مرثية الكلب الأخضر - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 17 أكتوبر 2019 8:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

مرثية الكلب الأخضر

نشر فى : السبت 7 سبتمبر 2019 - 8:35 م | آخر تحديث : السبت 7 سبتمبر 2019 - 8:35 م

تتثاءب. هتم فمها. نرى اللثة بعد أن خلت من الأسنان، بما أنها لم تضع طقم الأسنان الصناعي لكي تتحرر من القيود. لا تعرف أحدا هنا على البحر. وتكتفي بمتعة مراقبة الصخور والأحجار الملونة وهي تتلألأ تحت الماء الشفاف مع تأثير الإضاءة. خلعت غطاء الرأس الذي اعتادت وضعه في مدينتها، فظهرت خصلاته الذهبية المصبوغة وقد اعتلاها اللون الأبيض الرمادي. كغيرها من زبائن هذا الموسم الصيفي تكتشف مكانا لأول مرة، فهي لا تنتمي للمجتمع الدائم المتمرد الذي اختار العزلة في هذا الموقع بين البحر والجبل، معظم شهور السنة، وهرب حاليا من المصطافين الجدد الذين زحفوا على ملاذهم الأخير.
اطمأنت السيدة السبعينية أن جارتها أمنت لأفراخ الدجاج التي تركتها وحيدة وجبة الذرة التي استحقوها في موعدها، وذلك بعد إجراء مكالمة هاتفية مستعجلة. ارتاحت من همهم، وأخذت تتحسس طريقها على الممشى الذي يمتد بطول الساحل. صوت الغناء يضمحل ويتلاشى، كلما بعدت عن المنطقة التجارية. في البداية كانت تخاف الكلاب والقطط الذين يهيمون في الشوارع، وظنتهم جميعا من فئة الحيوانات الضالة، ثم تعرفت على بعضهم تدريجيا بحكم الذهاب والإياب على الممشى، وفهمت أن هذه الحيوانات الأليفة لها وضع خاص في المدينة، يعيشون على طبيعتهم كسائر المرتادين، وأن الكثير من أصحاب المتاجر والمقاهي قد تبنوا عددا لا بأس به، خاصة ضمن الكلاب.
لفت انتباهها هذا الكلب الذهبي المخلط الذي اصطبغ ذيله وجزء من خاصرته باللون الأخضر. كلب أخضر؟ ما الذي حدث؟ هل وقع في آنية من اللون الأخضر الذي يستعمله صاحب المحل في تنفيذ أعماله الفنية التذكارية، أم أراد هذا الأخير طواعية أن يكسب كلبه هذا الشكل المميز؟ في النهاية، هو لا يمكن أن تخطئه عين. تراقب الكلب يوميا تقريبا، في طريقها إلى البحر، الذي اكتشفت لأول مرة حلاوة العوم فيه، بفضل ابنها وزوجته.
***
جذبتها صورة الكلب المتثاقل ترفا واسترخاء. يستلقي ساعات طوال في الشمس كغيره من كلاب هذه المدينة، فهم يعرفون مصلحتهم، ربما أكثر منها، ولا يختبئون من أشعة الظهيرة خوفا من سمرة البشرة، بل تمتص شعرتهم طاقة الشمس وتحولها إلى فيتامين د الذي يحميهم من مشاكل العظام والروماتيزم، مثلهم مثل بني آدم. ينعسون بفضل هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم دورة النوم لدى الحيوانات، ويتحسن مزاجهم ويقل إحساسهم بالوحدة لأن الشمس تساعدهم على إفراز المزيد من هرمون السعادة: السيروتونين. ولتعظيم الفائدة، بعد فترة من حمام الشمس، قد يلعقون ساقيهم وكفيهم للوصول إلى درجة أعلى من الامتصاص.
عدم معرفتها بهذه المعلومات لا يمنع ملاحظتها لاستمتاع كلبها الأخضر المفضل بالمكوث في الشمس. يتثاءب ويطرد بيده ذبابة همت بالدخول إلى فمه. يبدو وادعا مطمئنا، واثقا من كل شيء. يعرف متى يأكل، ومتى يشرب، ومتى يخرج إلى نزهة، ومتى يعود منها، ومتى يستيقظ... بعكسها هي والعديد ممن هم على شاكلتها. تحسده على مصيره، وتخاف مما تخبئه لها الأيام. أشخاص طوال عراض لا يعرفون مصيرهم. تريد أن تتحدث إليه، تبث همومها ومكنونات صدرها، وتشعر من جانبه بنوع من التواطىء.
***
لا شيء يمنع مواطن من التحدث إلى كلب، خاصة وأنه يبدو مستمعا جيدا، على الأقل ظاهريا. فكرت مليا في أن تتواصل معه بشكل أو بآخر، ربما تفهم سر اللون الأخضر وإحساسه به، وهل أثر ذلك على علاقاته في الأوساط الحيوانية؟ قررت أن تتحدث معه في المرة القادمة عن الحب والصداقة والحرية وعن أسرارها التي لا تأتمن عليها أحدا بسبب تجارب أليمة. لا تريد طوقا حول عنقها، ولا كمامة على فمها.
اقتربت من موقعه المعتاد، فبادرتها رائحة كريهة. مرت مرور الكرام. وفي طريق العودة، توقفت مجددا، فلم تجده مستلقيا. بحثت عنه في أرجاء المدينة، دون جدوى. خافت أن تسأل عنه صاحب المتجر فيؤكد لها ما يقوله حدسها. لا تريد أن تصدق أنها يوم أن اختارت رفيقا ومناجيا أمينا من جنس يعرف الوفاء فقدته سريعا. رثته في سرها، ومضت.

التعليقات