هل تبدد الأمل فى إقامة دولة القانون فى مصر؟ - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 4 يوليه 2020 7:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هل تبدد الأمل فى إقامة دولة القانون فى مصر؟

نشر فى : الإثنين 11 يونيو 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 11 يونيو 2012 - 8:00 ص

تكشف الاحتجاجات الواسعة التى تواصلت فى مصر منذ صدور الحكم على حسنى مبارك ووزير داخليته بالسجن المؤبد وبالبراءة لستة من كبارمسئولى الأمن السابقين ونجلى مبارك عن سخط هائل على قضاة هذه المحكمة امتد فى شعارات المتظاهرين وتصريحات قيادات سياسية إلى رفض للنظام القضائى بأكمله، ومطالبة بتطهير القضاء، وعزل النائب العام، وإعادة المحاكمة أمام محكمة سياسية ثورية.بل قد طالب المتظاهرون بعدم الاعتراف بنتائج الجولة الأولى من الانتخابات، وإما تولى مجلس رئاسة مدنى حكم البلاد إلى حين صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات ثانية بعد ذلك، أو المضى إلى انتخابات الإعادة بعد إقصاء المرشح الذى فاز بثانى أعلى الأصوات فى الجولة الأولى، واستبداله بالتالى له فى الأصوات. ورد بعض كبار القضاة على هذه الحملة ضدهم بانتقاد هذه التصريحات وبالتهديد بعدم الإشراف على الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التى ستنعقد بعد أيام قليلة.

 

ولم يكن كل هذا الخلاف على حكم المحكمة وعلى نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية إلا عرضا لأزمة كبرى تعيشها مصر منذ عقود، وتفاقمت بكل تأكيد بعد الثورة، وهى هشاشة دولة القانون فى مصر، أى الدولة التى تلتزم كل مؤسساتها وكل مواطنيها باحترام القانون والاسترشاد به فى معاملاتهم، ولم يكن وجود هذه الأزمة مبعث دهشة فى مصر قبل ثورة يناير، فقد كانت كل القوى السياسية المعارضة وحركات المجتمع المدنى تسلم بأن غياب حكم القانون هو سمة أساسية لنظام الحكم فى مصر الذى يستخدم القانون لتوطيد دعائم حكم استبدادى، ولا يتردد فى تجاهل قانونه ذاته عندما يبدو مقيدا لما يريد اتباعه من سياسات، أو ما يود تحقيقه من مصالح لكبار حكامه وأنصارهم. ولكن الشعور بالمرارة وخيبة الأمل واليأس يزداد عندما يتعرض حكم القانون لسخط شعبى بعد الثورة، ويلاحق الاتهام من يطالبون بتحكيم القانون بدعوى أنهم من خصوم الثورة، ومن الساعين لإعادة النظام القديم، ولكن سبب هذا الشعور بخيبة الأمل هو أن الثورة قامت تحديدا لإقامة حكم القانون الذى لا يستقيم نظام ديمقراطى بدونه، ولا شك أن اثنين على الأقل من أهداف الثورة، وهما الحرية والكرامة الإنسانية لا يمكن تصورهما فى غياب حكم القانون، بل وحتى الهدف الأول وهو «عيش» أو حياة كريمة لا يمكن بدوره أن يزدهر إلا فى ظل أوضاع قانونية مستقرة وقضاء عادل وحازم ينتعش معهما الاقتصاد، وتتدفق الاستثمارات، ويطمئن أطراف العلاقات الإنتاجية إلى حقوقهم. فماهى أسباب تبدد الأمل فى إقامة دولة القانون فى مصر، وهل يمكن أن تقوم لها قائمة بعد الآن، وماهى شروط ذلك؟

 

 

الكل مسئول عن التلاعب بالقانون خدمة لمصالح خاصة

 

والواقع أن أول أسباب أزمة حكم القانون فى مصر بعد الثورة هى أن القانون تحول إلى أداة تتلاعب بها كل الأطراف خدمة لمصالح خاصة، هى فى الأساس تدعيم لرؤية معينة حول مايجب أن يكون عليه النظام السياسى فى مصر بعد الثورة. ولم يكن هناك طرف من القوى الثلاث التى تتحكم فى توجيه الحياة السياسية فى مصر بعد الثورة يتردد فى الانغماس فى هذه اللعبة. أول هذه الأطراف وأهمها هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذى مهد الطريق، ربما دون أن يقصد ذلك، لكى تحذو الأطراف الأخرى حذوه. فهو لم يشأ أن يقيم محاكمة سياسية لقيادات النظام السابق، وآثر أن تتم محاكمتهم أمام محاكم جنائية عادية،ولم يخضع مسئولى مذابح عديدة من رجال الأمن والجيش لأى محاكمة جادة. وقد يكون لتفضيله المحاكمة القانونية للمسئولين السابقين وجاهته بدعوى أن ذلك هو الذى يطمئن المواطنين على حكم القانون، وأن أركان العدالة مصونة فى ظل قيام القضاء المستقل بدوره.ولكن كيف تجرى مثل هذه المحاكمة العادلة فى ظل نفس الإطار الدستورى والقانونى للنظام السابق، ومع ترك رئيس ديوان رئيس الجمهورية شهرا يزاول عمله بعد الثورة بكل الحرية، وكأنه ليس مسئولا عن وثائق وأدلة تدين الرئيس السابق، والتغاضى عن قيام مسئولى الأمن والمخابرات بتدمير كل ما له علاقة بأوامر واتصالات كبار المسئولين أثناء الثورة، وعدم تعاونهم مع جهات التحقيق فى الاتهامات الموجهة إليهم، وهو ما أقره ممثل الإدعاء فى محاكمة الرئيس السابق، ولا يملك كاتب هذه السطور أى دليل على نوع العلاقة بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة والنائب العام، ولكن أليس غريبا أن تتم صياغة الاتهامات الموجهة للرئيس السابق، وهو الذى أطاح به الشعب لسوء حكمه الذى امتد إلى ثلاثة عقود، ولكن الاتهامات الموجهة له فى محاكمته اقتصرت على دوره فى مقتل متظاهرين أثناء الثورة، وتربحه من إبرام صفقة تصدير الغاز الطبيعى لإسرائيل، وكأنه طوال حكمه لم يرتكب أى جرائم أخرى يمكن أن يحاكم عليها، وصيغت الاتهامات الموجهة إلى ابنى الرئيس على نحو مماثل. كل ما اقترفه جمال مبارك من جرائم فى حق الشعب، وفقا للنائب العام، وبرضا المجلس الأعلى للقوات المسلحة، هى حصوله على فيلا فى شرم الشيخ من حسين سالم بأقل من ثمنها الحقيقى مقابل تسهيل أنشطة رجل الأعمال الهارب. وفى الواقع، لقد اندهشت للأحكام التى أصدرها المستشار أحمد رفعت، وأشفقت عليه كثيرا، فهو حاكم هذه العصابة، على اتهامات لا تغطى كل ما ارتكبوه من جرم، وحتى بالنسبة لهذه الاتهامات، لم يقم عليها دليل، لأن من كان يفترض أن يقدموا الدليل فى أجهزة الأمن والمخابرات لم يتعاونوا معه، على النحو الذى جعل الشاهد الأول فى هذه القضية هو الأستاذ إبراهيم عيسى رئيس تحرير الدستور..مثل هذه الأحكام كانت متوقعة منذ لحظة صياغتها من جانب النائب العام، ومنذ تواترت الأنباء عن قيام أجهزة الدولة بتدمير كل أدلة ارتكاب هذه الجرائم.

 

ولكن التلاعب بالقانون لا يقتصر على المجلس الأعلى للقوات المسلحة. حزب الحرية والعدالة ضالع فيه، بحكم تفسيره للمادة 60 فى الإعلان الدستورى الخاصة بتشكيل الجمعية التأسيسية، والتى ترجمها باختيار جمعية تأسيسية تجعل له الهيمنة على صياغة الدستور، وتباطؤه فى تشكيل هذه الجمعية بعد حكم محكمة القضاء الإدارى الذى أبطل تشكيل الجمعية الأولى، وبالنوايا التى يكنها رئيس مجلس الشورى الذى ينتمى إليه نحو إعادة تشكيل قيادات المؤسسات الصحفية، ثم برفضه إصدار قانون بحرمان قيادات النظام السابق من ممارسة حقوق سياسية حتى ظهرت بعض هذه القيادات كمرشحين لرئاسة الجمهورية متنافسين مع مرشحيه. ولم تشذ قوى الثورة بدورها، وهى ليست فى السلطة من إغواء التلاعب بالقانون، برفضها نتيجة الانتخابات، وهجومها على القضاء فى ذات الوقت الذى تنتظر فيه حكم المحكمة الدستورية بالنسبة لدستورية تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية المشهور باسم قانون العزل، ودعوتها لمجلس رئاسة مدنى بالتجاهل التام لكون البلاد تمضى على طريق انتخاب رئيس جديد.

 

 

هل هناك مخرج؟

 

ولعل الأسباب التى دعت كل هذه الأطراف إلى اتخاذ هذه المواقف المتناقضة من مبدأ دولة القانون تعود إلى دقة الموقف الذى تواجهه مصر بعد الثورة من التوفيق بين الرغبة فى تحقيق العدالة مع الحفاظ فى نفس الوقت على قدر من الاستقرار والوفاق الوطنى، وبعد الانتخابات من رغبة فى احترام نتيجة الانتخابات ولكن مع حرص على استمرار الثورة. ليس هناك اختيار سهل فى هذه الظروف، والاختيار الأمثل هو ذلك الذى يضمن أن يكون الباب مفتوحا لإقامة دعائم دولة القانون فى المستقبل القريب. دولة القانون تعنى أولا تطهير القانون ذاته بصياغة دستور جديد وإصلاح قانونى لا يجعل مسئولا فوق الحساب، ويتابع أسباب الفساد ويخضعها للمساءلة والعقاب الناجز، وتعنى ثانيا استقلالا كاملا للقضاء فى مواجهة كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية،وتعنى ثالثا رأيا عاما ناضجا ومستنيرا تقوده حركات سياسية وقوى مجتمعية تضع مصلحة الوطن فى المحل الأول لأن مصالحها فى المدى البعيد هى متطابقة مع مصلحة الوطن. وضمان توافر هذه الشروط فى المستقبل هو وجود تجمع من قوى الثورة يغالب الشعور باليأس من غياب مرشح له يمكن أن يكون أول رئيس للجمهورية الثانية فى مصر، ويعرف أن تاريخ كل الثورات قد شهد هذه الانتكاسات المؤقتة، ولكن تحقيق أهدافها رهن بوحدة المؤمنين بأهدافها وتصميمهم على مواصلة النضال من أجل تحقيقها. وقد كانت صياغة وثائق ماسمى ب»العهد» هى الخطوة الأولى على هذا الطريق فى مصر. فليكن حساب الرئيس القادم على أساس مدى التزامه بتحقيق شروط هذا العهد هو خطوة على الطريق الطويل لإرساء دعائم دولة القانون فى مصر.

 

وحتى لا يشك أحد فى أنى كتبت هذه السطور تزكية لمرشح معين، فإنى أعلن على رأس الأشهاد أنى سأبطل صوتى إن ذهبت لأشارك فى انتخابات لا يتنافس فيها مرشح ينتمى إلى صفوف الثورة.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات