فى مشهد يعكس تحولًا جذريًا فى قواعد اللعبة الإقليمية، تتلازم أزمتان مصيريتان تعيدان رسم خريطة النفط والتحالفات. فبينما يراوح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى مستنقع مضيق هرمز، عاجزًا عن خيار التصعيد أو الانسحاب، تفاجئ الإمارات العالم بقرار الانسحاب من منظمة أوبك بعد ستة عقود من العضوية. القصتان ليستا منفصلتين، بل هما وجهان لعملة واحدة: صراع وجودى على مستقبل الطاقة والنفوذ فى الشرق الأوسط، يعيد رسم التحالفات فى المنطقة.
بداية، فى سوق النفط، نلاحظ تحولًا لافتًا عن الأسلوب المعهود للرئيس ترامب فى التلاعب بالأسواق، حيث تخلى عن سياسة التصعيد عند إغلاق الأسواق والتهدئة عند فتحها، وبدأ يطلق تصريحات صلبة تؤكد مواصلة الحصار على إيران، بعدما تحول من الاعتماد على القوة الجوية إلى الاعتماد على القوة البحرية، وشدد التضييق على مضيق هرمز، الذى يعانى انسدادًا فعليًا منذ أسابيع. يعلن ترامب أنه ماضٍ فى هذا المسار ولن يتراجع عنه، لكنه يبدو متحسبًا من تبعات التصعيد العسكرى، الذى قد يجره إلى عودة القتال بلا فائدة، كما أنه يخشى الانسحاب بصورة المهزوم، أو إهداء إيران صورة النصر التى تبعث الروح فى نظامها.
وفى الوقت الحالى، ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن أكبر مخاوف ترامب اليوم هى أن تنتزع إيران منه زمام المبادرة، وهى بالفعل تمتلك خيارات مدمرة. فالتقديرات تتحدث عن امتلاء المخزون الإيرانى خلال 20 يومًا، وهى تبحث عن مخرج لتجنب إعطاب آبارها النفطية. وقد تضحى إيران بالنفط المنتج وتفرغه فى مدخل مضيق هرمز، أو تلجأ إلى تسليح سفنها النفطية بصواريخ حرارية تمنع السيطرة عليها، ومن ثم تكسر الحصار. وبذلك يتعقد موقف الحرب وينعكس سلبًا على الجمهوريين فى انتخابات نوفمبر المقبلة. كل هذه السيناريوهات قد تجعل ترامب يعيش كوابيس حقيقية، خصوصًا مع تسجيل سعر خام برنت قفزة تجاوزت الـ ١٢٥ دولارًا الأسبوع الماضى لمجرد استمرار إغلاق المضيق بصورة مؤقتة. فماذا سيحدث لأسعار الطاقة إذا أُغلق بصورة ممتدة، أو إذا قرر ترامب المضى فى عملية برية؟
* • •
فى المقابل، هل ينهار النظام الإيرانى تحت وطأة الحصار؟ على الصعيد الداخلى، تمتلك إيران الآن حائط صد منيعًا يتمثل فى طبقة وسطى قوية تضم ربع مليون مليونير، إضافة إلى انخفاض اعتمادها على النفط من 80% إلى 40%، بفضل عقود طويلة من العقوبات. كذلك من المستبعد خروج الشعب الإيرانى على الحرس الثورى أثناء الحرب، لأن أى تمرد فى زمن العدوان يُعد خيانة. فهل يضيع ترامب وقته فى انتظار انهيار لا يبدو أنه قادم سريعًا فى الوقت الذى يريده؟
وفى المقابل، للوقت ثمن. فالاحتياطى الفيدرالى الأمريكى فى حيرة: فمن ناحية، رفع الفائدة يخنق السوق وقد يعجل بالركود، ومن ناحية أخرى، خفضها يزيد الطلب على طاقة غالية بالفعل ويتسبب فى تعميق التضخم. بمعنى آخر، تستورد أمريكا التضخم من العالم، وترامب يبحث عن مخرج لا يجده.
وفى سياق متصل، وبسبب تداعيات حرب إيران نفسها، فاجأت الإمارات الجميع بإعلان انسحابها من أوبك و«أوبك بلس». لم يأتِ القرار من فراغ، بل هو تتويج لخلافات عميقة بدأت قبل سنوات حول مصالح كل دولة فيما يتعلق بكمية النفط المنتجة. فبالنسبة للإمارات، السعر الذى تستهدفه لا يتجاوز 50 دولارًا للبرميل، بينما تسعى السعودية إلى أكثر من 80 دولارًا للبرميل. والفيصل فى هذا التباين هو كمية الإنتاج التى تفرضها أوبك على أعضائها. وزاد على ذلك مسألة إغلاق مضيق هرمز، التى ضغطت على اقتصادات الخليج. ومن هنا تفاقم الموقف المالى، حتى طلبت الإمارات من الولايات المتحدة تسهيلات تمويلية بالدولار، وكانت هذه إشارة إلى أن الخلاف حول حجم الإنتاج وصل إلى نقطة حرجة.
ولكى نتصور حجم الطلب الإماراتى على الدولار، نعود إلى قرار أبوظبى سحب ودائعها الدولارية من باكستان. كانت هذه الودائع تمثل خمس احتياطيات البنك المركزى الباكستانى، كما أنها كانت ضمانة لقروض من صندوق النقد الدولى بقيمة 7 مليارات دولار. وكان انسحاب الإمارات يعنى مطالبة الصندوق لباكستان بسداد 10.5 مليار دولار دفعة واحدة، ما يشير إلى أن الضغوط الناتجة عن أزمة الدولار قد تكون أشد وطأة مما هو معلن. هنا تدخلت السعودية لإنقاذ باكستان، لكن بثمن؛ إذ قدمت الرياض 3 مليارات دولار ودائع جديدة، ليصبح مجموع ما تملكه السعودية من احتياطيات باكستان 8 مليارات دولار من أصل 16 مليارًا. أى إن الرياض باتت تمتلك نصف احتياطات البنك المركزى الباكستانى، وأصبح الاقتصاد الباكستانى، النووى مرتبطًا بمصالح مباشرة وحيوية مع السعودية.
أما الخلاف الأعمق مع السعودية فيعود إلى حرب أوكرانيا. فعندما حظر الرئيس بوتين تصدير الغاز والنفط الروسى إلى أوروبا، التى بدورها فرضت عليه عقوبات، طلبت إدارة بايدن السابقة من الرياض وأبوظبى زيادة الإنتاج. رحبت الإمارات بذلك لأن الحرب كلفتها خسائر، حيث تكبدت أكثر من 200 مليار درهم سنويًا من قطاع الطيران وحده، لكن السعودية رفضت رفع الإنتاج وتمسكت بموقفها.
* • •
نعود إلى الانسحاب من أوبك، فنقول: صحيح أن إنتاج الإمارات حاليًا لا يتجاوز مليونى برميل يوميًا بعد الحرب، مقارنة بـ 8 إلى 12 مليونًا للسعودية، وأن احتياطاتها تبلغ 113 مليار برميل مقابل 270 مليارًا للسعودية، لكن الأهم من الأرقام هو الرسالة. فانسحاب الإمارات من أوبك يعنى اتساع الكسر فى العمود الفقرى للتنسيق الخليجى داخل المنظمة، بعد انسحاب قطر عام 2019، ويعنى أن كل دولة ستحسب مصلحتها منفردة. ومن ثم، لا مفر من مواجهة الحقائق اليوم: فقد دخلت إسرائيل الخليج عسكريًا، وتغيرت قواعد التحالف فيه، ووصلت العلاقات الخليجية – الخليجية إلى أدنى مستوياتها. ومن المرجح خروج دول أخرى تتوافق مصالحها مع زيادة الإنتاج.
السؤال الآن: هل تغير تبعات حرب إيران خريطة الخليج كما غيرت إسرائيل خريطة الشرق الأوسط؟ أم أن كل شىء سيعود إلى ما كان عليه بمجرد انتهاء الحرب؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن أوبك لن تكون كما كانت، وأن ترامب لن يخرج من مستنقع هرمز بسهولة.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية