العبور السياسى الأول - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 29 مارس 2020 7:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

العبور السياسى الأول

نشر فى : الأحد 16 أغسطس 2015 - 8:15 ص | آخر تحديث : الأحد 16 أغسطس 2015 - 8:15 ص

فى مصر، يوصف عادة كل مشروع اقتصادى كبير بأنه «العبور» الثانى أو الثالث وهكذا. من هم فى منتصف الثلاثينيات مثلى يتذكرون جيدا كم مرة طلب منهم فى موضوعات التعبير والتذوق الفنى الكتابة أو الرسم عن مشروع توشكى، أو عن مشروع الدلتا الجديدة أو شرق العوينات إلى آخر القائمة. مع كل مشروع كانت ترتفع التوقعات وتمضى الأفراح بلا رقيب أو حسيب، ثم يخفت الزخم تدريجيا حتى تختفى آثار المشروع ويعود الإحباط ليضرب الشعب من جديد.

تذكرت ذلك وأنا أرى الأفراح العارمة تضرب مصر بسبب مشروع قناة السويس الأخير وسألت نفسى كيف يمكن تجنب مصائر مشابهة للأمس القريب؟ فى تقديرى أن السبيل الوحيد هو أن نقتنع جميعا أنه لا مجال للتنمية أو للإصلاحات الاقتصادية القابلة للاستدامة دون أن يقترن ذلك بإصلاحات سياسية واسعة وجذرية تتجاوز حالة التأميم السياسى الذى تصر عليه أجهزة الدولة ومعها نفر من النخب التى تصر على العيش فى أزمنة مضت لم تعد ملائمة لكل التغيرات العنيفة التى شهدناها على مدى السنوات القليلة الماضية.

***
هل يكره البعض لفظ «الديموقراطية» لأنه يعتقد أنه مرتبط بأجندات غربية أو مؤامرات عالمية؟ حسنا، دعنا نَقُل إننا فى حاجة إلى «عبور سياسى» إن تم سيكون الأول فى تاريخ الجمهورية. هل هذا اللفظ أكثر ملاءمة؟ هل يرضى غرور أجهزة الدولة والنخب التى تريد إثبات أنها انتصرت على «الديموقراطية الغربية» المرتبطة بالمؤامرات وحروب الجيل الرابع التى تحولت بأعجوبة فى خلال شهور إلى حروب الجيل الخامس وربما السادس قريبا؟ لا بأس، المهم أن نبدأ.

نبدأ فى ماذا؟ نبدأ فى إجراءات إصلاح سياسى وأمنى عاجل وجذرى يعبر بنا للحد الأدنى المطلوب واللازم للاستقرار ومن ثم للتنمية والإنجاز. لماذا نحتاج هذا الإصلاح؟ الإجابة بسيطة، فى كل مشروع من المشروعات العملاقة التى ذكرتها فى بداية هذا المقال، كان ينسب إنجاز الافتتاح لشخص الرئيس مع التغنى بعبقريته وإيمانه وعظمة مصر، تمر الأيام وينشغل الرئيس بعشرات المهام الأخرى الموكلة إليه، يترك مهمة المتابعة لمستشاريه وهم بالضرورة يتركوا المهمة لمن هم أدنى منهم فى المرتبة الوظيفية. تخفت أضواء الإعلام عن المشروع، فيختفى الاحتفاء المبالغ فيه من الجميع، فيترك المشروع لمصيره المحتوم. فبدون وجود رقابة مؤسسية وبرلمانية والتى هى بدورها نتيجة لانتخابات تُفصَّل على مقاس المرضى عنهم من الأجهزة يأتى برلماننا ضعيفا وتابعا للسلطة التنفيذية، وبدون وجود محاسبة شعبية والتى هى بدورها نتيجة لحملة نفسية إعلامية تُشنُّ على الشعب وقت اللزوم لإفقاده الثقة بقدرته على المحاسبة والمتابعة لأن «العين متعلاش على الحاجب». كما أنها نتيجة لعدم تمكين الشعب من أدوات المحاسبة والرقابة بسبب انشعاله اليومى بتأمين حد الكفاف من الحياة. يتغول المسئولون فى عزبهم الخاصة بلا حسيب ولا رقيب. ولأن النظام السياسى كله مبنى على آلية «الزبائنية» والتى تجعل من مؤسسات التشريع والنيابة الشعبية على المستويات القومية والمحلية بوتقة للتوظيف والاستثناءات وتحصيل الخدمات والمنافع من موارد الدولة، كما أنه مبنى على ثقافة الخنوع للكبار كشرط أساسى لأكل العيش والترقية، فيتحول المشروع العظيم مع مرور الوقت إلى كيان بيروقراطى مترهل تُحصَّل منه المصالح الخاصة لا العامة ثم يموت تدريجيا.

بعبارة أخرى، فالإصلاحات السياسية هى شرط للمتابعة والرقابة والمحاسبة والإدارة المحترفة التى تنتج ما يعرف بالتنمية المستديمة فى إطار الحوكمة، ومن ثم هى الطريق الوحيد الضامن استمرارية المشاريع الكبرى وقدرتها فى التأثير على الاقتصاد الكلى للبلاد. وبغير ذلك لن نجنى ثمار مشاريعنا طويلا. ما الذى يمكن فعله إذن الآن؟ فى تقديرى هناك الكثير الذى يمكن فعله رغم أن الوقت قد فات للأسف على بعض الإجراءات الأخرى التى كان من الممكن اتخاذها فى أوقات سابقة. فقد فات الوقت مثلا على إصلاح قوانين الانتخابات البرلمانية، لكنه لم يفت فى نقاط أخرى مازالت متاحة، وهذه الإجراءات يمكن تقسيمها لإجراءات بناء الثقة، وأخرى للإصلاح القانونى والدستورى، وثالثة للإصلاح المؤسسى.

***

فأما على مستوى إجراءات بناء الثقة، فيمكن البدء فورا فى إجراءات علنية وشفافة للإفراج عن أربعة آلاف معتقل كخطوة أولى نحو بناء الثقة ورأب الصراعات فى المجتمع. هذا يمثل تقريبا نسبة ١٠٪ من المعتقلين فى السجون، مع التركيز على الشباب والنساء والمرضى ممن لم يثبت تورطهم فى ارتكاب هجمات إرهابية، مع اتخاذ اجراءات فورية لإنهاء معاناة عائلات المعتقلين فى زيارة ذويهم فى السجون. وفى نفس هذا المستوى من الإجراءات يتم تشكيل لجنة تحقيق مستقلة من جمعيات حقوق الإنسان المستقلة بالتعاون مع المجلس القومى لحقوق الإنسان وتوفير كل السبل لزيارة كل سجون مصر وخصوصا تلك التى يتم الإبلاغ عن وجود انتهاكات فيها مع إتاحة الفرصة لهذه اللجنة للاستعانة بالأطباء المختصين وأهالى بعض المبلغين عن وجود انتهاكات بشأن ذويهم وإعلان النتائج للرأى العام فى خلال شهر من بدء العمل.

أما على مستوى الإصلاح القانونى والدستورى، فلابد لمؤسسة الرئاسة أن تراجع كل القوانين التى صدرت عنها فى غيبة البرلمان وبها شبهة عدم الدستورية ولاسيما قانون التظاهر والقوانين التى صدرت بخصوص تنظيم الجامعات. هذه المراجعة لا يكفى أبدا أن تكون مقتصرة على أعضاء لجنة الإصلاح التشريعى، ولكن يجب أن تشمل بعض أعضاء الجمعية التأسيسية التى عدلت دستور ٢٠١٢ (المعرف إعلاميا باسم دستور ٢٠١٤)، لمعرفة ما دار فى مناقشاتهم وكتب فى محاضر جلساتهم بخصوص تلك القوانين غير الدستورية.

وأخيرا وبخصوص الإصلاحات المؤسسية، فلا يخفى على أحد وضع مؤسسات العدالة، وتحديدا مؤسستى الداخلية والقضاء، والمطلوب ببساطة هو التوقف عن الإسهاب فى إعلان حظر النشر فى القضايا التى تخص بعض المخالفات والانتهاكات المنسوبة لبعض أفراد هذه المؤسسات. فالشفافية فى محاسبة المخالفين للقانون فى أى مؤسسة من هذه المؤسسات هو بداية الإصلاح الحقيقى بها، مع مراجعة قواعد التعيين فيها، ووضع برامج للارتقاء بمستوى أعضائها. كما لابد للداخلية أن تتحمل مسئولية المختفين قسريا بعد أن ثبت أن بعضهم على الأقل كان فى حوزة مؤسسات تابعة للشرطة المصرية وقت اختفائهم مثل المعتقلة إسراء الطويل وزملائها.

وفى هذا الإطار فلابد من الدعوى إلى منتدى تحت إشراف مؤسسة الرئاسة أو مجلس الوزراء للعلاقات المدنية الأمنية ينعقد بشكل دورى ويشمل ممثلين من المؤسسات المدنية المختلفة من أحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدنى والجامعات المصرية وخصوصا دارسى ومتخصصى العلاقات والمنظمات الدولية وحقوق الإنسان وغيرها من تخصصات وثيقة الصلة بالعمل السياسى والعام، مع ممثلين من أجهزة الأمن المصرى المختلفة بما فيها جهاز المخابرات العامة، فضلا عن ممثلين من مؤسسة الجيش فى إطار حوارى وليس إملائى للتناقش حول قضايا الأمن القومى وحقوق الإنسان وحقيقة المؤامرات وحجمها الحقيقى وسبل مواجهتها، فضلا عن التباحث حول قضايا أخرى أكثر حساسية مثل العلاقات المدنية العسكرية وكيفية خلق توازن بين المكونين الأمنى والمدنى فى مؤسسات صنع القرار، مع وضع رؤية لبرامج التعليم وتبادل خبرات مدنية عسكرية تسهم فى خلق أرضية مشتركة نحو الفهم والاحترام المتبادل بعيدا عن الصور الذهنية السلبية. ويمكن لأكاديمية ناصر بالتعاون مع أقسام العلوم السياسية فى الجامعات المصرية تنفيذ مثل هذه البرامج أو حسب ما يتوصل إليه المنتدى والذى يجب أن تكون جلساته دورية وبأمانة تنفيذية مشتركة من شخصيات مدنية وأمنية/عسكرية.

***

هذه الأفكار وغيرها أتصور أنها يجب أن تكون مطروحة للنقاش الجدى على مائدة صناع القرار فى مصر. قد يضاف إليها أو يحذف منها ولكن بدون توافر إرادة سياسية وفهم حقيقى أنه لا يمكن لمصر أن تواصل ما يوصف بعبوراتها العسكرية والاقتصادية، دون التفكير فى عبور سياسى حقيقى يخرجها من أزمة الانسداد السياسى العميقة التى تمر بها. هذه ليست أفكار نظرية أو منبتة عن الواقع، ولكنها تجارب بلاد مرت بظروف متشابهة وتحتاج إلى فكر سياسى مختلف فى مصر، فهل نجده؟

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر