مَقَام - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الإثنين 18 أكتوبر 2021 4:37 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

مَقَام

نشر فى : الجمعة 7 يونيو 2019 - 10:50 م | آخر تحديث : الجمعة 7 يونيو 2019 - 10:50 م

في حيواتنا مقامٌ ومقاماتٌ، بعضُها مَعنويّ الدلالة والبعض الآخر ماديّ الوجود. للموسيقى على سبيل المثال مَقامات مَعلومة؛ تتسلسل النغماتُ فيها، وتتراتب واحدة تلو الأخرى؛ فتعطي طابعًا مُميزًا للألحان المُشتقَّة منها. ثمَّة مقاماتٌ شرقية مَألوفة، كالصبا والحجاز والرست والنهاوند، يقابلها غربًا مُصطَلح السلالم الموسيقية بتنوعاتها وأنظمتها. عرفنا مِن فطاحل الغناء العربيّ مَن صالوا بين المقامات وجالوا، ومَن خرجوا عنها تمكنًا واقتدارًا، ثم عادوا وناوشوها بأصواتهم صعودًا وهبوطًا؛ فأطربوا المنصتين وانتزعوا الآهات، ولم تجد الآذانُ الخبيرةُ في فعيلهم شذوذًا أو نشوزًا. يطول الحديثُ عن المَقامات الموسيقية وأصولها ومنابعها؛ وذاك مما تُفرد له مُجلدات لا سطور.

***

يُشار بالمَقام في بعض الأحيان إلى بناءٍ، يُشيّده الناسُ لشخصٍ عدّوه مِن الصالحين الواصلين، وسعوا لتخليده ما بعد الوفاة؛ رجلًا كان أو امرأة. يقصد المَكروبون المَقام أو الضريح مُتضرعين، يسألون ما حُرِموا، ويطلبون ما عجزوا عن نيلِه، ويُقسمون أيضًا به: ومَقام سيدنا الحسين، ومَقام سيدي فلان أو علان؛ وما له مِن صيتٍ وحظوةٍ ونفاذ. القَسَمُ بالمقامات والأضرحة مَوروثٌ شعبيّ؛ له مكانته عند كثيرين، وأحيانًا ما يُذكَر صاحب الكرامة باسمه دون لقب أو تقديم فيقال: والمُرسي أبو العبّاس، وقد يحدث العكس. غنّى فهد بلان مِن كلمات صلاح جاهين وألحان فريد الأطرش "ما اقدرش على كده، ومقام السيدة"، ولم يسأل أحد مَن هي السيدة التي عناها؛ إذ هي علمٌ لا يحتاج إلى إفصاح.
***
يحتلُّ المَقامُ جزءًا مِن الدعوات التي غالبًا ما يتلفظ بها فقيرٌ لمَن مَنَّ عليه، أو صاحبُ حاجةٍ لمَن قضاها له، كلا المُحسنان في مَوقِع أعلى، وبصنيعهما تأتي الدعوةُ المألوفةُ: ربنا يعلي مقامك.

***
الناسُ مَقامات؛ إقرار باللا مُساواة، وواقع مَفروض، لا يجوز في عرف المؤمنين به شجبه أو السعي إلى تغييره. إذا وقع اثنان في حال العشق، وظهرت بينهما مسافات اجتماعية واقتصادية مَلحوظة، قيل إن أحدَهما ليس مِن مَقام الآخر ولا مِن ثَوبه، وإن اختلافَ الطبقاتِ التي ينتميان إليها، والبيئاتِ التي شبّا فيها، والثقافاتِ التي تربَّيا عليها؛ تقفُ عائقًا في طريق ارتباطهما. أحيانًا ما تكون للكلام وجاهته عند التطبيق، لكن الأعرافَ التي تُقرها المُجتمعات المُحافظة وتأبى التنازُل عنها، لا تهتم بجوهرِ الأمور بل بظاهرِها، تتحدث عن الفوارقِ التي لا يَصِحُّ التغاضي عنها وجاهةً وكبرياءً، وتتجاهل المُشتركاتَ التي يجدر توافرها.

***
يصنع المُجتمع هالةً مِن القُدسية حول مَكانات أفراده، ويُضفي عليها شرعيةً زائفةً يبثُّها أمثاله ومأثوراته؛ لتجد رغم ما تحملُ عادةً مِن إهانة، مكانًا على الألسنة ومساحةً في الصدور. يكرر الناس في غير مناسبة: "العين لا تعلو على الحاجب"، والمَجازُ خبيثٌ، يجعل مِن تفاوتِ المَقاماتِ والطبقاتِ وضعًا خلقيًا، أصيلًا، مستحيل التغيير، وما أكثر ما تُرى تطبيقاته في سياساتٍ عقيمة؛ تفصلُ بين الناسِ في مستويات، وتحجبُ بدعوى اللياقة والأصول، بعضَهم عن أعيُن الآخرين؛ وراءَ قِلاع الرفاهةِ، وأسوارِ البذخِ اللا مَعقول.

***
إذا حدث مَوقِفٌ اهتزَّت فيه الحدود، وتضَرَّر الكبرياءُ، ومُسَّت الهَيبةُ بما يسوء؛ جاءت صيغةُ الطمأنةِ تهدّئ النفوس: "مقامك محفوظ"، وإذا صدر قولٌ في غيرِ مَحلّه، وجاء مُستغربًا، مُستهجنًا مِن السامعين؛ قيل بغرضِ التحذير والتنبيه، وأحيانًا بهدفِ تعديل المسار: "لكُلّ مَقام مَقال".

***

الـمقامُ في الصوفيةِ درجةٌ؛ يصلُ المُريد إليها خلال رحلةِ بَحثِه؛ والمَراتبُ المَعلومةُ والدرجاتُ هي: التوبة، الورع، الزهد، الفقر، الصبر والتوكل، ثم الرضاء، فيها يرتقي الإنسانُ ويصعد، إلى أن يصل لحال التوحد بالذات الإلهية والفناء فيها؛ مرتبة عليا ومقام لا يحوزه إلا قليلون.

***
في مَعاجِم اللغةِ العربيةِ أن المَقامَ هو مَوضِع القدمين؛ وإذا قيل لا مقَامَ لكم؛ فالمقصود ألا مَوضِع لكم، ويُشار بالمقامِ عَلَمًا؛ إلى الحجر الذي قامَ عليه ابراهيم، حين رفعَ بناءَ البيت. أقامَ الشيء بمعنى أَدامَه، أما اسْتقامَ فتعني اعْتدَل واستوى، وقَوام الرجل هو قامته وحُسْنُ طُول، وإذا خطب رجلٌ في جمع مبتدءًا قوله "يطيب لي في هذا المقام"، كان المقصود؛ هذه المناسبة، أما المَقامة؛ فهي المَجلِس والجماعة مِن الناس، وعند المُنشغلين بمعاني الكلماتِ، قد يُعد المَقام في بعض الأحيان مُرادفًا للحال؛ إذ هما مُتقاربان في المَفهوُم.

***
ما بين مَقامات النَغمِ والصوفيةِ، ومَقامات البشر تشابُهات. ثمَّة أنظمةٌ تحكُمها وقواعد تسري عليها؛ بعضها ثابتٌ عادل، والبعضُ الآخر زائفٌ مُصطَنع؛ يتبدل وفقًا للظرف صعودًا وهبوطًا؛ فمقام سام رفيع ومقام أدنى وأقل، وفي الحياة مُتسع للكُل، بينما التاريخُ ينتخب منها ما يستحق البقاء.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات