خواطر بمناسبة اليوبيل الذهبى للتعاون الإسلامى - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
السبت 31 أكتوبر 2020 6:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

خواطر بمناسبة اليوبيل الذهبى للتعاون الإسلامى

نشر فى : الخميس 16 يوليه 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 16 يوليه 2020 - 9:35 م

يمر هذا العام خمسون عاما على إنشاء منظمة التعاون الإسلامى، فبعد انعقاد اجتماع القمة للدول الإسلامية فى الرباط فى 25 سبتمبر 1969 ردا على جريمة إحراق المسجد الأقصى، تقرر فى عام 1970 خلال الاجتماع الأول لمؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية استدامة هذه الاجتماعات السنوية وإنشاء أمانة عامة يكون مقرها المؤقت مدينة جدة بالسعودية وذلك لحين انتقالها إلى المقر الدائم وهو القدس بعد تحريرها.. ومن أهداف المنظمة هو الدفاع عن حقوق الشعوب الإسلامية والأقليات المسلمة فى الدول غير الإسلامية ومواجهة ممارسات التمييز ضدهم بجميع صورها.
***
وقد واجهت المنظمة صعوبات جمة فى هذا الإطار.. بعضها قديم والآخر حديث.. ولعل أخطر المعوقات التى ألقيت على كاهل المنظمة هى مشكلة الإرهاب ونشوء الحركات الإسلامية المتطرفة وما ارتكبته من عمليات إجرامية على مستوى العالم، فقد سارعت الدول التى تواجه نضالا من جانب بعض الأقليات المسلمة لديها إلى دمغها بالإرهاب، فقد تبنت الصين مثلا خطا دفاعيا يحيل أسباب المشاكل فى إقليم شينكيانج إلى ما أسمته «الشرور الثلاثة» وهم الإرهاب والتطرف والنزعة الانفصالية، وسارعت باقى الدول التى تواجه مشاكل مشابهة إلى اتباع نفس النهج. ومما زاد الموقف تعقيدا هو نشوء حركات إرهابية حقيقية تمارس الخطف والترويع وتقاضى الفدية والإتاوات كما حدث فى جنوب الفلبين والجرائم المشينة التى ارتكبتها جماعة أبوسياف وأدعت أنها تناضل من أجل استعادة الحقوق السليبة، وبالرغم من أن حركات التحرر الحقيقية قد أدانت هذه الجماعات إلا أن السلطات الفلبينية استمرت فى استغلال أعمالها لتحقيق هدفين؛ الأول هو دمغ حركات التحرير بصفة عامة بالإرهاب والثانى هو القيام بعمليات عسكرية ضخمة ضد معاقل جبهات التحرير تحت ستار البحث عن إرهابيين فارين.
والواقع أن المجتمع الدولى لم يستطع التوافق على تعريف مقبول للإرهاب، فمن جهة يطالب البعض بدمغ كل أعمال العنف التى تستهدف المدنيين بالإرهاب بغض النظر عن مشروعية أو عدم مشروعية الهدف الذى يسعى لتحقيقه مرتكب هذه الأعمال. بينما يرى تيار آخر خاصة من العالم الثالث إلى إخراج النضال من أجل التحرر والاستقلال من دائرة الأعمال الإرهابية.. أى التركيز على مشروعية الهدف. وهذا الفريق الثانى يدين الأعمال ضد المدنيين ولكن المشكلة التى برزت هى تعريف من هو المدنى، فمثلا هل المستوطن اليهودى المسلح الذى استولى على أرض الفلسطينيين يعد هدفا مشروعا أم مدنيا مسالما لا يجوز التعرض له؟ طبعا لا خلاف بين الفريقين حول إدانة أعمال العنف الموجهة للأهداف المدنية البحتة مثل الطائرات والحانات والمطاعم والحافلات والمدارس... إلخ.
***
وقد كان من تداعيات ذلك انتشار ظاهرة «كراهية الإسلام» أو «الإسلاموفوبيا»، خاصة بعد ظهور الحركة الإجرامية التى أطلقت على نفسها اسم داعش اختصارا لعبارة الدولة الإسلامية فى العراق والشام، والأعمال الوحشية والممارسات المتخلفة التى قامت بها، فقد حرص الإعلام العالمى على توضيح أن هذه الأعمال الإجرامية ارتكبتها «الدولة الإسلامية»... فلقد كان أمام الإعلام العالمى عدة بدائل فى توصيف الجماعة الإرهابية الجديدة... إما أن يطلق عليهم اسم داعش بكل اللغات باعتباره هو الاسم الرسمى الذى اتخذته أو «الأكرونيم» Acronim أى الحروف المختصرة لترجمة الاسم للإنجليزية وهو إيزيس.. ولكن استبعد كلاهما لأن انتساب الأعمال الإجرامية إلى داعش أو إيزيس لن يُحدث ربطا مباشرا ودائما بين العمل الإجرامى والإسلام مثل ذلك الذى يحدثه نسبها إلى «الدولة الإسلامية»، المؤسف أن الإعلام العربى على إطلاقه انساق وراء هذه التسمية.
وتحضرنى مفارقة فى هذا الصدد تتعلق بكلمة «الانتفاضة».. فعلى عكس «داعش» ذات الرنين الغريب على المجتمع غير العربى والتى رفض الإعلام الغربى استعمالها، فإن نفس الإعلام رحب باستخدام كلمة «انتفاضة» عوضا عن كلمة Uprising وهى ترجمة دقيقة لها.. لأن uprising لها معانى إيجابية كبيرة ومحملة بمشاعر رومانسية على المستوى الغربى والعالمى بوجه عام، بينما كلمة «انتفاضة» تجعلها شيئا غريبا على المستمع غير العربى ولا ترتبط فى ذهنه بأى قيم إنسانية أو مشاعر نبيلة مثل كلمة Uprising التى ارتبطت بالنضال الأوروبى ضد الاحتلال النازى والفاشى.. وقد قاد اللوبى اليهودى حملة فى هذا الشأن تهدف إلى عدم استعمال كلمة Uprising عند الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية... ونجح فى ذلك دون جهد نظرا لسيطرته الواسعة على هذا المجال... فرح الفلسطينيون أو كثير منهم متصورين أنهم أجبروا الإعلام الغربى على إدخال الكلمة العربية فى قاموسهم ولم ينتبهوا إلى ما وراء ذلك من أهداف.. وقد نجح الإعلام المعادى أيضا فى إدخال كلمة السلفيين والجهاديين Salafist and Jihadist فى رطانة مصطلحاتهم وربطهما بالأعمال الإرهابية الإجرامية حيث أصبحت من الكلمات الرديئة سيئة السمعة.
وليسمح لى القارئ بشىء من الاستطراد البسيط فى هذا السياق، فإننى أذكر أن الرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون، فى بداية ولايته الأولى أوفد ويليام سكرانتون محافظ بنسلفانيا للقيام بزيارة استكشافية للشرق الأوسط لتقصى الحقائق ورفع تقرير بتوصياته، وقد جاءت توصياته صادمة لإسرائيل واللوبى اليهودى إذ أوصى بوجوب اتخاذ الولايات المتحدة سياسة أكثر توازنا بين الجانبين.. العربى والإسرائيلى.. فأصبحت بعد ذلك عبارة even handed policy التى استخدمها سكرانتون «عبارة قذرة» يجب أن يتجنبها أى سياسى حصيف أو أى أمريكى يطمع فى الترشح لمنصب عام.. كما تلا ذلك اختفاء سكرانتون من الفضاء السياسى والإعلامى الأمريكى.
***
لقد كان من قوة الهجمة الإعلامية العالمية على الإسلام أن أصبحت الدول الإسلامية نفسها أو فلنقل الحكومات تتردد فى أن تصف نفسها بالإسلامية أو أن تصبح كلمة الإسلام لها أى صلة باسم الدولة..
فعندما حاول د/ إحسان أوغلو أمين عام المنظمة فى عام 2006 تغيير اسم المنظمة ضمن تغييرات كثيرة أخرى أحدثها مثل تعديل الميثاق وإعداد خطة عمل عشرية لتنشيط المنظمة واستحداث مجالات جديدة لم تستطع اقتحامها من قبل مثل حقوق المرأة وحقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية، واجهته صعوبات لم يكن يتوقعها.. فلم نكن نتوقع أن تغيير اسم المنظمة واختيار اسم بديل عن «منظمة المؤتمر الإسلامى» باعتبار أن كلمة المؤتمر توحى بمهمة مؤقتة مرتبطة بانعقاد المؤتمر وانقضائه، لم يكن يتوقع أن تثير كل هذا الجدل.
فعندما اقترح اسم «منظمة الدول الإسلامية» على غرار جامعة الدول العربية أو اتحاد الدول الإفريقية، اعترضت معظم الدول بعضها لأسباب قديمة أو داخلية أو واقعية مثل اعتراض نيجيريا نظرا لوجود أعداد ضخمة من المسيحيين فى نيجيريا يصعب قبولهم وصف دولتهم بالإسلامية، كما أن دولة مثل لبنان لديها تحفظات وأسباب حقيقية للاعتراض، ولكن المدهش أن الاعتراض كان أيضا من دول ليس لديها مثل هذه الاعتبارات، ولكن كانت مخاوفها تدور حول «تهمة» انتمائها لمنظمة دول تسمى نفسها «دولا إسلامية».. إلى هذا الحد وصل الاجتياح الرهيب للعقول من جانب الإعلام الموجه.
من حسن الحظ استقر الأمر على اختيار اسم «منظمة التعاون الإسلامى» وهو الذى مكنها من الاحتفاظ بنفس الحروف والاسم المختصر O.I.C الذى استقر فى الأذهان لعقود أربعة.

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات