قبل أيام ذهبتُ إلى الشاطئ للسباحة. كانت الراية حمراء، لكننى وجدتُ عدة شباب يسبحون دون أن يمنعهم حراس الشاطئ، فقررتُ أن أنضم إليهم. قلتُ فى نفسى: لو كان فى السباحة خطورة حقيقية، لما تركهم الحراس يسبحون. وحفزنى اعتياد السباحة فى طقس متقلب، وبدت متعة مشاركة الشباب فى تحدى الأمواج العالية أمرًا مثيرًا لكهل مثلى. ألقيتُ بنفسى فى الماء، وبدأتُ أستمتع بهوايتى المحببة.
• • •
بعد فترة، وجدتُ حراس الشاطئ يصرخون علينا، ويطلبون منا الخروج من الماء. نظرتُ حولى فوجدتُ شابًا يصارع البحر، وعلى وجهه نظرة خوف. حاولتُ الاقتراب منه لمساعدته، فوجدتُ نفسى أعود إلى الخلف بدلًا من أن أتقدم إلى الأمام. حاولتُ التقدم بقوة أكبر، والسباحة بأقصى جهدى، فلم أتزحزح من مكانى. ثم جاءت موجة ضربتنى على رأسى، وتسببت فى فتح فمى، فابتلعتُ بعض الماء المالح.
• • •
فى هذه اللحظة بدأ الخوف يتسرب إلى نفسى. لم يكن ارتفاع الموج أو ابتلاع الماء المالح جديدًا علىّ، فهذا أمر عادى يحدث أحدهما لى يوميًا تقريبًا. لكن صراخ المنقذين، وشعورى بأن الموج أقوى منى، جعلانى أتوقع شرًا مقبلًا. حاولتُ مرة أخرى بكل عزيمتى التغلب على التيار، والرجوع إلى الشاطئ، لكن المحاولة باءت بالفشل، وشعرتُ ببعض الوهن.
• • •
كنتُ بين اختيارين: أن أتوقف عن محاربة التيار، وأطفو فوق الماء، أو أن أصرخ طلبًا للنجدة. لكننى غيرتُ رأيى حين وجدتُ أن الشاب الذى كان إلى جوارى تمكن من الوصول إلى الأرض، وأنه يقف الآن على قدميه، وبدأ فى حثى على الخروج. كان وصوله إلى اليابسة حافزًا لإعادة محاولة التغلب على تيار الماء، وبالفعل ضربتُ الماء بكل قوتى حتى ظننتُ أن قلبى يكاد يقف من الجهد. وحين اقتربتُ من الشاطئ، وضعتُ قدمى على الأرض لعلنى أجد اليابسة، فلم أجد شيئًا، فقفزتُ فوق الماء كأننى أفر من الموت. وحين وضعتُ قدمى مرة أخرى فى الماء، كانت اليابسة هى بشارة الحياة.
• • •
بعد أن استعدتُ حياتى، بدا ما جرى غير مفهوم. نعم، كان الموج مرتفعًا، لكننى سبحتُ فى موج أعلى دون أية معاناة، فما الذى جرى؟ هل شختُ فجأة؟ ولماذا كان الشاب إلى جوارى يعانى المعاناة نفسها؟ وحين عدتُ إلى منزلي، بحثتُ عن تفسير ما جرى، فكتبتُ اسم الشاطئ الذى كنتُ أسبح فيه، وما جرى لي، فظهر أمامى مباشرة تفسيرٌ علمى لما حدث، هو التيار الساحب.
• • •
التيار الساحب ظاهرة طبيعية، تحدث فى بعض الشواطئ التى لا توجد فيها مصدات أمواج طبيعية أو صناعية. يتكون التيار الساحب عندما تندفع الأمواج المتكسرة إلى الشاطئ، وتصنع مسارات ضيقة يندفع منها الماء عائدًا إلى البحر بسرعة تزيد على 2.5 متر فى الثانية، بما يفوق متوسط سرعة السباحين الأولمبيين البالغة 2.48 متر فى الثانية. وحين يتصادف وجود شخص فى مواجهة هذا التيار، فإنه يسحبه معه نحو البحر بقوة. وحين يحاول الشخص العودة إلى الشاطئ، يعيد التيار سحبه إلى البحر، وينتج عن ذلك وفيات كثيرة كل عام. ولتوضيح خطورة التيارات الساحبة، يكفى أن نذكر أنها تتسبب فى نحو 80% من حالات الغرق فى الساحل الشمالى المصرى.
• • •
دروس التيار الساحب
لم تكن هذه هى المرة الأولى التى أقف فيها أمام الموت وجهًا لوجه، ولا الأولى التى أتعرض فيها للغرق. فقبل نحو 35 عامًا، كنتُ أقرب إلى السيد ذى المنجل فى مياه شاطئ آخر من شواطئ المحروسة. فبسبب دوامة بحرية ماكرة، وجدتُ نفسى أهبط إلى العمق وأبتلع الماء. ولأن الأعمار مكتوبة، فقد امتدت يد القدر، وانتشلنى صديق عزيز من الدوامة، وكُتب لى عمر جديد.
• • •
لا يمكن لمواجهة الموت إلا أن تحفز على التأمل، فربما يكون الموت أكبر معلم فى حياة الإنسان. وكلما كانت التجربة عاصفة، تهيأ المرء لاستخلاص مزيد من الدروس والعبر. ودروس تجربتى مع التيار الساحب هى، بالأساس، حافزى على كتابة هذا المقال.
• • •
أول الدروس الساطعة أن المعرفة نجاة. هذه العبارة ليست مجرد ألفاظ جميلة، بل حقيقة تتجلى فى جميع مناحى الحياة. فلو أننى تصفحتُ مخاطر السباحة فى الشاطئ الذى ذهبتُ إليه لأول مرة، لعرفتُ فورًا أن التيارات الساحبة شائعة فيه. ولو أننى عرفتُ كيف يتعامل السباح مع هذه التيارات بأمان، لما وجدتُ أية مشكلة فى السباحة فيها. فالتخلص من خطر التيار الساحب سهل وبسيط، ولا يتطلب أكثر من التوقف عن السعى للوصول إلى الشاطئ، والسباحة بموازاة الشاطئ إلى يمين التيار الساحب أو يساره، باتجاه الأماكن التى يتدفق فيها الموج. وهناك ستحمل الأمواج السباح إلى الشاطئ دون مجهود يُذكر. فالمجرى الذى يتدفق فيه التيار الساحب يكون عادةً صغيرًا، لا يتجاوز 30 مترًا فى أغلب الأحوال.
• • •
علاوة على ذلك، فإن المعرفة تمكننا من ملاحظة علامات الخطر وتجنبه. وللتيار الساحب علامات واضحة؛ فهو يوجد فى الأماكن التى يكون الموج فيها أكثر هدوءًا، ويكون الماء أزرق داكنًا، وممتلئًا بالشوائب والرواسب. هذه العلامات لا تخطئها العين لمن يعرف دلالتها. وقد تكون معرفة مثل هذه المعلومات مسألة حياة أو موت فى بعض الأحيان.
• • •
الدرس الثانى من دروس التيار الساحب هو ضرورة الالتزام بتعليمات الأمان. فالمرء يتعرض لخطر حقيقى حين يتجاهلها. لقد رأيتُ الراية الحمراء على الشاطئ، ولو أننى التزمتُ بتعليمات الأمان لتجنبتُ التجربة الصعبة، وما كان يمكن - لا قدر الله - أن يترتب عليها. إن مخالفة تعليمات الأمان تهور حقيقى، قد تكون عواقبه مأساوية فى كثير من الأحيان. ومهما كانت مغريات انتهاك هذه التعليمات، فإن المصلحة الشخصية للمرء تفرض عليه الالتزام بها، حتى لو لم يلتزم بها أحد سواه. لقد أخطأتُ حين جاريتُ الشباب فى مخالفتهم لإجراءات الأمان، ومن حسن حظنا جميعًا أننا نجونا من مأساة لم يكن لها داعٍ على الإطلاق.