صفقة ترامب ـــــ إيران.. هل هى هدنة مؤقتة أم اعتراف أمريكى بالهزيمة؟ - معتمر أمين - بوابة الشروق
السبت 11 أبريل 2026 7:39 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

صفقة ترامب ـــــ إيران.. هل هى هدنة مؤقتة أم اعتراف أمريكى بالهزيمة؟

نشر فى : الجمعة 10 أبريل 2026 - 10:55 م | آخر تحديث : الجمعة 10 أبريل 2026 - 10:55 م

لم تمضِ ساعات قليلة على إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، حتى انفجر المشهد مجددا بضربات إسرائيلية عنيفة على لبنان، أوقعت عشرات القتلى ومئات الضحايا، وأحدثت دمارا هائلا، ليعود الشك فى استمرار القتال، لا سيما مع عودة مضيق هرمز إلى دائرة الإغلاق. هذه التطورات تضع علامات استفهام كثيرة حول جدوى حقيقة هدنة الأسبوعين، خصوصا أنها وُلدت مشوهة بشروط إيرانية قاسية واعتراف أمريكى ضمنى بهزيمة استراتيجية. فكيف يمكن لطرفين أن يخرجا منتصرين من صفقة واحدة؟ والأكثر إثارة للريبة: كيف وافقت واشنطن على بنود كانت تصفها قبل أيام بأنها «كارثية»؟
فى الثانى من أبريل الحالى، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، المنحازة دائما للرواية الإسرائيلية، تحليلا لافتا لباحثين ومحللين خلصوا إلى أن «من يسيطر على مضيق هرمز هو من سينتصر فى هذه الحرب». والمضيق ليس مجرد ممر مائى، بل هو شريان الحياة للاقتصاد العالمى، إذ يمر عبره 20% من الطاقة العالمية، و30% من الأسمدة. وهو ممر بحرى ضيق لا يتجاوز عرضه فى بعض مناطقه 33 كيلومترا فقط، ما يجعله عرضة للإغلاق بأبسط الوسائل العسكرية. ومن يضمن أمن الملاحة فيه، ويفرض إرادته عليه، هو «الكبير» فى المنطقة.
• • •
جاء إعلان رئيس وزراء باكستان المفاجئ يوم 8 أبريل ليخبر العالم بعقد هدنة لمدة أسبوعين بين الأطراف، تقضى بفتح المضيق مقابل وقف التهديدات الأمريكية. لكن التسريبات الأولية كانت مقلقة. فبحسب ما كشفته مصادر مطلعة فى البيت الأبيض لموقع أكسيوس، الذى ينفرد دون غيره بأخبار من داخل مكتب ترامب، فإن المبعوث الرئاسى ستيف ويتكوف وصف البنود العشرة التى قدمتها إيران بأنها «كارثة بكل المقاييس»، والتى تشمل: انسحابا كاملا للقوات الأمريكية من المنطقة، ورفع العقوبات الشاملة، وعدم المساس بالبرنامج الصاروخى، ووقف الحرب ضد «محور المقاومة»، بما فى ذلك لبنان. والأخطر: وضع بروتوكول للملاحة فى مضيق هرمز بالتنسيق مع إيران، وفرض رسوم على السفن المارة! وبالتالى يظل السؤال: لماذا كانت الحرب من الأساس؟
إيران لم تكتفِ بهذا، بل وضعت شرطا إضافيا فى اللحظات الأخيرة: فرض رسوم مشتركة على المضيق تُقدَّر بنحو مليونى دولار عن كل سفينة. وبحسبة بسيطة، حال عبور 100 سفينة يوميا، سيكون العائد 200 مليون دولار، أى ما يزيد على 6 مليارات دولار شهريا. وبتطبيق هذه المعادلة على السفن المتكدسة حاليا عند المضيق، فإن رسوم خروجها ستمنح إيران مليارات الدولارات الفورية. ولا ندرى هل تُقسَّم بعض هذه العائدات مناصفة بين طهران وواشنطن؟ والأدهى أن الإشراف على الملاحة سيكون حصرا للقوات المسلحة الإيرانية.
هذا ليس وقف إطلاق نار، بل استسلام أمريكى تحت مسمى التهدئة. فإيران، التى تعرضت لأكثر من 13 ألف غارة جوية، واستُخدم فيها 40 ألف طن من المتفجرات، وهددها ترامب مرارا بتدمير الحضارة والبنية التحتية، خرجت من المعركة ليس فقط محتفظة ببرنامجها النووي، بل بسلاح أخطر: السيطرة الكاملة على مضيق هرمز. ولا ندرى كيف لا يرى الطرف الأمريكى-الإسرائيلى أن هذه هى ثانى أكبر هزيمة استراتيجية فى تاريخ إسرائيل وجائزة كبرى لإيران.
• • •
لكن لماذا قبل ترامب بهذه البنود التى وصفها فريقه بأنها «كارثية»؟ الإجابة تكمن فى أرقام صادمة كشفتها تقارير أمريكية لاحقة. فخلال الأيام الأخيرة، تم إسقاط مقاتلات أمريكية وطائرات شحن عسكرية ومروحيات قتالية، مع اختلاف الأرقام لكل فئة، والأخطر أن مخزون أمريكا من صواريخ توماهوك استُنزف بشكل خطير؛ حيث أُطلق حوالى 1000 صاروخ من أصل 4000، وهذه الأسلحة تحتاج إلى سنوات لتعويضها، لا إلى أسبوعين. بينما حاملتا الطائرات جيرالد فورد وأبراهام لينكولن لا تزالان فى المنطقة، لكن ذخائرهما المنهكة لا تسمح بمواصلة الحرب بنفس الوتيرة.
إضافة إلى ذلك، توجد مؤشرات اقتصادية مقلقة؛ فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن ولاية كاليفورنيا الأمريكية تستورد 78% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، لأن مصافيها تعمل فقط على النفط الخليجى الخفيف. وأدى ارتفاع أسعار النفط إلى تضخم أسعار البنزين فى كاليفورنيا إلى أعلى مستوى، مما أثار احتجاجات أكّدتها استطلاعات الرأى التى تشير إلى أن أكثر من 66% من الأمريكيين يعارضون استمرار الحرب، مع دعوات لعزل ترامب بتفعيل التعديل 25 فى الدستور الأمريكى. هذه الضغوط دفعت ترامب إلى تمديد المهلة 24 ساعة، ثم قبول صفقة الهدنة قبل 90 دقيقة فقط من انتهاء مهلة القصف.
• • •
وسط هذا المشهد، برز دور مصرى قوى ومؤثر، خلافا لبعض الأصوات التى حاولت نسب الفضل كاملا لباكستان. الكاتب الصحفى الإسرائيلى باراك رافيد، المعروف بعلاقاته الوثيقة بالبيت الأبيض، نشر تقارير أكد فيها أن مصر لعبت دورا محوريا ومفتاحيا فى تقريب وجهات النظر. فمصر كانت الطرف الوحيد الذى يثق فيه كل من الأمريكيين والإيرانيين؛ فالأمريكيون يرون فى مصر وسيطا ناجحا بعد صفقة غزة، والإيرانيون يرونها دولة مقاومة لإسرائيل ولها حدود معها، مما يمنحها مصداقية. وبينما كان دور باكستان الأساسى هو نقل الرسائل، كان الدور المصرى أكثر عمقا، حيث ضغطت القاهرة على إيران لتخفيف بعض البنود، وفى الوقت نفسه حاورت الجانب الأمريكى لقبول مبدأ التفاوض. بل إن ستيف ويتكوف نفسه خرج ليثنى على دور مصر الكبير.
لكن جاء الانهيار سريعا؛ فبعد ساعات من إعلان الهدنة، استمرت ضربات إيران للخليج، وعللت ذلك بحجة أن قرار وقف إطلاق النار لم يصل إلى الحرس الثورى. وفى تصريح مذهل، قال ترامب: «لننتظر قليلا، ربما لم يعلموا». هذا التبرير الواهى يكشف حجم الضغوط التى يتعرض لها الرئيس الأمريكى، وليس مساحة التفهم لديه.
فى نهاية المطاف، اختار ترامب الخروج من حرب لم يكن يتوقع أن تكلفه كل هذا العناء. لكن الثمن الذى دفعته أمريكا، بالموافقة على شروط إيران، هو ثمن باهظ له تبعات خطرة على المنطقة. والسؤال الحاسم: هل ستمتد هذه الهدنة بعد الأسبوعين إلى اتفاق دائم، أم أنها مجرد استراحة محارب؟ مع استمرار القصف الإسرائيلى العنيف على لبنان، وعدم التزام إيران بوقف هجماتها بالكامل على دول الخليج، يبدو المشهد قاتما. ما حدث ليس نصرا لأمريكا ولا لإيران، بل هو تأجيل للحرب مع الإبقاء على جميع عناصر انفجارها. ويبدو أننا سنحتاج إلى براعة مصر الدبلوماسية سريعا لإطفاء حريق لبنان. لكن النار ما زالت تحت الرماد.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات