اللغة والعلم - سامح مرقص - بوابة الشروق
السبت 21 مايو 2022 8:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد طلب النادي الأهلي بإعادة مباراته أمام البنك الأهلي في الدوري العام؟

اللغة والعلم

نشر فى : السبت 15 يناير 2022 - 8:35 م | آخر تحديث : السبت 15 يناير 2022 - 8:35 م

 

اللغة هى نظام للتعبير عن الأفكار عن طريق النطق أو الكتابة ومن خلالها يحافظ الناس على تاريخ مجتمعاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم.
تهتم اللغة الأدبية بالجمال اللغوى والإلهام الفنى الذى يمثل الذات الداخلية للكاتب، ولكن لغة العلم تلتزم بقواعد الكتابة العلمية التى تشمل الدقة، استخدام جمل قصيرة ذات معانٍ محددة، تجنب المفردات الغامضة، وتقديم الأفكار بطريقة منطقية، هذه القواعد مماثلة لنمط النصوص الحجاجيّة التى تُكتب بلغةٍ ذات صفات تقريريَّةٍ وموضوعيَّةٍ، من خلال عرض الأفكار المراد التعبير عنها بطريقة واضحة وسلسة، وطرح الحجج من أجل الإقناع والدلالة على بطلان الرأى أو صحّته، ويعودُ هذا الأسلوب إلى الفيلسوف اليونانيّ أرسطو.
منذ النصف الثانى من القرن الثامن وحتى نهاية القرن الحادى عشر، كانت اللغة العربية هى اللغة العلمية للبشرية وكان «بيت الحكمة فى بغداد» مركزًا لدراسة العلوم المختلفة، ومن مشاهير هذا العصر الذهبى ابن الهيثم، وابن سينا، والرازى، والخوارزمى، والكندى، وغيرهم من كبار العلماء، وكانت أوروبا فى ذلك الوقت تلجأ إلى المصادر العربية لتوسيع معرفتها العلمية والعديد من الكلمات العلمية المستخدمة فى اللغات الأوروبية حتى يومنا هذا مكتسبة من اللغة العربية مثل الكيمياء، الكحول الجبر، الخوارزمية (algorithm)، وغيرها الكثير، حتى نظام الأرقام المستخدم اليوم تم تقديمه للأوروبيين من قبل العرب.
كانت اللاتينية هى لغة التواصل بين العلماء فى أوروبا فى العصور الوسطى، ثم الفرنسية والإنجليزية والألمانية فى القرن التاسع عشر، ومنذ النصف الثانى من القرن العشرين، أصبحت الإنجليزية لغة العلم مع تصدر الولايات المتحدة مجال البحث العلمى، وحاليًا 98٪ من المنشورات العلمية باللغة الإنجليزية، استخدام لغة واحدة فقط للعلم ساعد على سرعة التواصل بين العلماء لمشاركة أبحاثهم واكتشافاتهم الحديثة، وإتقان اللغة الإنجليزية أصبح أمرًا ضروريًا للباحثين الذين يرغبون فى إنتاج أوراق بحثية مؤثرة ومعترف بها عالميًا.
الآن الإنجليزية هى اللغة الأكثر استخدامًا فى جميع أنحاء العالم، فهى من إحدى اللغات الرسمية لحلف الناتو والاتحاد الأوروبى واللغة الأكثر استخدامًا على المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعى، وتتميز اللغة الإنجليزية بالقدرة على تقديم أفكار علمية معقدة بدقة ووضوح، وطرح لغوى مناسب لمصطلحات علمية مثل «كوارك» و«كروموسوم» و«ميتوكوندريا» وغيره من الكلمات العلمية، على الجانب الآخر، فشلت المفردات فى العديد من اللغات، بما فى ذلك العربية، فى مواكبة الاكتشافات العلمية وتقديم معادل لغوى مناسب للمصطلحات العلمية.
•••
يرى البعض أن اللغة العربية فى هذا العصر تواجه صعوبات كبيرة وعبر عن ذلك بعض الصحفيين مثل محمد يونس فى الأهرام، 15 ديسمبر 2021 «العربية اسما مرفوعا وحالا منصوبا!»، وعماد الدين حسين بجريدة الشروق «لغتنا الجميلة فى خطر» 23 ديسمبر 2021، وكذلك المستشار عبدالوهاب عبدالرازق رئيس مجلس الشيوخ بقوله فى جلسة افتتاح المجلس «إن الحفاظ على اللغة العربية من أعظم الواجبات الوطنية والشرعية والعملية، وإن المجلس يحض على تعزيز قيمة اللغة فى نفوس كل المتحدثين بها» ولكن الحقيقة التى يجب أن نتقبلها هى أن الإنجليزية هى لغة الأمر الواقع للعلم وأيضا للتواصل الدولى فى معظم المجالات.
اللغة هى مرآة للمجتمع تعكس ثقافته وتقدمه، وترتبط هيمنة أى لغة ارتباطًا وثيقًا بقوة مصدرها فى المجتمع الدولى، لذلك فإن حماية اللغة العربية تتطلب عملا جادا للتقدم اقتصاديا وعلميا حتى تلقى اهتمام المجتمع الدولى، كما هو الحال الآن مع اللغة الصينية الماندرين التى أصبحت لغة مهمة فى جميع أنحاء العالم بسبب النمو الهائل للاقتصاد الصينى، ويعتقد البعض أن الصينية هى لغة المستقبل.
مستقبل اللغة المحلية ليس مصدر قلق فى الدول المتقدمة علميا واقتصاديا، فعلى سبيل المثال على الرغم من التقدم العلمى الهائل فى الصين واليابان يتواصل العلماء الصينيون واليابانيون باللغة الإنجليزية، وفى الصين معرفة اللغة الإنجليزية ضرورية للقبول بالجامعات، وهناك جوائز للباحثين الذين تنشر أبحاثهم باللغة الإنجليزية فى مجلات علمية مهمة، ووفقا لتجربتى الشخصية مع الجيل الجديد من العلماء الصينيين، يمتلك أغلبهم المهارات الأساسية فى استخدام اللغة الإنجليزية.
على الرغم من المزايا الواضحة لاستخدام اللغة الإنجليزية كلغة للعلم، فإن قصر لغة المجتمع العلمى على لغة واحدة فقط له بعض الجوانب السلبية مثل كونها عقبة أمام العقول اللامعة التى ليس لديها المستوى المناسب فى اللغة الإنجليزية لمشاركة أبحاثهم القيمة مع بقية العالم، وكذلك تميز العلماء الذين لغتهم الأولى هى الإنجليزية، خاصة فى عرض أبحاثهم فى المؤتمرات العلمية، حيث تعطى قدراتهم اللغوية انطباعًا جيدًا لا يرتبط بالضرورة بالقيمة العلمية، والعكس صحيح بالنسبة لمن يتحدث الإنجليزية كلغة ثانية، فقد تعطى القدرات اللغوية المحدودة انطباعًا سلبيًا عن المحتوى العلمى، على الرغم من تميزه وجودته، هناك أيضا العديد من المهنيين والباحثين فى كثير من الدول لا يتقنون اللغة الإنجليزية، ويجب نشر المعلومات العلمية بينهم من خلال ورش عمل يقدم فيها الخبراء الدوليون الإرشادات العلمية باللغة الإنجليزية لعدد محدود من الخبراء المحليين الذين يجيدون اللغة الإنجليزية لترجمتها بعد ذلك إلى اللغة المحلية ومشاركة المعلومات المترجمة مع زملائهم من خلال الندوات التعليمية، ولدى تجربة ناجحة مع هذا النوع من ورش العمل استفاد منها العديد من أطباء الأشعة فى أوروبا الشرقية وآسيا وأمريكا اللاتينية.
•••
أخيرا، نشر الثقافة العلمية بين الجماهير يتطلب استخدام اللغة المحلية بأسلوب واضح سهل الفهم، وهذا ما حاولت تقديمه فى كتاب «كلام فى العلم» نقل معلومات بالإنجليزية إلى اللغة العربية وفقا لقواعد الكتابة العلمية التى تلتزم بطرح المعلومات فى نقاط محددة وواضحة، وكما قيل «خير الكلام ما قل ودل» وهذا شرط اساسى فى لغة العلم.

أستاذ الأشعة التشخيصية سابقا بجامعة شفيلد ــ إنجلترا

التعليقات