إعادة التفكير فى علاقات الولايات المتحدة بتركيا بعد هزيمة S ــ 400 - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 22 سبتمبر 2019 11:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

إعادة التفكير فى علاقات الولايات المتحدة بتركيا بعد هزيمة S ــ 400

نشر فى : الخميس 15 أغسطس 2019 - 10:20 م | آخر تحديث : الخميس 15 أغسطس 2019 - 10:20 م

نشرت مؤسسة The German Marshall Fund مقالا للكاتب Şaban Kardaş تناول الأسباب التى دفعت تركيا لإتمام صفقة نظام الدفاع الصاروخى S ــ 400 مع روسيا على الرغم من العقوبات التى هددت بها الولايات المتحدة.. ودور القيادة السياسية والعوامل الخارجية فى النظام الدولى فى دفع تركيا لانتهاج استراتيجيتها الحالية.. مع التركيز على تأثير سياسات الولايات المتحدة «المتذبذبة» على علاقاتها مع حلفائها.
إن إصرار تركيا على المضى قدما فى شراء نظام الدفاع الصاروخى الروسى S ــ 400 بالرغم من تعرضها لخطر فرض عقوبات من جانب الولايات المتحدة قد أعاد إحياء النقاش الدائر حول مستقبل علاقاتها مع حليفتها. وتعددت الآراء حول وصول الأمور إلى هذه النقطة وإلى أين ستتجه. فى حين أن جزء من المسئولية يقع على عاتق الخيارات الاستراتيجية التركية، فإن الولايات المتحدة متواطئة أيضا بعدم قدرتها على التعامل مع الموقف. وبعيدا عن التساؤل حول من يجب أن يلقى عليه اللوم، يحدد نيكولاس دانفورث روايتين لشرح السلوك التركى: «الإحباط» مع حليف لا يشعر بها و«خوف» من تهديدات قوة العدو.
ترتبط هاتان الروايتان بإطار مستويات التحليل الذى يستخدمه الأكاديميون لشرح سلوك الدولة. ووفقا لهم هناك عوامل مختلفة على المستوى الفردى أو مستوى الدولة أو المستوى النظمى تفسر سبب تصرف الدول على نحو معين، بما فى ذلك تشكيل التحالفات. يرتكز تحليل رواية دانفورث على ربط «الإحباط» بمستوى الدولة أو المستوى النظامى، فى حين أن «الخوف» يرتبط أساسا بمستوى التحليل الفردى.
فى صفقة S ــ 400 بين روسيا وتركيا، سادت التحليلات القائمة على المستوى النظمى ومستوى الدولة فى تقييم الأزمة. افترض الكثيرون فى تركيا وخارجها أنه من خلال فتح قنوات اتصال جديدة، ستقنع الولايات المتحدة، إن لم تضغط على، صناع القرار الأتراك فى اللحظة الأخيرة بتغيير المسار. بالإضافة إلى العديد من الزيارات المتبادلة التى قامت بها الوفود الرسمية، التقى السيناتور ليندساى غراهام وغيره من المشرعين بالرئيس رجب طيب أردوغان لمناقشة القضايا التى تؤثر على العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا. لكن هذا لم يكن كافيا للتأثير على النتيجة.. فقام الرئيس أردوغان بالتأكيد فى مناسبات عديدة على وعوده لنظيره الروسى، وأظهر اقتناعه القوى بالمضى قدما فى الصفقة على الرغم من الضغط من أجل تغيير مسارها. بالإضافة لذلك، شدد على عدم رضائه عن شركاء تركيا الغربيين خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة فى عام 2016. وفى هذا الصدد، ظهر كيف أن المستوى الفردى يمكن أن يشكل سلوك الدولة فى تسلم تركيا لـ S ــ 400.
ولعل ما مكن عامل المستوى الفردى ــ أو «الخوف» ــ من الاستمرار فى اتخاذ القرار فى تركيا اليوم هو اندماجه مع المستوى النظمى ــ أو «الإحباط». فالتحولات على الصعيد الدولى أضعفت الأساسيات فى التحالف الأمريكى التركى وخلقت بيئة سمحت بظهور تفكير جديد سيطر على سلوك تركيا الخارجى.
وبالتالى لم يصبح من الغريب أن الجدل القائم حول «الإحباط» لم تتبناه فقط وزارة الخارجية بل أيضا تبنته الأحزاب المعارضة... على سبيل المثال، اعترض زعيم حزب الشعب الجمهورى المعارض ’كمال كيلداروك أوغلو‘ على ضغط الكونغرس الأمريكى على الرئيس دونالد ترامب بفرض العقوبات بحجة أن المخاطر التى تشكلها الجغرافيا التركية تبرر شراء S ــ 400.
ما الخطأ الذى حدث
تسبق الأسباب الجذرية للاختلاف بين تركيا والولايات المتحدة صفقة S ــ 400. لقد اعتقد البعض أن السبب الرئيسى وراء تدهور العلاقات بين الحلفاء هى الأزمة السورية. ولكن فى الواقع تحتاج العلاقات الأمريكية التركية إلى إعادة تعريف أو وضع إطار جديد لها.
أدت الكثير من العوامل إلى إحداث هذه التغييرات. بعد الحرب العالمية الثانية، استوعبت تركيا شكل العلاقات الدولية واختارت تركيا أن تحقق من خلال سياساتها الخارجية استقلالها الاستراتيجى.. إلى جانب رغبتها فى التكيف مع التحولات العالمية فى موازين القوى. بسبب ما تنتهجه تركيا من تفكر استراتيجى، ومع وجود حزب العدالة والتنمية فى سدة الحكم، تعايشت تركيا بالفعل فى عالم متعدد الأقطاب وتسعى إلى المرونة عندما يتعلق الأمر بخيارات التحالف. بالإضافة إلى ذلك، المحاولات المتعمدة لتحدى هيمنة القوة الأمريكية على العلاقات التركية الأمريكية تشكل الرؤية العالمية للقيادة التركية الحالية. ومن ثم ينظر إلى كل قضية من قضايا السياسة الخارجية على إنها صراع لتصحيح العلاقة غير المتكافئة مع الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد عليها. علاوة على ذلك، فإن دورة انعدام الأمن التى أعقبت الربيع العربى لعام 2011 قد طغت على تفكير تركيا الاستراتيجى إلى حد أن المخاوف المتعلقة ببقاء الدولة والنظام أصبحت فى المقدمة. فشكلت انهيارات السلطة المركزية فى المنطقة تحديات مباشرة لتركيا، وأصبح الاهتمام بمنع الآثار غير المباشرة يسيطر على تفكيرها.
وأخيرا وليس آخرا، أحدثت إعادة تشكيل المشهد السياسى الداخلى لتركيا بسبب الاضطرابات الإقليمية فى فترة ما بعد الربيع العربى ثقافة سياسية جديدة غيرت من الأبعاد الشخصية للعلاقة مع الولايات المتحدة. على وجه التحديد، أدى تحول النظام السياسى إلى نظام رئاسى وتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب العمل القومى إلى الحاجة السريعة للبحث عن حلفاء جدد وإضعاف الدعائم الداخلية التقليدية التى يقوم عليها التحالف مع الولايات المتحدة.
عدم اليقين والقيادة والتحالفات فى مرحلة ما بعد الولايات المتحدة
تجاهل الجدل القائم فى الولايات المتحدة حول «من خسر تركيا» بشكل كبير التساؤل حول كيف أن أزمة S ــ 400 ارتبطت بالجدل الأوسع القائم حول دور التحالفات فى النظام العالمى الراهن. ما تم تغييره بشكل أساسى فى فترة ما بعد الحرب الباردة ليس فقط أسس العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا، ولكن المعنى والتحركات فى سلوك التحالفات. وسط الحجج التى لا تنتهى مثل تراجع سيادة الولايات المتحدة، ما يراه حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا هو عدم اليقين حول الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة وعدم قدرتها على تبنى التزامات صادقة.
ليس سرا أن الولايات المتحدة لم يكن لها دور فى بناء أو الحفاظ على التحالفات فى عصر القطب الواحد. ولم يكن لها دور قيادى فى تلبية احتياجات حلفائها. وتفاقمت هاتين المشكلتين حيث كان على الولايات المتحدة إيجاد طرق للتعامل مع الحلفاء الأقل استعدادا للالتزام بنموذج الشراكة الذى يسير من أعلى لأسفل وللتعامل مع خصومها.. حيث فشلت فى ممارسة سلطتها لتغيير سلوك هؤلاء من خلال المزج بين المكافآت والعقوبات. وكما ثبت مرارا وتكرارا، لم تسفر القوة الأمريكية عما كانت ترجوه من نتائج. على سبيل المثال، عجز الولايات المتحدة عن مواجهة روسيا منذ الحرب فى جورجيا 2008، على الرغم من التهديدات والعقوبات، وعجزت عن بناء تحالف لاحتوائها.
رد الفعل على القوة الأمريكية
كان هناك اثنان من ردود الأفعال المختلفة من جانب الدول الأضعف من الولايات المتحدة، مثل تركيا، على المتاعب التى انتجتها هيمنة الولايات المتحدة.
أولا، حالة عدم اليقين تسببت فى خلق الإحباط.. حيث لا يزال الكثيرون يتوقعون أن تمارس الولايات المتحدة القيادة. ففشلها فى تقديم رؤية مشتركة للحلفاء، بالإضافة إلى ما أشارت إليه من أولويات فى مرحلة ما بعد النظام الأحادى، يجبر الكثيرون على البحث عن طرق لحماية مصالحهم من خلال العمل الأحادى أو تبنى استراتيجيات التحوط.
ثانيا، لا تزال العديد من الدول تعتبر الولايات المتحدة هى الأقوى على الرغم من تآكل الأحادية القطبية. على الأقل منذ حرب العراق عام 2003، حذر علماء أمثال ستيفن والت من المخاطر المحتملة التى تنتج عن ممارسة القوة الأمريكية بلا منازع. منذ ذلك الحين انخرط حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء فى أعمال «الموازنة السهلة» ــ أى الأعمال «التى تستخدم أدوات غير عسكرية لتأخير وإحباط وتقويض السياسات العسكرية الأمريكية الأحادية العدوانية». يمكن أن تؤدى هذه الممارسات إلى خلق سلوك مواز من جانب القوى الأضعف، بما فى ذلك بناء التحالفات مع الدول المتشابهة فى التفكير.
يحتوى قرار S ــ 400 فى تركيا على عناصر من كلا المستويين، والتى تظهر فى كلمتين «الخوف والإحباط». تخدم علاقة تركيا الاستراتيجية مع روسيا سياسة تحوط ضد «الولايات المتحدة كحليف غير موثوق به» وكأداة موازنة ضد «الولايات المتحدة كخصم». ويوضح القرار كذلك أهمية دور القيادة ووجهات نظرهما وحساباتهما. فلا يمكن تفسير قرار تركيا بإقامة علاقات أوثق مع روسيا دون الأخذ فى الاعتبار تصورات المستوى الفردى للتهديد وهيمنتها على عملية صنع القرار.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد ظلت تراقب حدوث التغيرات فى السياسة التركية دون اتخاذ خطوات وقائية لمعالجة الأسباب الجذرية التى أدت إلى ازدهار العلاقات التركية الروسية. وبدلا من ذلك، تحولت تركيا من كونها «حليفا مهما من الناحية الاستراتيجية» إلى «أهمية عدم ضياعها كحليف للجهة الأخرى». لكن حتى النظرة الأخيرة التى منعت ظهور العديد من الاحتكاكات لم تعد قائمة عندما أصبحت تركيا بشكل متزايد هدفا للعقوبات. يثير الاتجاه نحو وضع «الحليف القابل للاستغناء عنه» أسئلة مهمة. إذا تجاوزنا الاضطرابات السياسية المحيطة بإدارة ترامب فى واشنطن، فمن المحتمل أن يكون هناك منطق وراء سياسة الولايات المتحدة تجاه تركيا. قد يكون ذلك جزءا من سياسة متعمدة لإعادة موازنة التزامات الولايات المتحدة فى العالم.
الطريق إلى الأمام
يبدو أن هناك اعتقادا راسخا فى تركيا بأن عبء إصلاح العلاقات يقع على عاتق الولايات المتحدة.. فتركيا تتوقع أن تفهم الولايات المتحدة مخاوفها وأن تتصرف وفقا لذلك.. وعند تجاوز الأزمة، سيستمر تفكير تركيا حول العلاقة اللامتساوية وإيجاد مفهوم جديد للتحالف مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فليس من المؤكد أن الولايات المتحدة مستعدة لمراجعة سياساتها لاستيعاب المخاوف التركية فى نموذج شراكة جديد. فهذا قد يتضمن التزامات طويلة الأجل قد يكون من المستحيل تحملها. وبدلا من ذلك، قد ينظر كلا الطرفين فى ترك العلاقة تتطور على حسب الظروف مما يتضمن درجات مختلفة من التعاون والمنافسة عندما تتداخل المصالح أو تتباعد.
ولا يزال يتعين على الولايات المتحدة إيجاد طرق لمعالجة عدم اليقين بشأن استراتيجيتها الكبرى.. يجب أن تجد طريقة لممارسة سلطتها بشكل حكيم، لأن هذا يحدد الطريقة التى سيتعامل بها الآخرون معها.. فالولايات المتحدة لا تخاطر فحسب بتحالفها مع تركيا الذى دام لعقود، بل أيضا بعلاقتها مع حلف الناتو.
إعداد
ابتهال أحمد عبدالغنى
النص الأصلى:من هنا

التعليقات