تركيا 2050.. بين الحقيقة والأوهام - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الأربعاء 12 مايو 2021 10:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


تركيا 2050.. بين الحقيقة والأوهام

نشر فى : الأحد 14 فبراير 2021 - 8:45 م | آخر تحديث : الأحد 14 فبراير 2021 - 8:45 م

ما هى حقيقة خريطة النفوذ التركى عام ٢٠٥٠، وهل تعبّر فعلا عن أحلام الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وأنصاره فى تركيا والمنطقة، أم مجرد تكهنات بحثية أو استخبارية أمريكية، لا تمانع فى عودة الخلافة العثمانية بشكلها القديم، لكن فى صورة حديثة، والسؤال الأخير: من يا ترى المستفيد الآن من إعادة الروح لهذه الخريطة المعلن عنها قبل ١٢ سنة؟!
فى عام ٢٠٠٩ أصدر الكاتب والباحث الأمريكى جورج فريدمان كتابا عنوانه: «الـ ١٠٠ سنة القادمة.. التوقعات للقرن الـ ٢١»، والكتاب كما يبدو من عنوانه يتضمن توقعات للأوضاع الاستراتيجية والجيوسياسية فى العالم، خلال القرن الذى نعيشه، وإمكانية تغير مراكز القوى.
وبشأن هذه الخريطة فإن الباحث الأمريكى توقع أن يتوسع النفوذ التركى ليشمل مناطق كثيرة تبدأ من جوار تركيا المباشر فى شرق المتوسط مثل اليونان وقبرص ثم ليبيا فى شمال إفريقيا، مرورا بمصر ومنطقة الشرق الأوسط خصوصا العراق وسوريا ولبنان والأردن، ومعها منطقة الجزيرة العربية أى كل الخليج العربى واليمن، ثم يمتد هذا النفوذ إلى آسيا الوسطى، شاملا أرمينيا وأذربيجان وتركمستان وكازاخستان ومعظم مناطق بحر قزوين، وصولا إلى جورجيا والقوقاز، وأقاليم كثيرة جنوب روسيا وجزيرة القرم وشرق أوكرانيا.
هذه الخريطة ظلت حبيسة رفوف مكتبات الباحثين، لكن قناة تركية قررت عرضها قبل أيام، فدبت فيها الروح وأثارت الكثير من الجدل والتفاعل.
أنصار أردوغان خصوصا على السوشيال ميديا، احتفوا بها، واعتبروها بشارة لما يتمنونه، خصوصا أنها تشبه إلى حد كبير خريطة الخلافة أو الدولة أو الإمبراطورية العثمانية، التى أسسها عثمان الأول بن أرطغرل، واستمرت قائمة حوالى 600 سنة، من 27 يوليو 1299م حتى ألغاها مصطفى كمال أتاتورك 29 أكتوبر 1923.
لكن الملف لنظر كثيرين أن الخريطة خلت تماما من إيران وإسرائيل.
والملاحظة المهمة أيضا هى أن مثل هذه النوعية من الكتب صدرت قبل ذلك وتصدر كل فترة عن توقعات تغير موازين القوى وصعود دول وهبوط أخرى.
لكن الملفت فى هذا الكتاب تحديدا أنه صادر عن مؤسس مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكى «ستراتفور».
هذا المركز تعتبره بعض وسائل الإعلام الأمريكية والغربية، هو المركز الظل للمخابرات المركزية الأمريكية «CIA».
صحيح أنه مركز خاص، لكنه يعتبر أهم مؤسسة تعنى بقطاع الاستخبارات، ولا يخفى طبيعة عمله الاستخبارى. وكما تقول صحيفة «زمان» التركية فإن هذا المركز يجسد أحد أبرز وجوه خصخصة القطاعات الحكومية الأمريكية. ثم إن غالبية العاملين والباحثين فيه، موظفون سابقون فى أجهزة الاستخبارات الأمريكية. وفى تسريبات موقع «ويكليكس»كان هناك نصيب كبير لوثائق ومعلومات صادرة من هذا المركز.
من حق أى باحث، وكاتب أن يصدر ما يشاء من الكتب، ويتوقع ما يشاء من التحليلات، ومن حق أردوغان وأنصاره أن يحلموا بأن يسيطروا على كل العالم القديم منه والجديد، ومن حق الآخرين أن يختلفوا مع توقعات الكتاب، بل وربما يتوقعون عكسها تماما، لكن ظنى أن إعادة الروح لمثل هذه الخريطة، أو حتى الحديث عن «الوطن الأزرق» بالمفهوم القومى، قد يؤدى إلى عكس تمنيات أردوغان تماما.
ومفهوم «الوطن الأزرق» لدى القوميين الأتراك أن بلادهم تمتلك 462 ألف كيلومتر من العمق البحرى فى مياه شرق المتوسط وبحر إيجة والبحر الأسود، وقد سلبت هذه المياه الوافرة بالثروات ومصادر الطاقة من الخارطة التركية بفعل المؤامرات التى حاكتها القوى الإمبريالية فى غرب أوروبا ضد أنقرة فى أعقاب الحرب العالمية الأولى.
أحد التقديرات أن مثل هذه الخريطة الأخيرة، مع السياسات التى يتبعها أردوغان فى المنطقة، قد تؤدى إلى استنفار الجميع ضد أحلام أو أوهام أردوغان، خصوصا أن أوروبا بدأت بالفعل تتحدث بصوت مرتفع عن خطورة الظاهرة الأردوغانية، وما كان همسا صار صاخبا، وسمعنا للمرة الأولى عن عقوبات أوروبية ضد أردوغان، بعد أن كان الأخير يحلم بالانضمام للاتحاد الأوروبى.
تقديرى أن مجمل سياسات أردوغان، خصوصا المتعلقة بدعمه لقوى التطرف والعنف والإرهاب فى المنطقة، جعلت العديد من بلدان وشعوب المنطقة تتذكر السياسات العثمانية التى أدت إلى إفقار واستنزاف المنطقة العربية، فى حين أن قلة كانت تراها مجسدة للخلافة الإسلامية.
ظنى أن نشر هذه الخريطة فى هذا التوقيت، وإذا كان يحاول معرفة ردود الأفعال عليها، ومدى إمكانية تطبيقها، فهو ربما يحاول أيضا لفت الانتباه لمقاومتها وإفشالها.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي