إبراهيم الخليل ومراجع العهدين القديم والجديد - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 10:34 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


إبراهيم الخليل ومراجع العهدين القديم والجديد

نشر فى : الأربعاء 13 مايو 2020 - 9:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 مايو 2020 - 9:25 م

عقب الأستاذ العقاد على المراجع الإسرائيلية، بأن شراح العهد القديم اتفقوا على «تعدد النسخ» التى جمعت منها الأسفار الخمسة الأولى بصفة خاصة، وأهمها نسخة «الوهيم» ونسخة «يهوا» ونسخة «الكهنة أو المسجلين» فضلا عن النسخة المسماة بنسخة التثنية التى لم يجد العقاد داعيًا للتطرق إليها بسبب أسلوبها اللغوى الذى لا يسهل التبسط فى خصائصه عند الكتابة بلغتنا العربية.
ومن هذه النسخ ما كتب قبل الميلاد بثلاثة قرون، وأقدمها عهدًا بينها وبين عصر الخليل ما يبلغ ألف عام.
ويذكر الأستاذ العقاد أن الكهنة اجتهدوا فى تكملة الأجزاء الناقصة التى بين أيديهم عن طريق المقابلة بين الأخبار، وأطال هؤلاء الشراح فى مقابلة المراجع، ومن هذه النسخ ما ورد فيه عهد الميراث لإبراهيم، ومنها ما لم يرد فيه هذا العهد قبل مولد اسماعيل.
ويبسط الأستاذ العقاد شرحه لكتاب «المشنا» القديمة.. أهم المراجع الإسرائيلية بعد التوراة، وما تحفظه «المشنا» مما استُظْهِرَ منه «التلمود» فى نشأته الأولى، وما يزيد على «المشنا» من كتب تسمى «التصافون» من مادة يصاف أى يضاف ومعناها الإضافات، وأكثرها من وضع الكهان الأوروبيين إلى القرن الثانى عشر للميلاد. ومن مرويات «المشنا» و«الجمارة» تجتمع كتب التلمود، وهى قسمان: تلمود بابل، وتلمود فلسطين، ولكن التلمود لا يحتوى ــ فيما يقول ــ كل ما فى المشنا والجمارة.
ويشير الأستاذ العقاد إلى المأثورات الإسرائيلية التى عرفت باسم «المدراش» أو الدراسات، وتتضمن أقوال الفقهاء وحواشيهم على النصوص والمحفوظات، وأشهرها «مدراش رباه» التى تدور كل دراسة منها على سفر من أسفار التوراة الخمسة.
* * *
ويستطرد الأستاذ العقاد فيورد أن اسم خليل الله وحبيب الله ــ يطلق فى الكتب الإسرائيلية على أنبياء غير إبراهيم، أشهرهم موسى ويعقوب وسليمان، وأنه يغلب على الكتب المتأخرة وصفه بالحبيب، ويعتقدون أنه هو المقصود بقول «ارميا» فى الإصحاح الحادى عشر «ما لحبيبى فى بيتى» ( ارميا 11: 15 ).
ويضيف أنه كثيرًا ما يقال فى كتب «المدراش» والتعليم ــ أن الدنيا خلقت من أجله، وأن أبناء نوح ضلوا عن سواء السبيل وعبدوا الأصنام، وأن مولد إبراهيم كان لاحقًا بسنين لأبيه «تارح»، وأن مولده كان مرصودًا فى الكواكب فأطلع عليه النمرود واستشار الملأ من قومه فأشاروا عليه بقتل كل طفل ذكر واستحياء البنات وإغداق العطايا على أهليهن ليفرحوا بمولد البنات.
ويستطرد الأستاذ العقاد فى تتبع هذه القصص، يحدوه إثبات أن إبراهيم الخليل شخصية حقيقية لا وهمية كما تأول البعض، وهو ما أظن أنه تأويل باطل لا يحتاج كشف بطلانه لهذا الجهد الجهيد الذى أفاض فيه الأستاذ العقاد إفاضة تتفق مع موسوعيته وقوة عارضته.
* * *
ويورد الأستاذ العقاد أن كتب «المدراش» تتفق على وصف الخليل بالسماحة والكرم والعطف على خلق الله من الإنسان والحيوان، وأنه عاش حياته يطعم الفقير ويحسن على الجميع ويفتح بابه للاستضافة ولا يجلس إلى الطعام إلاَّ إذا نادى على الرائح والغادى ليشاركوه الطعام.
وتذكر «مدراش رباه» فيما تذكر أن إبراهيم شفيع أمته يوم القيامة، وأنه سيقف على باب جهنم فلا يدع إسرائيليًّا مختونًا يدخلها، وأن من ختن منهم مهما كانت ذنوبه ستصح له نعمة الغفران.
أما «سارة» فقد خصتها «المشنا» بقسط كبير من الأخبار والنوادر، لم يخل منها خبر أو نادرة من خلاف كثير، فهى تارة أخت غير شقيقة لإبراهيم، وتارة بنت أخيه الذى مات قبل الهجرة إلى أرض كنعان. وهى المرأة الوحيدة التى يقال إن الله خاطبها وهى نبيّة تنظر إلى الغيب وتدعو إلى الله أن ينقذ ذرية إبراهيم مما سيلقون من المحن والشدائد، ولكنها فى مواطن كثيرة تعاقب لمخالفة السنن وضعف اليقين.
وينتهى الأستاذ العقاد إلى أن هذه المرويات المتواترة بالسماع، لا يظهر فيها الاعتماد على النصوص المكتوبة ولا سيما نصوص التوراة، لأنها تخالف هذه النصوص بل وتناقضها أحيانًا، وليست نصوص العهد القديم هى الأصل الوحيد الذى تدور عليه هذه الحواشى والتعليقات.
المراجع المسيحية
لم تزد المراجع المسيحية المعروفة بالعهد الجديد، والمتمثلة فى الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل وأقوال الحواريين الملحقة بها ــ لم تزد شيئًا على سيرة الخليل الواردة فى سفر التكوين، ولكنها جاءت ــ فيما يقول العقاد ــ بتطور مهم فى دعوته كما تلقاها اليهود فى عصر ميلاد السيد المسيح، ويبدو هذا التطور فى ثلاث مسائل من كبريات المسائل الدينية:
مسألة الحياة بعد الموت.
ومسألة الوعد الإلهى للشعب المختار وعلاقته بالقومية أو الإنسانية.
ومسألة الشعائر وعلاقتها بالروحانيات والجسديات.
ففى عصر الميلاد كانت طائفة «الصدوقيين» من اليهود، تنكر القيامة بعد الموت، ولا ترى فى كتب موسى الخمسة دليلا واضحًا عليها.
وكانت طوائف اليهود الأخرى تؤمن بالثواب والعقاب على الجملة، دون توسع فى وصفهما أو سندهما.
وكانوا إذا وصفوا سوء المصير عبروا عنه بالذهاب إلى «الهاوية» (شيول)، وإذا وصفوا الرضوان قالوا إن الميت انضم إلى قومه أو اجتمع بقومه.
وانتشرت بين أهل فلسطين من اليهود وغيرهم عقائد المصريين فى اليوم الآخر، نقلا عن أهل الإسكندرية التى كانوا يترددون عليها، فى وقت لم تكن فى العالم معاهد للثقافة والبحث أكبر من معاهد الإسكندرية.
فلما جاءت الدعوة المسيحية، جاءت بوصف للعالم الآخر لم يكن معهودًا فى كتب اليهود، ولكنه وصف لا سبيل لهم إلى الاعتراض عليه، لأنه قائم على قاعدة من دعوة إبراهيم.. ففى مسألة الحياة بعد الموت، ضرب السيد المسيح مثل إبراهيم ولعازر والرجل الغنى فى العالم الآخر.
ويقول الشراح إن «عظة» السيد المسيح يمكن أن تكون خبرًا، ويجوز أن تكون مثلا ضربه لهم من قصة معروفة لديهم. ويقول «لوثر كلارك» شارح التوراة والإنجيل إن اسم لعازر «اليعازر» معناه «إيل آزر» أو الله أعان، وإنه من الأسماء التى تطلق على المجهولين عند ضرب الأمثال، مثلما نقول فى العربية زيد وعمرو... إلخ.
والذى لا خلاف عليه أن وصف الحياة الأخرى وما فيها من ثواب وعقاب، مَثَّلَ معنًى جديدًا لم يسبق له مثيل فى كتب العهد القديم. فلم يرد بها ــ فيما عدا كتاب المكابيين ــ عبارة «حضن إبراهيم» أو غيره من الأنبياء بهذا المعنى الذى ورد بدعوة السيد المسيح.
وقد كان رجاء الحياة بعد الموت مقصورًا فى أيام العهد القديم ــ على البعث الذى سيعقب ظهور المسيح، ولكن صار شائعًا بين طوائف اليهود فى عهد عيسى عليه السلام ــ أمثال مثل الغنى والعازر فى انجيل لوقا.. وفيه يقول السيد المسيح: «فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم»، ومن هذه العبارة صار «حضن إبراهيم» مرادفًا لمعنى النعيم أو السماء.
أما «الهاوية»، فقد ورد فى المزمور السادس عشر من مزامير داود (16: 10)، وفى الإصحاح الثانى عشر من سفر دانيال الذى جاء فيه «وكثيرون من الراقدين فى تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار.. » (دانيال 12: 2) ؛ ولكن ورد فى سفر التكوين أن «الهاوية» مصير جميع الموتى، وجاء على لسان يعقوب فى الإصحاح السابع والثلاثين من سفر التكوين وهو يبكى نجله يوسف: «إنى أنزل إلى ابنى نائمًا إلى الهاوية». ( التكوين 37: 25 ).
وكل ما ورد فى العهد القديم باسم جهنم، هو فى الأصل العبرى ــ فيما يقول العقاد ــ باسم «شيول» أو «الهاوية».
أما عقيدة الحياة بعد الموت للأبرار والأشرار، فقد وردت فى عصر المسيح على نحوٍ لم يكن معروفًا قبله.

Email:rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

التعليقات