وطن لليهود.. في العريش أم أوغندا؟! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 6:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

وطن لليهود.. في العريش أم أوغندا؟!

نشر فى : السبت 16 مارس 2024 - 9:35 م | آخر تحديث : السبت 16 مارس 2024 - 9:35 م
بعد أن عقد المؤتمر الصهيونى لمدة خمسة أعوام متتالية (١٨٩٧ــ١٩٠١)، تم الاتفاق فى المؤتمر الخامس أن يتم عقد المؤتمر كل عامين بدلًا من عقده كل عام! استغل تيودور هرتزل ــ الزعيم الصهيونى ــ عدم انعقاد المؤتمر فى عام ١٩٠٢ ليكثف من تحركاته بشكل فردى وبدون استشارة لجان الحركة الصهيونية ليتفاوض مع المسئولين فى روسيا وبريطانيا (بعد فشل محاولاته مع القيصر الألمانى والخليفة العثمانى)، من أجل إنشاء الوطن القومى لليهود فى فلسطين التاريخية كما كان يتمنى دائمًا!
لكن وبعد أن أدرك أن طريق هذا الوطن يبدو مسدودًا فى فلسطين التاريخية، بسبب عدم وجود دعم دولى للفكرة، فقد بدأ فى التفاوض حول إمكانية إقامة وطن بديل بشكل مؤقت فى مكان آخر لحين أن تتاح الفرصة لإقامته فى فلسطين! كان هرتزل عمليًا، فقد كان يرى أنه طالما أن حله المثالى فى فلسطين ليس متاحًا للتطبيق، فليقم بإنشاء وطن مؤقت فى مكان آخر وإلا لفقدت الفكرة زخمها وجماهيريتها وهو ما قد يؤدى إلى فرط عقد المؤمنين بالصهيونية فى أوروبا!
فى نفس هذا التوقيت كانت ظروف اليهود تزداد تعاسة فى أوروبا الشرقية، خاصة بعد حادثة قتل عدد من اليهود والتمثيل بهم فى كيشيناو (عاصمة مولدوفا حاليًا)، مما مكن هرتزل من الاتفاق مع روسيا على المزيد من الدعم للهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين، وقد وافقت الحكومة الروسية على تقديم الدعم، لكنها اشترطت أن يكون خروج هؤلاء اليهود الروس بلا عودة، وهو ما وافق عليه هرتزل!
وصلت الأنباء بشأن هذا التفاوض إلى القنصل العثمانى فى ألمانيا والذى بدوره خاطب السلطان عبدالحميد الثانى لتنبيهه إلى ضرورة إصدار قرار بمنع بيع الأراضى الفلسطينية لليهود المهاجرين من روسيا، لكن عبدالحميد فى هذا التوقيت كان يعانى من تصاعد الضغوط القومية التركية عليه فى الداخل، فلم يتخذ القرار فى الوقت المناسب رغم هذا التنبيه المهم!
• • •
أمام هذه الأوضاع المرتبكة التى تهدد حلم الصهيونية، اقترح دافيد تراتيشخ ــ أحد قادة الحركة ــ على هرتزل إقامة الوطن اليهودى فى منطقة العريش بسيناء! كان دافيد يرى – وهو ما اقتنع به هرتزل ــ أن منطقة العريش ليس بها عدد كبير من السكان، وأنها قريبة من فلسطين، وبالتالى يسهل هجرة اليهود منها إلى فلسطين عندما تحين الفرصة، كما أن مصر ليست تحت السيادة العثمانية إلا بشكل اسمى، ومن ثم يسهل التفاوض بشأنها مع البريطانيين الذين كانوا يستعمرونها بشكل رسمى، لكن كانت المشكلة هى الكيفية التى سيتم بها مد هذه المستعمرة اليهودية بالمياه العذبة، وهو ما اعتقد هرتزل أنه من الممكن عن طريق إيصال المنطقة بمياه نهر النيل!
قام هرتزل على الفور بالتفاوض مع وزير شئون المستعمرات فى حكومة بريطانيا جوزيف تشامبرلين والذى وافق على دعم المشروع، ولكن أحال النظر فى إمكانية التطبيق إلى اللورد كرومر ــ القنصل العام البريطانى فى مصر. أوصى الأخير بأن شرط موافقته إقامة وطن لليهود فى العريش بشكل مؤقت يعتمد على ضرورة تشكيل لجنة تقوم بمعاينة العريش للنظر فى مدى إمكانية إقامة مستعمرات فيها، انتهت اللجنة أن الأمر ممكن، لكنه سيكون مرتفع التكلفة خصوصًا لو تم إقرار مشروع لربط مياه النيل بالمستعمرة المزمع إقامتها فى العريش، وانتهى الأمر برفض الحكومة المصرية تمامًا للاقتراح، ورغم محاولات هرتزل التنازل عن فكرة ربط مياه النيل بالمستعمرة فى محاولة لإقناع بريطانيا بالضغط على مصر، فإن الرفض المصرى ظل قائمًا لتموت الفكرة!
• • •
هنا عرض البريطانيون على هرتزل فكرة إقامة الوطن المؤقت هذا فى شرق أفريقيا فيما عرف باسم مشروع أوغندا، اقتنع هرتزل وقرر عرض المشروع على المؤتمر الصهيونى السادس فى بازل بسويسرا فى أغسطس ١٩٠٣، وهو ما شكل ضربة قاسمة للمؤتمر الذى انقسم إلى فريقين، فريق منحاز لهرتزل ومحاولاته، وفريق يتهمه بالتصرف بشكل منفرد وعدم استشارة قادة الحركة! ورغم هذا الانقسام صمم هرتزل على عرض المشروع للتصويت، ولكن ولأنه يعلم أن فرص التصويت ضد المشروع مرتفعة فقد فضل هو ومناصرو المشروع أن يكون التصويت ليس على المشروع نفسه، ولكن على إرسال لجنة تقصى حقائق تمثل الحركة الصهيونية لتذهب إلى شرق أفريقيا من أجل معاينة الوضع! وبالفعل تم التصويت على هذه الصيغة، فصوت ٢٩٥ من المجتمعين لصالح إرسال اللجنة، فيما عارض ١٧٨، بينما امتنع ٩٨ عن التصويت!
كانت أسباب موافقة البعض على لجنة تقصى حقائق مشروع أوغندا فى الواقع تنطوى على طرفة، فوفقا للكاتب الإسرائيلى إيلون عاموس ــ وفى كتابه الذى حمل اسم «هرتزل» ونشر عام ١٩٧٥ بواسطة دار النشر الأمريكية هولت مكدولــ فإن أحد أسباب موافقة «إسرائيل زانجويل»، وهو الصهيونى البريطانى الذى حضر المؤتمر وكان أحد قادة اللجنة الثقافية للحركة الصهيونية، أنه كان يخشى من أن إقامة الوطن اليهودى فى فلسطين سيؤدى إلى تصاعد الأرثوذوكسية اليهودية بسبب المقدسات اليهودية فى فلسطين وأن هذا من شأنه أن يعطل المشروع الحداثى الصهيونى! ولعل هذا أمر مثير للتأمل، فمشروع أوغندا كان بالنسبة للبعض ليس مجرد أمر مؤقت كما كان يرى هرتزل، لكن بعضهم اعتقد أن سيكون الوطن الدائم لليهود!
رغم هذه الموافقة كان يعلم هرتزل أنه فى ظل انقسام المؤتمر بهذا الشكل ففرص نجاح مشروع أوغندا ستكون ضعيفة، خصوصًا أنه عقب التصويت حدث انسحاب لمجموعة كبيرة من المحتجين متهمين هرتزل بالسلطوية والمراوغة، فحاول إقناع المعارضين. لكنه لم يتمكن ليزداد الانقسام داخل الحركة الصهيونية بشكل واضح، للدرجة التى دعت عددا من الصهاينة الروس بقيادة منحم يوسشكين أن يدعو إلى عقد مؤتمر منفصل للصهاينة فى فيينا فى إبريل من عام ١٩٠٤ للاعتراض على مشروع أوغندا!
• • •
فى خضم هذا الانقسام بسبب مشروع أوغندا، توفى هرتزل فى يوليو عام ١٩٠٤ عند عمر ناهز الـ٤٤ فى النمسا بعد معاناة مع مرض القلب! وانعقد المؤتمر السابع فى بازل فى نفس العام لتعلن لجنة تقصى الحقائق التى أرسلها المؤتمر السادس عن عدم صلاحية أوغندا لإقامة وطن يهودى، ومن ثم فقد صوت المؤتمر برفض فكرة مشروع أوغندا، بل ورفض فكرة إقامة أى وطن لليهود خارج فلسطين! ما جعل مشروع أوغندا كما مشروع العريش يموت للأبد! لكن الأمر لم ينهِ الانقسامات، فمؤيدو هرتزل الذين كانوا يرون ضرورة إقامة وطن لليهود فى أى مكان مثل «إسرائيل زانجويل« قرروا الانسحاب من الحركة الصهيونية عام ١٩٠٥ وتأسيس منظمة موازية عرفت باسم المنظمة اليهودية الإقليمية!
خلال هذا المؤتمر السابع للحركة الصهيونية تم انتخاب دافيد فولفسون كبديل لهرتزل لقيادة المنظمة، وتم الاتفاق على نقل مقر لجنتها التنفيذية من فيينا إلى مدينة كولن بألمانيا، ليبدأ فصل جديد من تاريخ الصهيونية.
أحمد عبدربه مدير برنامج التعاون الدبلوماسي الأمريكي الياباني، وأستاذ مساعد العلاقات الدولية بجامعة دنفر.