لمن يكون الشرق الأوسط؟ سؤال لا أحبه - جميل مطر - بوابة الشروق
الخميس 5 أغسطس 2021 11:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الأداء المتميز.. هل يحقق منتخب اليد المصري ميدالية أوليمبية في طوكيو؟

لمن يكون الشرق الأوسط؟ سؤال لا أحبه

نشر فى : الأربعاء 14 أكتوبر 2020 - 10:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 14 أكتوبر 2020 - 10:15 م

عشت ما يقارب القرن، وما زلت أسمع من يردد السؤال الأسخف بين كل ما تردد من أسئلة خلال القرن الماضى. هذه المرة كان السائل واحد من أشهر السخفاء، وأزعم أن لدى من الأسباب ما يجعلنى أصنفه بين من يستحقون صفة مجرمى الحرب، إنه بول فولفوفيتز Paul Wolfowitz، الرجل الذى خطط، وحده ثم مع آخرين صرنا نعرفهم، لشن حرب على العراق لغير ما دافع شرعى أو حقيقى، هذه الحرب التى يكاد يجمع كل من أشعلها أنها كانت كيدية وعنصرية ومدمرة.
لعلها كانت الخطوة الأولى فى عملية تدمير الشرق الأوسط تمهيدا لإعادة بنائه وفق رؤية لم تعلن وقتها ولم تسجل فى وثيقة أو خطة، وعلى كل حال لم نشاهد بعد البناء الجديد إن كان هناك بناء. شاهدنا دمارا فى مكان يليه دمار فى مكان آخر وثالث ورابع وخامس وعدد لا نهائى. مزقوا الخريطة التى تعلمنا على بحارها وحدودها وهضابها وأنهارها وتلالها وصحراواتها علم الجغرافيا وحكايات المهد العديدة التى صنعت فى مجملها فجر تاريخ البشر.
***
هناك من يسأل: وماذا يهم لو خرج من زبالة التاريخ من يسأل الآن لمن يكون الشرق الأوسط؟ نعم يهم. أولا يهم لأن هذا الإقليم تسكنه أمم من البشر ظنت أن مبادئ الدول وقانونها تقر بأن من يعيش على أرض لآلاف السنين يصبح مالكها ولا يجوز أن ينازعه أحد فى ملكيته لها. ويهم ثانيا لأن بول فولفوفيتز كان الشخص الذى خرج قبل أيام قليلة يسأل السؤال السخيف، لمن يكون الشرق الأوسط؟ بول لا ينسى أن حكومة بلاده استولت على الإقليم لسنوات قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، حكمت خلالها وهيمنت ونهبت وأذلت بعد أن فرضت أفكارها وأنماط حياتها وبعض عقائدها الاقتصادية والاجتماعية، ثم هى اليوم تتعجل الخروج من الإقليم، أيضا بدون مبرر مقنع. لم نقاومها عسكريا ولا سياسيا. لم نطالبها بالخروج حتى عندما راحت تنتزع ملكية أراض وتسلمها لليهود بدون صكوك. تخرج وهى تسأل بكره أو شفقة لمن سيكون الشرق الأوسط بعد خروجها.
***
تعرضت أمريكا خلال العقود الثلاثة الماضية لأزمات عديدة تلاحقت ساهمت فى سرعة انحدارها. من الأزمات التى خلفت جروحا غائرة فى سمعة النخبة الأمريكية الحاكمة إخضاع أكثر من رئيس لإجراءات تحقيق أو محاكمة. منها أيضا اختيار رئيس للدولة بعيدا عن صندوق الانتخاب وإن بالرجوع إلى حكم من المحكمة الدستورية العليا، ويبدو أن الأمر سوف يتكرر فى انتخابات نوفمبر فى حال فاز بأغلبية الأصوات المرشح الديمقراطى جو بايدين. فى مرحلة غير بعيدة استولت على إدارة مقاليد البلاد أقلية مغامرة أطلقت على نفسها اسم «المحافظون الجدد». شنوا حربا فى أفغانستان لا تزال مشتعلة بينما تحاول الآن القيادات الأمريكية جميع الانسحاب بالتسلل، وشنوا حربا ضد العراق وبطلها بول فولفوفيتز وارتكبوا فيها جرائم لا تحصى على رأسها حروب أهلية لم تتوقف وسرقات على الملأ لنفط البلاد، ولا يزال الرئيس ترامب يصر على أن أمريكا لم تحصل من العراق على تعويض عما تكلفته واشنطون فى الحرب. ومن الأزمات أزمة مالية أمريكية ضربت إلى الأعماق الاقتصاد العالمى، ارتفق بالأزمة وصول رئيس للبلاد من الأقلية الأفرو أمريكية، الأمر الذى أعاد إلى سطح الحياة السياسية توترا وأثار أمواجا عاتية لا تزال تهدد استقرار أمريكا وتربك نوايا الترميم والإصلاح، ثم حل بالبيت الأبيض الرئيس الأشد غرابة فى التاريخ الأمريكى ونزلت بالبلاد فى نهاية عهده كارثة وباء الكورونا، الكارثة التى أطاحت فى شهور بأكثر من ربع مليون مواطن أمريكى وفضحت الحال البائسة التى تردت إليها البنى التحتية الأمريكية والمستوى المتدنى لمؤسسات الدولة ونظم الرعاية الاجتماعية.
***
يصبح مفهوما وأمر الولايات المتحدة على هذا النحو أن تعلن واشنطون عن مزاد عالمى تعرض فيه التنازل عن بعض هيمنتها على الشرق الأوسط مقابل ترتيبات أمنية فى منطقة تمتد من الهند نحو الشرق حتى غرب الولايات المتحدة، وترتيبات فى بحر البلطيق نعرف أن لا دولة أو مجموعة من الدول تقدمت بطلب الحصول على الحق فى الهيمنة الأحادية أو المطلقة على الإقليم، والتخمينات ترشح دولتين هما روسيا بحكم وجودها العسكرى والسياسى على الأرض والصين بحكم التوسع المتسارع فى تنفيذ عمليات ربط اقتصادات فى المنطقة بشبكة مبادرة الحزام والطريق، الظن الغالب بين المهتمين بشئوننا هو أن المسألة لن تحسم قريبا للأسباب التالية:
أولا.. اكتشاف أن أمريكا فى حال أسوأ مما تصور كل الأطراف، ولا تحسُن أو انفراج منتظر عند الأفق. وبالتالى لن تتمكن الأطراف مجتمعة أو متفرقة من حسم الرغبات والطموحات الإقليمية فى وقت مبكر.
ثانيا.. مسألة من هذا النوع، أقصد صلاتها بأوضاع إقليمية ودولية حساسة ودول إقليمية فى أوضاع مرتبكة ودول كبرى لم تتوصل بعد إلى تحديد حدود توسعاتها وقدراتها على تعبئة الإمكانات اللازمة لتنفيذ هذه التوسعات، لن تجد الحسم الضرورى إلا بعد أن تتضح معالم النظام الدولى القادم. البدائل المتصورة حتى الآن هى القائمة أو المتاحة بدون بوادر تغيير يذكر وهى (أ) استمرار الأحادية الراهنة على تهالكها وجمودها ومضارها على الاستقرار العالمى (ب) نظام هجين بين أحادية منفتحة على تعددية تجرب حظها فى ظل هيمنة أمريكية على طريق الانسحاب (ج) نظام تعددى يجمع كل الأقطاب الكبرى فى شكل أقرب لنظام الوفاق الأوروبى الذى ساد لبعض الوقت فى القرن التاسع عشر فى أوروبا (د) أحادية جديدة تقيمها الصين فى حال استمر انحدار الولايات المتحدة إلى ما دون أسوأ التوقعات. وهو البديل الأبعد.
***
فى غياب المنافسة القوية والجادة بين الدول الكبرى فى الاستعداد لدخول هذا المزاد، نزل إلى الساحة عدد من دول الصف الثانى وهى بالتحديد تركيا وإيران وإسرائيل. جرت العادة، واللغة الدبلوماسية والأكاديمية السائدة لعشرات السنين، أن أطلقنا على تركيا وإيران صفة دول الجوار، ثم تدخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب وعائلة إيفانكا كوشنر فجعلت إسرائيل جارا ثالثا. يجب أن نعترف، نحن العرب، أننا بهذه الإضافة سقط حقنا فى أن نحدد من هو الجار ومن الغريب. وبفضل تراخينا وغيابنا المتكرر والنقص المستمر فى القدرة الفردية والقطاعية والجماعية على تشغيل طاقاتنا وخبراتنا، ثم أخيرا وليس آخرا، بفضل السرعة المبهرة فى الاستسلام، انحنينا باستعجال أمام «واقع» من المؤكد أنه كان لا يزال رهن التكوين. فاجأناه بالقبول والرضا قبل أن يكشف عن وجهه ويقرر لنا مستقبلنا باعتبارنا جزءا من نظام إقليمى يتشكل بالفعل أمام أعيننا. نرى أدوارا تتحدد وتتوزع، ونرى دولا كبرى وعظمى تتقرب من أو تبتعد عن الأطراف التى عينت نفسها بالفعل أقطابا فى الإقليم الجارى تشكيله. أرى تجاهلا كاسحا للدول والمؤسسات العربية التى كانت فى وقت من الأوقات محور جوهرى من محاور السياسة الدولية.

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي