سور برلين و أنا - الهروب داخل أسوار الحرية (١) - حسام السكرى - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 11:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

سور برلين و أنا - الهروب داخل أسوار الحرية (١)

نشر فى : السبت 5 أكتوبر 2019 - 8:40 م | آخر تحديث : السبت 5 أكتوبر 2019 - 8:40 م

بنظرة متجهمة طلب الضابط باسبوري. أخرجت الدفتر الأخضر الصغير وفتحته على صفحة مزينة بختم الإقامة في ألمانيا الغربية. جذبه بفظاظة وأخذ يفحصه. تأملت الطابور الطويل الذي أقف فيه داخل محطة مترو فريدريش شتراسه الضخمة. صفوف من البشر بعضهم أجانب وبعضهم ألمان. كل في طابوره. لم يسمح لصديقتي مشتلد بالوقوف معي فذهبت لطابور آخر مخصص للألمان.

تأملت وجه الضابط البدين المشرب بالحمرة وتساءلت في ذهني عن سبب اختياره لي بين مئات الواقفين. كان جوازي سيفحص لاحقا على أي حال عندما أدخل تلك الغرفة الضيقة وأسلمه لضابط آخر قد لا يقل جهامة وفظاظة فلماذا العجلة؟

تلك كانت ألمانيا أخرى احتفل العالم بذكرى اختفائها من الوجود منذ أيام. تحديدا في الثاني من أكتوبر عام 1990 الذي صار عيدا للوحدة الألمانية. وحدة كانت من الناحية التقنية والعملية إلحاقا للشطر الشرقي من البلد بشطره الغربي وليس تأسيسا لدولة جديدة. ولكن دعنا لا نستبق الأحداث.

نحن في لحظة شخصية متوترة من صيف عام 1989. مشتلد في انتظاري والضابط يتفحص الجواز بعناية وحذر مقربا وجهه من صفحاته. يغلقه بحده ويناولني إياه كما لو كان يلقيه في وجهي.
يصرخ: غاوس.
كلمة مختصرة لا تعني أكثر من "أخرج" أو "خارجا". لكنها فجة ولها وقع "إطلع بره يا..".

أسقط في يدي. أردت أن أخبر مشتلد في طابورها بما حدث لنعود أدراجنا ونقضي عطلة نهاية الأسبوع في الغرب. طابورها كان بعيدا. هممت بشرح المشكلة للضابط فازداد وجهه احتقانا. قاطعني وأشار بإصبعه إشارة حاسمة وعنيفة ومهددة صارخا بصوت أعلى: غاوس.

لو اعترضت ثانية ربما ينتهي بي الحل في سجن ما خلف الستار الحديدي ولن يسمع بي أحد. القمع هنا ليس هينا ومن غير المستبعد أن أتحول ببساطة إلى جاسوس غربي يحاول التسلل بنية تقويض الاشتراكية.

يعتقد كثيرون خطأ أن برلين كانت تقع على خط حدود رسمه الحلفاء لتقسيم ألمانيا بينهم عقب هزيمة الزعيم النازي هتلر وانتحاره وتدمير بلده، فشق المدينة بدورها شطرين.

حقيقة الأمر أن ألمانيا قسمت مرتين: قسمت الدولة فوقعت العاصمة بكاملها داخل الشطر الشرقي الذي استحوذ عليه الاتحاد السوفييتي، على بعد مئة كيلو متر من خط الحدود الجديد. لم يكتف باقي الحلفاء بهذا وأراد كل نصيبه من العاصمة ذاتها فاقتطع منها ثلاثة أقسام لكل من أمريكا وفرنسا وانجلترا، وبقى قسم منها تابعا لألمانيا الشرقية واستمر عاصمتها تحت نفوذ السوفييت. استمرت برلين عاصمة لألمانيا الشرقية. وأصبحت بون عاصمة لألمانيا الغربية.

نقاط العبور بين قسمي المدينة كانت متعددة. أشهرها كان معبر تشكبوينت تشارلي الذي أقام الغربيون في ناحيتهم على مقربة منه متحفا يحكي قصة بناء السور ويخلد قصص ضحايا الهروب والناجحين فيه. المسألة غرائبية عندما تتذكر أن البعض دفع حياته لأنه أراد الهرب دخل مدينة محاصرة بسور منيع وليس منها. كانت الحرية دخل السور أما السجن فكان خارجه!

خصص تشكبوينت تشارلي للأجانب والسياح. استخدمته كثيرا في السابق ولأن عبور مشتلد منه لم يكن ممكنا توجهنا لفريدريش شتراسه الذي كان متاحا للجميع.

خرجت من الطابور وفي ذهني علامات استفهام كثيرة: لماذا منعت؟ هل وضع ضابط علامة على جوازي في آخر زيارة؟ هل أمنع من الدخول للأبد؟ ماذا لو جازفت بمحاولة العبور مجددا اليوم؟ هل يقبض علي؟

حسمت الأمر وقررت تكرار المحاولة بصرف النظر عن النتائج، فأخذت طريقي نحو تشكبويينت تشارلي..

(يتبع)

التعليقات