عبدالناصر وعصره.. مراجعات صنع الله إبراهيم - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 8:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


عبدالناصر وعصره.. مراجعات صنع الله إبراهيم

نشر فى : الأربعاء 15 يناير 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 يناير 2020 - 9:55 م
«لماذا تدافع عمن سجنك لخمس سنوات؟».
كان ذلك سؤالا طارده عبر السنين والعقود مستغربا دفاعه بحماس بالغ بأى محفل وفى كل وقت عن «جمال عبدالناصر».
فى تصريحاته، كما فى أعماله الروائية، لم يتراجع يوما، ولا غير أفكاره بيوم آخر، لكنه لم يتح له أن يعبر عن كامل وجهات نظره فى الرجل وعصره، كما فعل فى روايته الجديدة «1970».
الرواية أقرب إلى مناجاة طويلة مع رجل رحل قبل نصف قرن، يخاطبه كأنه يسمع، يراجع معه مواطن الخلل فى تجربته التى أفضت إلى الانقضاض عليها، ينقده بقسوة أحيانا ويعاتبه أحيانا، ولا يخفى محبته وتماهيه مع عذابه الإنسانى فى مرضه، الذى لم يتح له فرصة التقاط أنفاس تحت وطأة تدافع الحوادث والأزمات.
شأن أغلب روايات «صنع الله إبراهيم» فهو يعتنى بالتسجيل، كأنه يرسم بالأخبار والوقائع يوما بيوم صورة تلك السنة، أزماتها وتحدياتها والأحوال الثقافية والفنية فيها، تكاليف المعيشة والإعلانات المنشورة، حرب الاستنزاف وشهدائها، المقاومة الفلسطينية والانقضاض عليها فى «أيلول الأسود».
العمل الروائى يكتسب قيمته من فنيته وما ينطوى عليه من فلسفة حياة، لا هو موضوع فى التحليل السياسى ولا تأريخ لمرحلة، غير أن التاريخ بصراعاته وتناقضاته مادة ثرية للدراما.
عندما أدخل السجن فى الثانية والعشرين من عمره، كان يدرس القانون فى كلية الحقوق، ويعمل موظفًا بمكتب ترجمة حتى يواصل تعليمه.
رأى بعينيه الوقائع المشينة لمقتل المفكر اليسارى «شهدى عطية الشافعى» تحت الضرب المبرح فى معتقل «أبو زعبل» يوم (١٧) يونيو (١٩٦٠).
لأسباب تتعلق بضعف بنيته الجسدية جرى تنحيته على جنب حتى لا تزهق روحه من أول ضربة.
رفض الإدلاء بأقواله أمام سلطات الأمن خشية على حياته، وتحدث بما رأى أمام النيابة العامة بشجاعة.
نصوص التحقيقات، التى أجرتها النيابة العامة واطلعت عليها، تروى القصة بأدق تفاصيلها، حيث جرى ضرب «شهدى» بين صفين من الضباط والجنود بالتناوب عليه حتى فاضت روحه أمام نحو ثلاثين من رفاقه، الذين تلقوا بدورهم ضربًا قاسيًا.
استقرت التجربة فى وجدان «صنع الله إبراهيم» بكل آلامها، غير أنها لم تمنعه من أن يرى عمق التحولات فى مجتمعه ولا تناقضات المشروع مع نظامه.
وهو يستعيد مع «عبدالناصر» فى روايته ما حدث داخل المعتقلات من حوارات وتفاعلات أجاب عن السؤال الذى يستغرب دفاعه عمن سجنه:
«ما قمت به من إجراءات تجاوزت ما كانوا يطالبون به وفاقت فى أحيان كثيرة أقصى أحلامهم بل ولم تكن قد خطرت لهم ببال، من أول تأميم الشركات الكبرى وإشراك العمال فى إدارتها إلى تخفيض إيجارات المساكن ومنع الفصل التعسفى للعمال فضلا عن تصديك بصلابة للأطماع الاستعمارية والمخططات الرجعية مما دعم اتجاه بعضهم (حدتو – بالتحديد) إلى اعتبارك من الوافدين الجدد إلى معسكر الاشتراكية المتنامى».
شىء من المناجاة المماثلة سبقه إليها «يوسف إدريس» فى قصته القصيرة «الرحلة»، التى نشرت بصحيفة «الأهرام» قبل وفاة «عبدالناصر» بثلاثة أشهر، كأنه يقرأ فى كتاب مفتوح متوقعا قرب رحيله.
«وداعًا يا سيدى يا ذا الأنف الطويل وداعًا».
«لماذا كنا نختلف؟ لماذا كنت تصر وتلح أن أتنازل عن رأيى وأقبل رأيك؟ لماذا كنت دائمًا أتمرد؟ لماذا كرهتك فى أحيان؟ لماذا تمنيت فى لحظات أن تموت لأتحرر؟ مستحيل أن أكون نفس الشخص الآن الذى يدرك أنه حر، الحرية الكاملة بوجودك معه، إلى جواره، موافقًا على كل ما يفعل».
«تصور يريدونك أنت الحى جثة يدفنونها.. مستحيل، يقتلوننى قبل أن يأخذوك، ففى أخذك موتى، فى اختفائك نهايتى، وأنا أكره النهاية كما تعلم.. أكرهها أكرهها».
إنه إلهام الأدب وروح التراجيديا التى تتوقع شيئًا ما غامضًا يحدث فجأة والتوحد مع بطله.
بالتكوين السياسى لم يكن «يوسف إدريس» ناصريًا، تماما مثل «صنع الله إبراهيم».
وبالتجربة الإنسانية فقد عارضه ودخل سجونه قبل أن يعاود النظر فى تجربته ويدافع عنها، وهو ما حدث مع «صنع الله إبراهيم» الأحدث جيلا.
باعتراف «إدريس» فى قصته القصيرة فقد كان يتمنى أن يموت «عبدالناصر» حتى يتحرر ويجاهر بأنه كان يكرهه، فإذا به قرب ما استشعر أنها النهاية يتوحد معه ويعلن استعداده للقتال حتى لا يصلوا إليه.
نفس الموقف تبناه أدباء كثيرون، انتسبوا بدرجة أو أخرى إلى اليسار، مثل الشعراء «صلاح عبدالصبور» و«فؤاد حداد» و«عبدالرحمن الأبنودى» و«أحمد فؤاد نجم»، أدخلوا السجون لفترات من حياتهم.
بأى نظر موضوعى فإن الفارق بين الكراهية المقيتة والمحبة الغامرة هو حجم الإنجاز الاجتماعى الذى تحقق بين عامى (١٩٥٤) و(١٩٧٠)، وحجم ما حلق فى الأفق العام من آمال وأحلام لامست عمق اعتقاد جيل الأربعينيات الذى ينتسب إليه «إدريس».
على نفس الطريق مضى «صنع الله إبراهيم» ابن جيل الستينيات فى الدفاع عن «عبدالناصر» دون أن ينسب إليه مرة واحدة أى تعبير يشتم منه بصورة مباشرة أو غير مباشرة أية كراهية.
كانت أزمة مارس (1954) ذروة الصدام بين رجل يوليو القوى وتنظيم «حدتو». الذى انتسب إليه «صنع الله» مطلع شبابه، بعدها راجع أغلب كوادره مواقفهم، تسامى أغلبهم عن مرارة تجربة السجن، التحقوا بتجربة «يوليو» ودافعوا عنها بعد غروبها.
لم يجر الصدام بين «يوليو» و«حدتو» فى فراغ سياسى، ولا تلخصت أسبابه فى «أزمة مارس» وسؤالها عن الطريق الذى يجب أن تنتهجه مصر: الديمقراطية أم الثورة؟.. عودة القوى القديمة أم المضى قدمًا فى تغيير المعادلات الاجتماعية والاستراتيجية؟
كانت هناك أزمات أخرى استدعت الصدام، بينها الموقف من القضية الفلسطينية: هل هى قضية وجود تخص العرب جميعهم ويرتبط بها المصير العربى، أم أنه يمكن حلها بوحدة الطبقة العاملة فى فلسطين المحتلة بين العمال اليهود والعرب؟
خضعت تلك النظرة لتأثير اليهود المصريين، الذين ساعدوا فى تأسيس التنظيمات الشيوعية، وتصدروا مراكزها القيادية، كما لنفوذ الاتحاد السوفيتى عليها.
جرت صدامات وصراعات وانشقاقات داخل التنظيمات الشيوعية حول هذه النقطة بالذات.
فى نهاية المطاف حسمت التوجهات لصالح الرؤية التى تبنتها «يوليو» بالانحياز إلى عروبة فلسطين، وحق شعبها فى التحرر الوطنى.
جرى استدعاء الصدام مرات ثالثة ورابعة على خلفية الموقف من الوحدة السورية ــ المصرية، التى ناهضها الحزب الشيوعى السورى، والصراع بين القوميين العرب والشيوعيين على السلطة فى العراق، وقد كان دمويًا.
باختلاف المواقع والمواقف تصاعدت المواجهات وجرت اعتقالات فى مصر.
مع بدء التحول الاشتراكى اختلفت البيئة العامة، حلت الأحزاب الشيوعية نفسها، واندمج أفضل مفكريها وكوادرها فى بنية «التنظيم الطليعى»، وهو جهاز سرى أنشئ داخل الاتحاد الاشتراكى بهدف تطويره وفرز عضويته.
لم يتسن لذلك الهدف أن يتحقق بالصورة التى راهن عليها «عبدالناصر».
كأى حزب سلطة، مفتوح أو طليعى، فإنه مطمع لكل أصحاب المصالح.
فى المناجاة مع «عبدالناصر» تبنى «صنع الله إبراهيم» رؤية «حدتو» مع شىء من المراجعة، انتقد وعاتب، لكنه فى آخر جملة من روايته لخص قسوة الدراما فى تجربته وعمق أمله فى المستقبل: «خذلت نفسك وخذلتنا.. ثم ذهبت، وذهبت معك مقدرات الأمة وآمالها.. إلى حين!».