فراشات الثلج - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 2:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

فراشات الثلج

نشر فى : السبت 10 سبتمبر 2011 - 9:00 ص | آخر تحديث : السبت 10 سبتمبر 2011 - 9:00 ص

باب حلزونى من الحديد قد عَلق بجانبيه بعض الشحم أو الزيت لإذابة الصدأ، وسيدة محجبة تطلب فى هدوء ثلاثة جنيهات هى ثمن تذكرة المتحف الزراعى بالدقى.. بما أننا مازلنا فى موسم جنى القطن فقد خطر ببالى أن أزور المتحف المخصص له منذ 1996 والذى اكتشفت وجوده من سنوات بمحض المصادفة. لكن السيدة بادرتنى بأن عددا من المتاحف الزراعية الموجودة بالداخل ومنها متحف القطن بحاجة إلى تصريح! استأذنت وديا ودخلت رغم غرابة فكرة التصريح حتى لو جاءت حرصا على مقتنيات المتحف التى يرجع بعضها لبداية ثلاثينيات القرن الماضى عند إنشاء أول متحف للقطن بجوار القبة السماوية ومبنى الأوبرا الحالى، ففيها تعارض واضح مع مفهوم المتاحف المتاحة للجمهور لتثقيفه ونشر الوعى العلمى، لكن له فى ذلك حكم.

 

الزيارة مؤثرة إذ نرى جزءا من تاريخ مصر وقد راح سدى، نفهم كذلك بشكل واقعى ما تعنيه بعض الأرقام التى تنشرها الصحف، ونتحسر.. فهناك هالة من النوستالجيا الطاغية تسيطر على طابقى المتحف وقاعاته الثلاث عشرة، هالة القطن التى تشبه فراشات الثلج. نفهم أيضا ما قاله الدكتور أحمد جويلى ــ وزير التجارة والتموين الأسبق ــ فى ندوة حول «أزمة القطن المصرى» عقدها معهد بحوث الاقتصاد الزراعى عام 2009: «اللى عايز يشوف القطن المصرى بعد كده يروح يشوفه فى المتحف الزراعى»، خصوصا عندما نرى أن مصر حتى الستينيات كانت تزرع ما يزيد على مليون وسبعمائة ألف فدان من القطن، وكيف توزعت الأنواع المختلفة على قبلى وبحرى حتى الواحات البحرية والخارجة والداخلة، بينما وصلت هذه المساحة المزروعة إلى 280 ألف فدان عام 2009 ونحاول جاهدين بعد ثورة يناير الوصول بها إلى نحو 500 ألف فدان. كما تهاوى حجم التصدير من 6600 قنطار إلى نحو 500 قنطار.

 

لم يعد محمد على (الحاكم) يباشر بنفسه زراعة القطن التى فرضها فرضا على الفلاحين والحكمدارية كما تبين المراسيم التى تحمل ختمه بالتركية والعربية، ولم يعد البورتريه الزيتى الضخم الذى يمثله موجودا فى متحف القطن كما لو كان يشرف بنفسه على مجريات الأمور وما آلت إليه. وكأنه هرب لأن ما حدث لا يسر عدوا ولا حبيبا، فانتقلت اللوحة إلى متحف مجاور للمقتنيات (يحتاج هو الآخر إلى تصريح دخول).

 

●●●

 

الأصناف المصرية التى تم تهجينها على مر الزمن والتى وضعت فى أدراج من خشب الورد تروى قصة القطن بمصر منذ 1821، عند اكتشاف عالم النبات الفرنسى جوميل(Jumel) لهذه الزهرة الجميلة فى حديقة قاهرية وقد استخدمت للزينة. أبلغ محمد على بمواصفات تيلته من طول ونعومة، فتم إنتاج ثلاث بالات وبيعها فى فرنسا بأسعار عالية.. تبارى تجار الإسكندرية فى بيع وشراء المنتج الجديد، فقد كانت المدينة الساحلية فى أوج تسامحها وتعدديتها ونشاطها فى غضون 1840، وظهرت أقدم بورصات العالم التى تقف اليوم وكأنها مدينة للأشباح، فلا يوجد بمصر مجلس وطنى للقطن على غرار الولايات المتحدة الأمريكية مثلا حيث يجتمع كل من يرتبط عمله بالقطن، ولا يتم دعم منتجيه بمبلغ 12 مليار دولار سنويا كما يحدث هناك للمحافظة على الأسواق الخارجية والصناعة المحلية.

 

فالقطن نبات يجب كل المهن من الزراعة إلى المال، والتاجر الشاطر يجب أن يكون ملما بكل ما يحدث فى الصين وأمريكا وأستراليا وأوزباكستان.. فهو من المواد الأولية التى تحظى بميثولوجيا خاصة بها، ومدن، وبشر، وحروب، وانتصارات، وانحسارات. وحكاية القطن تساعد على فهم عولمة الأمس واليوم.

التعليقات