الصين ومتلازمة المشي في أثناء النوم - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 8 ديسمبر 2021 12:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


الصين ومتلازمة المشي في أثناء النوم

نشر فى : الخميس 7 أكتوبر 2021 - 8:20 م | آخر تحديث : الخميس 7 أكتوبر 2021 - 8:20 م
نشر موقع project syndicate مقالا للكاتب جوزيف ناى، تناول فيه استراتيجية إدارة بايدن لإدارة المنافسة مع الصين، كما ذكر استعارة المحللين والخبراء السياسيين لأحداث تاريخية لشرح المنافسة المتزايدة بين القوى العظمى.. نعرض منه ما يلى:
بينما تنفذ إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن استراتيجية المنافسة بين القوى العظمى فى التعامل مع الصين، يبحث المحللون عن استعارات تاريخية لشرح المنافسة المتزايدة الحدة. ولكن فى حين يستحضر كثيرون بداية الحرب الباردة، فإن الاستعارة التاريخية الأكثر إثارة للقلق هى بداية الحرب العالمية الأولى. فى عام 1914، توقعت كل القوى العظمى حربا ثالثة قصيرة فى منطقة البلقان. بدلا من ذلك، وكما أوضح المؤرخ البريطانى كريستوفر كلارك، فإن هذه القوى كانت تسير وهى نائمة إلى حريق هائل دام أربع سنوات، ودمر أربع إمبراطوريات، وقتل الملايين.
فى ذلك الوقت، لم يول القادة القدر الكافى من الاهتمام للتغيرات الطارئة على النظام الدولى الذى كان يُـطـلَـق عليه ذات يوم «الوفاق الأوروبى». كان بين التغيرات المهمة تزايد قوة النزعة القومية. فى أوروبا الشرقية، هددت حركة القومية السلافية الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية المجرية، اللتين كان يسكنهما عدد كبير من السكان السلافيين. كتب مؤلفون ألمان حول حتمية نشوب المعارك التوتونية السلافية، وساعدت الكتب التعليمية فى تأجيج النزعة القومية. أثبتت القومية أنها رباط أقوى من الاشتراكية من منظور الطبقات العاملة فى أوروبا، وأقوى من الرأسمالية من منظور القائمين على العمل المصرفى فى أوروبا.
علاوة على ذلك، نشأ شعور متزايد القوة بالرضا عن الذات بشأن حالة السلام. لم تكن القوى العظمى تورطت فى أى حرب فى أوروبا لمدة أربعين عاما. بطبيعة الحال نشأت بعض الأزمات ــ فى المغرب خلال الفترة 1905 ــ 1906، وفى البوسنة فى عام 1908، وفى المغرب مرة أخرى فى عام 1911، وحروب البلقان خلال الفترة 1912 ــ 1913، لكنها كانت جميعها تحت السيطرة. إلا أن التسويات الدبلوماسية التى حلت هذه النزاعات، أدت إلى تأجيج حالة الإحباط والدعم المتزايد للنزعة التحريفية التاريخية. وأصبح العديد من القادة يعتقدون أن حربا قصيرة حاسمة ينتصر فيها القوى ستشكل تغييرا يستحق الترحيب.
***
كانت السياسة الألمانية الطموحة، وإن كانت غامضة ومربكة، سببا ثالثا وراء فقدان النظام الدولى مرونته فى أوائل القرن العشرين. لم يخل سعى القيصر فيلهلم الثانى إلى توطيد قوته من قدر هائل من الحماقة. وبوسعنا أن نرى شيئا مشابها فى «حلم الصين» الذى أعرب عنه الرئيس شى جين بينج، وتخليه عن نهج دنج شياو بينج الصبور، وتجاوزات دبلوماسية «المحارب الذئب» القومية التى تنتهجها الصين.
يتعين على صناع السياسات أن يتوخوا الحذر واليقظة إزاء صعود القومية فى الصين وكذا الشوفينية الشعبوية فى الولايات المتحدة. الواقع أن تاريخا من المواجهات والتسويات غير المرضية بشأن تايوان، مقترنا بسياسة الصين الخارجية العدوانية، يفسر صحة احتمالات التصعيد غير المقصود بين القوتين. على حد تعبير كلارك، بمجرد وقوع كارثة مثل الحرب العالمية الأولى، «فإنها تفرض علينا (أو يبدو الأمر وكأنها تفرض علينا) إحساسا بضرورتها. ولكن فى عام 1914، كان المستقبل لا يزال مفتوحا بالكاد. فعلى الرغم من كل التصعيد على الجبهات فى كلا المعسكرين المسلحين فى أوروبا، كانت هناك دلائل أشارت إلى أن لحظة المواجهة الكبرى ربما تكون عابرة».
إن أى استراتيجية ناجحة يجب أن تمنع متلازمة السير فى أثناء النوم. فى عام 1914، فاض الكيل بالنمسا إزاء القومية الصربية الناشئة. كان اغتيال أرشيدوق نمساوى على يد إرهابى صربى ذريعة مثالية لإصدار إنذار نهائى. قبل مغادرته لقضاء عطلة، قرر القيصر الألمانى ردع روسيا الصاعدة ودعم حليفه النمساوى بإصدار شيك دبلوماسى على بياض لمصلحة النمسا. وعندما عاد وعلم ماذا سطرت النمسا على ذلك الشيك، حاول استرجاعه، ولكن كان الأوان فات.
تأمل الولايات المتحدة فى ردع استخدام القوة من جانب الصين والإبقاء على حالة الفراغ القانونى فى تايوان، التى تعتبرها الصين مقاطعة مارقة. لسنوات، كانت السياسة الأمريكية مصممة لردع تايوان عن إعلان الاستقلال القانونى ومنع الصين من استخدام القوة ضد الجزيرة. اليوم، يحذر بعض المحللين من أن سياسة الردع المزدوجة هذه عفا عليها الزمن، لأن قوة الصين العسكرية المتنامية قد تغرى قادتها على التحرك.
يعتقد آخرون أن إعطاء ضمانة صريحة لتايوان أو التلميح بأن الولايات المتحدة تتحرك فى هذا الاتجاه من شأنه أن يستفز الصين ويدفعها إلى التحرك. ولكن حتى لو تجنبت الصين غزوا تام النطاق واكتفت بمحاولة إجبار تايوان من خلال الحصار أو الاستيلاء على إحدى جزرها، فإن جميع الرهانات ستتوقف إذا أسفر حادث يتعلق بسفينة أو طائرة عن وقوع خسائر فى الأرواح. فإذا ردت الولايات المتحدة بتجميد الأصول أو التذرع بقانون التجارة مع العدو، فقد تتحول الحرب المجازية بين البلدين سريعا إلى حرب حقيقة. يجب أن تحذرنا دروس 1914 من السير فى أثناء النوم، لكنها لا تقدم حلا لإدارة مشكلة تايوان.
***
إن أى استراتيجية أمريكية ناجحة فى التعامل مع الصين يجب أن تبدأ من الداخل. وهذا يتطلب الحفاظ على المؤسسات الديمقراطية التى تجتذب الحلفاء ولا ترغمهم، والاستثمار فى مشاريع البحث والتطوير التى تحافظ على ميزة تفوق أمريكا تكنولوجيا، وصيانة انفتاح أمريكا على العالم. على الصعيد الخارجى، يتعين على الولايات المتحدة أن تعيد هيكلة قوتها العسكرية الموروثة بما يسمح لها بالتكيف مع التغير التكنولوجى؛ وتعزيز هياكل التحالف، بما فى ذلك منظمة حلف شمال الأطلسى والترتيبات مع اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية؛ وتعزيز العلاقات مع الهند، وتقوية واستكمال المؤسسات الدولية التى ساعدت الولايات المتحدة فى إنشائها بعد الحرب العالمية الثانية لوضع المعايير وإدارة الاعتماد المتبادل؛ والتعاون مع الصين حيثما أمكن فى التعامل مع القضايا العابرة للحدود الوطنية. حتى الآن، تتبع إدارة بايدن مثل هذه الاستراتيجية، لكن عام 1914 يظل يذكرنا دائما بضرورة توخى الحيطة والحذر.
فى الأمد القريب، بالنظر إلى سياسات شى جين بينج الحازمة، ربما تضطر الولايات المتحدة إلى إنفاق المزيد من الوقت على جانب المنافسة من المعادلة. لكن مثل هذه الاستراتيجية من الممكن أن تنجح إذا تجنبت الولايات المتحدة الشيطنة الأيديولوجية والقياس على الحرب الباردة المضللة، وحافظت على تحالفاتها. فى عام 1946، تنبأ جورج كينان بشكل صحيح بمواجهة تدوم عقودا من الزمن مع الاتحاد السوفيتى. الواقع أن الولايات المتحدة لا تستطيع احتواء الصين، لكنها قادرة على تقييد خيارات الصين من خلال تشكيل البيئة التى تشهد صعودها.
إذا كانت العلاقات الصينية الأمريكية مجموعة من الأوراق فى اليد فى مباراة بوكر، فسوف يدرك الأمريكيون أن الأوراق فى يدهم جيدة ويتجنبون الاستسلام للخوف أو الإيمان بتراجع الولايات المتحدة. ولكن حتى الأوراق الجيدة قد تخسر إذا لُـعِـبَـت على نحو ردىء.

النص الأصلي

التعليقات