علماء الفلك واثنين من علماء الطبيعة والنباتات واثنين من المتخصصين فى علم الكمياء، هذا بالإضافة إلى عدد آخر من الرسامين والموسيقيين، والشعراء وعلماء فن المعمار. إلخ!
إن كان من المفهوم أن يصطحب نابليون جيشا جرارا مدربا لغزو مصر، فلماذا يصطحب هذا العدد الكبير من نخبة العلماء الفرنسيين فى معظم مجالات العلم تقريبا؟ وماذا عساه أن يفعل بهم؟
الإجابة عن هذا السؤال هامة ومحورية لأنها تفسر السبب الأهم فى تفوق الغرب على الدولة العثمانية والإمبراطورية الصينية والهندية.. إلخ هذه الإجابة لا تجدها بسلاسة فى المراجع العربية والتى عادة ما تركز على مداخل أخلاقية أو وطنية أو حضارية فى تناول الغزو الأوروبى وهزيمته لإمبراطوريات الشرق، لكن الإجابة نجدها عند المؤرخ يوفال نوح حرارى، فى كتابه ذائع الصيت «العاقل.. تاريخ مختصر للجنس البشرى» والصادر بالإنجليزية عن دار نشر هاربر كولنز بالولايات المتحدة عام 2015، حيث يرى يوفال أنه بينما تكون الإجابة المباشرة عن سبب تفوق العالم الغربى عن العالم الشرقى والإسلامى هو فى الثورة الصناعية والثورة العلمية وعصر التنوير الذى دفع الغرب للأمام، إلا أن هناك تفصيلة لا يجب أن تفوتنا عند محاولة الإجابة على هذا السؤال، ألا وهى «الاعتراف بالجهل»!
***
يرى يوفال أن الغرب تفوق على الشرق لأنه بينما كان الأخير لا يهتم بالعلم ولا بالمعرفة متصورا احتكار الحقيقة الكاملة من نصوصه المقدسة أو تراثه الفلسفى، فإن الأوربيين من أهم أسباب نهضتهم هو اعترافهم بالجهل! فالشرق والغرب اعتمد الغزو كوسيلة للتوسع، هذا صحيح بالنسبة للإمبراطورية الرومانية والساسانية «الفارسية» كما أنه صحيح بالنسبة للإمبراطوريات الصينية والعثمانية وكذلك الدولة الفرنسية والإنجليزية، لكن الفرق هو أن غزوات الشرق كانت قليلا ما تبحث عن العلم وكثيرا ما تبحث عن المغانم المادية المباشرة، إلا أن الأوربيين بحثوا عن الاثنين معا فلم يكتفوا بالغزو والسيطرة على الموارد، ولكن كان لديهم شغف الاستكشاف والمعرفة، ومن هنا فقد صاحبت معظم الحملات الأوروبية إلى الشرق والغرب علماء بجانب الجنود، كان الجندى يقاتل، والعالم يستكشف ويبحث من أجل المعرفة، وقد كانت هذه الحملات العلمية فى معظمها ممولة من الحكومات الأوروبية، فعل ذلك الإنجليز والإسبان والبرتغاليون والهولنديون كما فعله الفرنسيون كما فى الحالة المصرية، وفى ذلك عبرة تاريخية لا يمكن إغفالها وهو ما أستكمل الحديث عنه الأسبوع القادم.

أستاذ مساعد زائر للعلاقات الدولية بجامعة دنفر.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر