من فلسطين.. كانت معنا شيرين أبو عاقلة - داليا سعودي - بوابة الشروق
الجمعة 1 يوليه 2022 9:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

من فلسطين.. كانت معنا شيرين أبو عاقلة

نشر فى : الإثنين 16 مايو 2022 - 9:20 م | آخر تحديث : الإثنين 16 مايو 2022 - 9:36 م
على مر فصول القضية الفلسطينية، لم تسجل الذاكرة الجمعية ما هو أكثر جلالا من مشهدية وداع الصحفية الفلسطينية القديرة شيرين أبو عاقلة وموكبها الجنائزى المهيب، العابر فى طريق الآلام، من جنين إلى مقبرة صهيون، وسط دناءات الاحتلال الذى قتلها وهمجيته المدججة بالسلاح. مشهدية تأخذ من (الملحمة) معانى تلاحم الشعب الفلسطينى، والالتحام ببسالة مع العدو الغاصب، واستعادة اللُحمة النضالية الفلسطينية فى أقوى صورها وأكثرها اتساقا.
• • •
طوال أكثر من ربع قرن، كانت شيرين أبو عاقلة بصوتها الهادئ وأدائها المتمكن الرصين هى صوت الفلسطينيين إلى العالم عبر قناة الجزيرة. تطل على الشاشة وتنقل الحدث ثم تذيل تقريرها بعبارة «كانت معكم شيرين أبو عاقلة من رام الله». وكنا لشدة ما ألفناها قد خلناها جزءا باقيا ما بقى مكانها وزماننا.. ألفناها حتى ظنناها بمنأى عن الردى فى حكاياتها اليومية عنه. لهذا فجعنا حين جاءنا النبأ المشئوم. فقد حسبناها بحضورها الأثيرى العذب باقية ما بقى الزعتر والزيتون.. بعض الأشخاص يليق بهم المجاز الشعرى.. وكانت هى منهم.. لكن البقاء لله وحده.
شاهدة على الحقيقة كانت وشهيدةَ الحق صارت. الشاهدُ والشهيدُ مشتقان من الجذر اللغوى ذاته. وفى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى، يلتقى المعنيان بالضرورة. فإسرائيل كيان غاصب يكره الحقيقة ولا يألو جهدا لتلبيسها وإخفائها. ينفى رون كوتشاف المتحدث باسم جيش الاحتلال أن شيرين كانت عزلاء فيقول «بل كانت مسلحة بالكاميرا!» الكاميرا فى عرفهم سلاحٌ يهدد سرديتهم المعتَورة ويفضحها. الكاميرا عندهم سلاح بمعناه الحقيقى لا المجازى. كانت مسلحة بلافتتها الصحفية على صدرها وخوذتها التى غفلت مليمترات منها عن الرصاصة. فالصحافة جريمة كبرى فى عرفهم الفاشى يكرهونها كما يكره اللص كاميرات المراقبة. لهذا لا تنتهى مماحكاتهم مع الصحفيين الفلسطينيين بصورة يومية، حتى قتلوا خمسة وخمسين صحفيا منذ العام 2000 وحتى الآن. وللأسف ما من محاسبة على هذه الجرائم، لأننا لسنا بصدد روسيا وأوكرانيا.. بل نحن فى فلسطين، حيث الشهيد يسعفه شهيد، ويصوره شهيد، ويودعه شهيد، ويصلى عليه شهيد.
• • •
هل كان القناص الإسرائيلى يدرك وهو يتلقى الأوامر بالتصويب مبلغ خطورة فعلته؟ ــ فالطلقة لم تكن عشوائية مهما اختلقوا من روايات ــ هل كانوا يدركون مغبة إجرامهم؟ لا تأتمر الوحدة 217 المسماة بوحدة الانتشار السريع فى جيش الاحتلال إلا بأوامر نفتالى بينيت، فهل هم يخططون لاستثارة انتفاضة ثالثة؟ إنهم يحترفون أحابيل التعمية والإلهاء. وإننى لا أكاد أصدق أنهم فوجئوا بانقلاب السحر على الساحر، وأنهم ما تعمدوا استثارة مشاعر الغضب بين الشعب الذى كنتِ، شيرين، روحه ولسانه. رصاصةٌ واحدة أطلقها عليكِ قناص من الوحدة 217 التى اجتاحت جنين كانت كفيلة بإعلان النفير بين أهل فلسطين، أن حى على الوفاء لابنة القدس شيرين أبو عاقلة! فهل تَقَصَدوا حشد الناس بهذه الطريقة لإشعال حرب جديدة؟ لا ننسى عدوانهم على الشعب الفلسطينى مسلميه ومسيحييه فى داخل المسجد الأقصى أثناء رمضان وعند كنيسة المهد فى أعياد القيامة. لا ننسى مبالغتهم فى إهانة المقدسات والاعتداء على الناس والتضييق عليهم. فهل يا ترى بقتلك أرادوا إيقاظ المارد واستحضار العفريت؟
• • •
آه يا شيرين!
لقد شاءت الأقدار ألا تشوه الرصاصةُ القاتلة وجهَ الجميلة. أن تتجلى الملامح المفعمة بالسكينة وسط الكوفية الفلسطينية التى تحتضن الرأس فى حنو.. أن يلقى العالم نظرة الوداع على الوجه الحبيب السابح بسلام فى غفوته الأخيرة.. أن يكتمل للرمز بهاؤه فى ارتقائه السماوى. وأجمِل به من ارتقاء!
منذ جنازة فيصل الحسينى بالقدس عام 2001، لم تشهد فلسطين مثل وداع شيرين أبو عاقلة. هى التى هجرت دراسة الهندسة المعمارية لتتخصص فى الصحافة والإعلام كيما تكون «أكثر قربا من الناس»، هى التى وجدت فيهما عزاءها عن رحيل أهلها، هى التى كان وجهها الإنسانى يتجلى فى ممارستها المهنية بغير تعارض، ها هى تتلقى من الناس أجمل التكريم فى مسيرة وداعية هى الأطول فى تاريخ فلسطين.
• • •
طافوا بها مخيمَ جنين حيث سقطت أثناء تغطية عدوان إسرائيلى جديد يزأر فى الأفق. لم ينس الجميع تغطيتها لاجتياح جنين قبل عشرين عاما. ها هى والدة شهيد تسير وراء جثمانها هاتفة بالذكرى: «خاضت معركة جنين من أول يوم لآخر يوم، وصارت بين الأنكاض تدَور ع الشهدا وهى ريكها ناشف.. كنينة ماى ما لقينا نسكيها.. الله يرحمها.. والله اليوم اتلكيت الخبر الصبح صابتنى صاعكة.. صارت تدوَر معاى على ولادى يومها.. والله انجنِيت عليها.. بكدرش أحكى.. الله يرحمها.. من جنين الأبية طلعت شمعة مضوية.. يا شباااب لا تروحوا.. هَى شيرين ضحت بروحا.. قولوا الله قولوا الله! هَيْ شيرين مش حيالله!».
وعلى الطريق من جنين إلى مستشفى نابلس، أوقف أهل بلدة السيلة الحارثية سيارة الإسعاف وأصروا على تشييع فقيدتهم فى شوارع بلدتهم. وفى نابلس تلقت شيرين جنازة عسكرية وشعبية تليق بها. لكن الحزن البادى على وجهكَ، يا سيادة الرئيس عباس، لا يكفى، ولا تكفى الموسيقى العسكرية للثأر لدماء شيرين أبو عاقلة الزكية. إذ يحسن بفخامتك إعادة النظر فى التنسيق الأمنى مع دولة الاحتلال وبذل جهد مخلص فى تحريك دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فى الجريمة!
• • •
وبعد المشرحة فى نابلس، انطلق الركبُ إلى مكتب الجزيرة فى رام الله. لم تكن شيرين تحب العمل المكتبى بقدر ما كانت شغوفة بالعمل الميدانى. وها هو الميدان فى رام الله يبدو كبحر من المشيعين، تدفقوا لسداد دين من المحبة التى لا تنتهى.. خرجوا من البيوت يزفون مَن كانت صوت مدينتهم، طافوا بها شوارعهم، حملوا من حولها البنادق، نثروا من فوقها الورود، هتفوا وسط رفرفة الأعلام الفلسطينية حتى غاب ركبها باتجاه معبر قلندية الذى أصر رجال مخيمها على مرافقة النعش.
• • •
فى القدس، مدينة البتول، محطة الإسراء والمعراج، أقصر الدروب بين الأرض والسماء، كانت ثمة قواعد أخرى.. فالقدس هى آخر معارك الصراع وأولها. قبيل أسابيع من استشهادها، فى جلستها أمام باب العامود، كتفا بكتف مع المرابطات إبان الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى، سئلت شيرين عن سر بقائها فى القدس وارتباطها الحميم بها، فأجابت: «وجود ابن القدس فى مدينته هَيْ معركة بحد ذاتها». وقد بدأت معركة ركبها السائر صوب مثواها الأخير عند حاجز قلندية، حين أطلقت قوات الاحتلال على المشيعين قنابل الغاز لمنعهم من دخول المدينة.
فى القدس، توالت الخطوات على طريق الآلام. وحَمل التابوتُ صليبه وسط تعسف إجراءات قوات الاحتلال. اقتحام بيتها، استدعاء الشرطة شقيقها، اعتراض مسيرة الجنازة فى كل مكان، نزع العلم الفلسطينى عن التابوت، ومن كل يد أرادت رفعه، ومنع خروج الجثمان محمولا على الأكتاف والإصرار على تخبئته داخل عربة الموتى. هيستريا تحكى خوف الغاصب من المغصوب!
لكن لحظات اجتياح قوات الاحتلال للمستشفى والاعتداء الوحشى على حاملى التابوت كانت مشهدا تكثف فيه صراع الخير والشر الأزلى بالأبيض والأسود. مشهدٌ بليغٌ تناقله رواد وسائل التواصل الاجتماعى بالحركة البطيئة، ليتبينوا فيه مسلك الضباع المهاجمة، وبطولة المتشبثين بالتابوت، المعجونة أجسادهم بخشبه الكستنائى المعطر، الخائفين على مَلكتهم من السقوط أرضا أكثر من خوفهم على أرواحهم من الصواعق والهراوات... مشهد جدير بملحمة «سيد الخواتم»، حين راح بنو البشر يصارعون مسوخ الأوروك فى معركة دفاعهم عن آخر قلاع الإنسانية.
• • •
يخاف الاحتلال من الكاميرات، لكنه فى لحظات عدوانه القصوى لا يعبأ بها. فنحن هنا، مرة أخرى أقولها، فى فلسطين ولسنا فى أوكرانيا. وهناك جحافل إعلامية أخرى فى كبرى العواصم تعمل على تبييض الأفعال السوداء وتدبيج الأخبار المموهة بالأباطيل، المكتنزة بالأفعال المبنية للمجهول، وبمرادفات «اشتباكات» و«مواجهات»، وبوجوه الأعداء الكالحة الكاذبة التى تخرج علينا من الشاشات.
• • •
وبدا أن الاحتلال ينجح فى فرض شروطه على الجنازة. لكن الجنازة كانت قد انبعثت فيها حياتها الخاصة. دقت أجراس الكنائس على اختلاف طوائفها جميعا ناعية الشهيدة، صلى المسلمون صلاة الغائب على روحها وعلى أرواح كل شهداء فلسطين. أما باب الخليل، المحتل منذ عام النكبة فى 1948، فقد ارتفعت عنده الأعلام الفلسطينية للمرة الأولى وكأنه عاد سيرته الأولى قبل الاحتلال، حين كان بابا لإقامة الأفراح. تحرر الباب وتقاطر عشرات الآلاف من المشيعين كأنهم مطر الغمام يصب فى نهر متدفق بالحب والحياة. نعم.. خرجت الحياة من بين أضلاع الموت كدأب الشعب الفلسطينى على الانبعاث من تحت الرماد. بلى، كان ثمة غضب كبير وحزن كبير كبير وشعور بالفقد يعتصر الفؤاد، لكن كان ثمة شعور آخر يتخلق وسط الزحام فى شارع الخليل صعودا نحو مقبرة جبل صهيون. كان شعورا تتمازج فيه القوة والعزة والحرية. شعور بالانعتاق.. بإمكانية بكاء كل الشهداء.. بوحدة الهوية الفلسطينية العربية. وتلك هى فضيلة الجنازات الوطنية الكبريات!
• • •
وعند المرتقى، لكل ناظرٍ بعين القلب، بدت صورة الشهيدة شيرين أبو عاقلة وكأنها تتعاظم حتى بلغت عنان السماء. وانسابت الذكريات العطرة تترى: ملاحقتها لجرائم إسرائيل طوال عقود، يداها المرفوعتان فى ختام تقرير عن اجتياح غاشم وهى تقول: يا رب احمِ غزة! وصيتها لزميلها: «أوعك شفيع تحكى إن هدول الوجبات منى.. هدول من فضل الله. هدول إفطار المعتكفين فى المسجد الأقصى.. ها هو صوتها يملأ القلوب: «فى اللحظات الصعبة تغلبتُ على الخوف. فقد اخترتُ أن أكون قريبة من الإنسان. ليس سهلا ربما أن أغير الواقع، لكننى على الأقل، كنتُ قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم.. أنا شيرين أبو عاقلة».

رحمة الله وسلامه ومغفرته وعفوه الكريم لروحها الطاهرة الطيبة.
عاشت شيرين أيقونة وماتت أسطورة!
داليا سعودي كاتبة وأكاديمية مصرية حاصلة على جائزة الصحافة العربية
التعليقات