برتراند راسل.. عن التعلم - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
الإثنين 22 أبريل 2024 9:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

برتراند راسل.. عن التعلم

نشر فى : الثلاثاء 16 يناير 2024 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 يناير 2024 - 6:55 م

من أعظم الشخصيات التى أنارت بعلمها وفكرها وعقلها العلم فى القرن العشرين هو الفيلسوف وعالم الرياضيات والمؤرخ والأديب البريطانى برتراند راسل، ابن الطبقة الأرستقراطية الذى يحمل رتبة Earl أى لورد؛ وعاش عمرا خصبا مديدا قارب المائة عام، إذ إنه ولد فى عام 1872 وتوفى فى عام 1970. أثرى خلال حياته الفكرية والفلسفية بمجموعة من الكتب، من أبرزها كتاب Principia Mathematica الذى كتبه مع عالم الرياضيات Alfred North Whitehead، وهو كتاب ضخم من ثمانية أجزاء صدرت خلال الفترة من 1910 إلى 1913 وهو بخلفيته الرياضية اختار مسمى شبيها بكتاب العالم الكبير إسحاق نيوتن صاحب قوانين الحركة ونظرية الجاذيبة، وكتابه الرائع تاريخ الفلسفة الغربية A history of Western philosophy الصادر فى عام 1945 الذى يستعرض فيه الفلسفة الغربية منذ زمن أثينا القديمة إلى القرن العشرين. ويتميز الكتاب بصياغته السهلة ولغته السلسة التى تجعل من قراءته متعة وفائدة.
كشف راسل عن إلحاده بمحاضرته التى ألقاها فى عام 1927 بعنوان Why I am not a Christian والتى صدرت لاحقا فى كتاب صغير، وتبعه فى عام 1935 بكتاب الدين والعلم Religion and science الذى أكد انحيازه إلى العلم بعيدا عن الدين.
لعل أطرف ما كتبه راسل صدر فى عام 1930 بعنوان اقتحام السعادة The Conquest of Happiness، الذى يؤكد من خلاله أن السعادة ليست هبة تسقط علينا من السماء لكنها هدف نسعى إليه ونعمل على تحقيقه ونخطط له.
• • •
عاش برتراند راسل فى زمن سادت فيه الحروب والعنف الدموى، حيث عاصر ثلاثة حروب مهمة خاضتها بلاده خلال القرن العشرين، أولها حرب البوير فى الفترة من 1900 إلى 1903 التى شنتها بريطانيا للسيطرة على جنوب أفريقيا ضد المستوطنين المنحدرين من أصول هولندية، وأعرب خلالها بوضوح عن توجهاته السلمية المضادة للحرب وإدانته للإمبريالية والاستعمار وقال إن الحرب أمر مضاد للمدنية والحضارة.
وكرر التأكيد على مبادئه السلمية فى الحرب العالمية الأولى وأعلن معارضته للتجنيد القصرى، وأكد على أن الحرب نشاط غير إنسانى وغير حضارى، ودعم المعارضين للحرب على أساس مبدأConscientious objections فى وقت كانت معارضة الحرب جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن بل فى بعض الأحيان بالإعدام؛ ومع شعوره باقتراب الحرب العالمية الثانية أراد أن ينأى بنفسه عن جو أوروبا الملبد بغيوم الحرب فغادر بريطانيا إلى الولايات المتحدة سنة 1938 ولم يعد إلى بلده إلا قبل نهاية الحرب بفترة قصيرة فى عام 1944.
وبعد نهاية الحرب والصدمة التى سببها إسقاط الولايات المتحدة القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكى ومع إدراكه لخطورة الأسلحة النووية وفى أوج استعار الحرب الباردة وصواريخ القوتين الأعظم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى برءوسها النووية موجهة إلى مدن الطرف الآخر، كتب رسالة إلى ألبرت أينشتاين أكبر علماء عصره مؤرخه فى عام 1955 يدعوه ويدعو العلماء والمفكرين إلى حث زعماء العالم على حل خلافاتهم عن طريق الحوار السلمى ووقع أينشتاين على المبادئ التى أوردها راسل فى رسالة كما وقع عليها أحد عشر من كبار العلماء والمفكرين، وأصبحت هذه الرسالة مانيفستو راسل أينشتاين Einstein Manifesto ــ Russell، وفى عام 1957 اجتمع العلماء والمفكرون الموقعون على المانيفستو وآخرين من الشخصيات العلمية والأكاديمية فى مدينة Pugwashالكندية لبحث الأمور التى تهدد السلم والأمن وخطر الأسلحة النووية، وتكرر اللقاء سنويا بشكل مؤسس فيما عرف بمجموعة الباجواشى.
وقف راسل ضد الصهيونية وضد إسرائيل منذ بدايتها، وقال فى عام 1948 والحرب مستعرة على أرض فلسطين «إن مأساة الشعب الفلسطينى هى أن أرضهم أعطتها قوة خارجية إلى شعب آخر»، وبذلك يكون قد سبق مقولة جمال عبدالناصر التى قالها بعده بسنين «لقد أعطى من لا يملك من لا يستحق»، كما وقف بحزم وقوة ضد العدوان الثلاثى على مصر فى عام 1956 بعد تأميمه قناة السويس.
من الأحداث الكبيرة التى شاهدها راسل فى حياته الطويلة الكساد الكبير الذى أعقب انهيار بورصة نيويورك فى عام 1929 وما صاحبه من بؤس وشقاء خاصة بين الطبقات العاملة بعد أن سادت البطالة والفقر فى أمريكا وأوروبا بل فى جميع أنحاء العالم، ولعل ذلك كان من أسباب توجهاته الاشتراكية. رغم أنه سليل أسرة من اللوردات وكان يدعو إلى تحجيم سطوة رأس المال وإلى تضامن العمال فى نقاباتهم والحركات التعاونية وكان معجبا بتجربة الاتحاد السوفيتى ومتعاطفا معها.
• • •
حياة خصبة ثرية وعطاء غزير جعله من أجدر من حصلوا على جائزة نوبل التى حصل عليها فى عام 1950 فى الآداب. ومن ضمن إنتاج راسل الذى لفت نظرى محاضرة ألقاها فى نيويورك سنة 1927 لعلها كانت الدافع لى لكتابة هذه السطور، كانت المحاضرة بعنوان Education and good life تناول فيها فلسفة التعليم وهدفه منذ القدم بدءا من أثينا التى كان التعليم فيها يقوم على البحث عن الحقيقة والحكمة مقارنة بالتعليم فى الصين الذى يهدف إلى تحقيق المكانة الاجتماعية بالانخراط فى الجهاز البيروقراطى للدولة، وأن النظامين فى أثينا والصين اعتمدا على التلقين وحفظ النصوص: نصوص هوميروس فى ملحمته الإلياذة والأوديسة فى أثينا ونصوص كونفوشيوس فى الصين. أما اليابان فبعد الصدمة التى تعرضت لها فى عام 1853 عندما اقتحم الكومودور Mathew Perry خليج طوكيو ببوارجه الأمريكية ليفرض عليها الانفتاح على التجارة العالمية مما كشف عن تأخرها التقنى وضعفها العسكرى، فجعلت من التعليم أداة للتقدم والقوة مع الحفاظ على مسلمات لا يجوز تفنيدها أو المساس بها مثل مكانة الإمبراطور وعقيدة الشنتو. ويقارن راسل بين الأسلوب اليابانى الذى يسعى إلى التقدم مع عدم الجواز بالمسلمات المقدسة وبين أسلوب الجيزويت الذى انتشرت مدارسهم فى أوروبا والعالم، الذى يعطى تعلما جيدا دون السماح بمناقشة مسلمات الكنيسة الكاثوليكية.
تناول بعد ذلك نظام الـ Public Schools البريطانى الذى رغم اسمها فإنها المدارس الخاصة للصفوة، التى وضع نظمها الدكتور Thomas Arnold فى عشرينيات القرن التاسع عشر والغرض منها تخريج السادة المهنيين Gentlemen ليكونوا قادة المجتمع ومندوبى الإمبراطورية فى المستعمرات، وركزت على الفصاحة والبلاغة فى الحديث والثقة العالية فى النفس واللياقة البدنية؛ ولعل هذه المدارس هى الوحيدة التى جعلت من الملاكمة مادة أساسية فى مناهجها، ويؤكد راسل على أنها غرست فى خريجيها الثقة العمياء فى رسالة الإمبراطورية وجعلتهم رجال معدين لقيادة الرجال ليقتلوا ويقتلوا من أجل الإمبراطورية (بفتح الياء وضمها). ويستطرد راسل بأن الثقة الثابتة وإن كانت دافعا للتقدم فإنها أيضا قد تكون سببا فى الانهيار، وتجعل من الثورة والتمرد السبيل الوحيد لتعديلها.
أشاد راسل كثيرا بأسلوب التعليم فى الولايات المتحدة الذى حول المهاجرين من بلاد وقارات مختلفة لا يجمعهم حتى لغة واحدة ينصهرون فى شعب واحد وأسهمت فى رسوخ وتقدم الشعب الأمريكى وقوته.
• • •
عندما يتحدث رجل له قدر ووزن برتراند راسل وتجاربه التى تراكمت خلال عمر مديد عن موضوع له أهمية فى حياة الشعوب واستقرارها وتقدمها كالتعليم فعلينا أن نستمع وننصت له باهتمام، وهو فى حالتنا يدعو إلى التأمل والتساؤل عن حال التعليم فى مصر وعن دوره فى توحيد الشعب بينما نرى المدراس الدولية التى تخرج تلاميذ ينطقون الإنجليزية مثل إنجليزية شكسبير وديكنز أما لسانهم العربى فقد اضمحل وضاع، يعرفون الكثير عن الثورة الفرنسية ولا يعرفون شيئا عن ثورة عرابى أو ثورة 1919 و1952.
المدارس الخاصة البريطانية كانت تعد خريجيها ليكونوا محتلى بلادهم فى المستعمرات، ومدارسنا الخاصة تعد خريجيها للحصول على الجرين كارد والهجرة إلى أمريكا وأوروبا وتخلق هوة سحيقة بينهم وبين خريجى المدارس الحكومية، والتى تعتمد فى مناهجها على الحفظ والتلقين بدلا من الفهم والاستيعاب، وخلقت مسلمات غير قابلة للنقاش والتفنيد فى الأمور الدينية والسياسية، واستمرارا لوقت كنا نحفظ أبوابا من الميثاق الوطنى مثلما حفظ تلاميذ الصين أبوابا من الكتاب الأحمر لماو تسى تونج. لم ينجح نظامنا التعليمى فى خلق الثقة فى مسلماتنا بل زادت الشكوك وحملات الطعن والتشكيك فى الرموز الراسخة كما لم ينجح فى خلق التساؤل الحميد الذى يدفع إلى التحليل والتصحيح والتقدم.
علنا نستفيد من أطروحة راسل فى التعليم ونبادر بحل مدروس يقوم به حشد من الخبراء بدلا من شطحات شخصية لوزراء يأتون ويذهبون ولا يتبدل الحال بعدهم.

محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجمع العلمي المصري
التعليقات