عن إسرائيل و«غزواتها» العربية:هل أسقطت فلسطين من الذاكرة؟ - طلال سلمان - بوابة الشروق
الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 6:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

عن إسرائيل و«غزواتها» العربية:هل أسقطت فلسطين من الذاكرة؟

نشر فى : الثلاثاء 18 يونيو 2019 - 10:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 18 يونيو 2019 - 10:30 م

منذ الخمسينيات، أى مباشرة بعد إقامة الكيان الصهيونى على أرض فلسطين العربية فى العام 1948، بالتأييد الدولى الكاسح الذى جمع بين المعسكرين المتصارعين، الولايات المتحدة الأمريكية (ومعسكرها الغربى بعنوان بريطانيا وفرنسا.. إلخ) والاتحاد السوفيتى (الذى كان شيوعيا وقد زاده الانتصار فى الحرب العالمية الثانية نفوذا وقوة..)

منذ الخمسينيات وقبلها بقليل وبالتزامن مع نكبة فلسطين بدأ التخطيط الغربى، وهذه المرة بالقيادة الأمريكية، لإعادة الهيمنة على المنطقة العربية، لا سيما المشرق، بما فيه مصر (الملكية، آنذاك..)

هكذا تم إنجاح أول انقلاب عسكرى فى سوريا بقيادة «الفيلد ماريشال» حسنى الزعيم، لضرب الحكم الاستقلالى الذى كان الوطنيون قد نجحوا فى إدارته، بعد خروج قوات الانتداب الفرنسى من سوريا، التى لم تهدأ انتفاضات شعبها منذ معاهدة سايكس ــ بيكو (1918) التى كان سبقها وعد بلفور (1917) لتقاسم المنطقة (المشرق) وإقامة الكيان الصهيونى فى فلسطين.

وكان ذلك الانقلاب أول حضور علنى للنفوذ الأمريكى، لأن الهدف الفعلى منه كان تمرير خطوط أنابيب النفط السعودى إلى الشاطئ الفلسطينى، الذى استبدل فى آخر لحظة بمنطقة الزهرانى حيث أقيمت مصفاة التابلاين.

ولسوف تتوالى الانقلابات العسكرية فى سوريا بتأثير الضغوط، عربيا، ودوليا، حتى إقامة دولة الوحدة (الجمهورية العربية المتحدة المشكلة من مصر وسوريا بقيادة جمال عبدالناصر)، وكان فى جملة مقاصدها إضافة إلى تحقيق الحلم القومى التصدى لمشاريع الأحلاف الغربية التى كان الغرض منها إعادة استرهان المنطقة العربية جميعا (مشروع أيزنهاور، حلف بغداد، مشروع الشرق الأوسط الجديد.. إلخ).

نجحت الضغوط الدولية (والعربية) بفك عرى الوحدة بالانفصال، وعودة سوريا إلى النفوذ الدولى (سبتمبر 1961)، وتوالت فيها الانقلابات العسكرية حتى وصول قائد سلاح الطيران اللواء حافظ الأسد إلى سدة الرئاسة واستمراره فيها حتى وفاته فى صيف العام 2000 حيث نصب نجله الدكتور بشار الأسد رئيسا.. وهو ما زال فى سدة الرئاسة حتى اليوم برغم ما شهدته وتشهده سوريا.

سوريا من حرب داخلية وحروب عليها من الخارج القريب (تركيا وفلول داعش) والخارج البعيد (زرع قوات أمريكية «رمزية» فى شرقها وشمالها..)

مع ذلك فقد شاركت سوريا مصر فى صد الحرب الإسرائيلية ضدها، وخسرتاها معا.

***
ولسوف يغيب عبدالناصر، ثم تحارب مصر وسوريا فى أكتوبر ١٩٧٣ وبعدها يزور أنور السادات القدس المحتلة.. وكانت مفاجأة مذهلة للإسرائيليين قبل العرب، ثم الوقوف خطيبا أمام الكنيست.

بعد تلك «الزيارة» ستفتح صفحة جديدة فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، وسيكون عنوانها مقاومة الاحتلال الإسرائيلى لجنوب لبنان، وهو قد باشره بذريعة صد المقاومة الفلسطينية التى كانت قد استقرت هناك (قيادة ومنظمات فدائية وجيش تحرير فى لبنان) محاولة أن تتخذ من بعض مناطقه الحدودية مع فلسطين المحتلة منطلقا لعملياتها ضد جيش احتلالها كما ضد المستعمرات القريبة.

ولسوف تحتل القوات الإسرائيلية بعض الجنوب، حتى مصب الليطانى قبل صيدا بقليل فى العام 1978، بذريعة إبعاد المقاومة الفلسطينية عن الحدود..

بعد ذلك سوف تنشأ المقاومة الإسلامية فى لبنان (حزب الله) بدعم علنى من إيران ورعاية سورية واحتضان شعبى فى لبنان، لا سيما فى جنوبه..

ولسوف تخوض هذه المقاومة معارك باسلة، استشهد فيها نخب من المقاومين، كما اضطرت قوات الاحتلال إلى التراجع فى بعض المناطق، قبل أن تقرر الجلاء التام عن الأرض اللبنانية فجر السابع عشر من مايو العام 2000.

على أن العدو الإسرائيلى سوف يحاول الانتقام وذلك بأن شن حربا شاملة، جوا وبحرا وبرا على لبنان، صيف العام 2006، لكن المقاومة صمدت لحربه، معززة بالتأييد الشعبى، وأسقطت أكثر من طائرة حربية كما قصفت مدمرة إسرائيلية قبالة الشاطئ اللبنانى غير بعيد عن العاصمة بيروت، وإن حاول العدو تدمير القواعد الخلفية للمقاومة فى البقاع وعلى امتداد طريق الشاطئ بين طرطوس والمرافئ اللبنانية، لا سيما بين بيروت والجنوب.

***
خلاصة الكلام أن إسرائيل التى أقيمت، بتواطؤ دولى عنوانه التآمر على مستقبل الأمة العربية، قد استطاعت ــ تحت الرعاية الأمريكية، وبفضل التخاذل العربى ــ أن تخترق العديد من العواصم العربية البعيدة عن فلسطين: مثل إمارة قطر التى ذهبت إليها طلبا للحماية من الاجتياح السعودى (كما يزعم أميرها وأتباعه..) بعد الأردن، الذى لحق بمصر فى توقيع معاهدة صلح، وقبل دولة الإمارات التى يتباهى نتنياهو بأنه نال وعدا من مسئوليها بفتح قنصلية فيها، وقبل سلطنة عمان التى زارهاــ فجأة ــ فاستقبله فى عاصمتها مسقط السلطان قابوس، بغير مناسبة أو تبرير أو «شراكة فى الحدود».

إن الكيان الإسرائيلى الذى أقيم بالحرب، بعد ضمان الرعاية الدولية التامة لمشروعه، منذ وعد بلفور فى نهايات القرن العشرين (1917) ، لا يمكن أن يستمر إلا بالحرب، والتاريخ شاهد: بعد سنوات قليلة من إقامة هذا الكيان، بالحرب، وفى العام 1954، قام بأول عدوان مسلح على مصر.. وفى خريف العام 1956 شارك مع بريطانيا وفرنسا فى العدوان الثلاثى على مصر، وفى 5 يونيه 1967 شن الحرب على مصر ومعها سوريا، فاحتل منطقة قناة السويس وسط ملحمة عظيمة فى بور سعيد، كما احتل هضبة الجولان فى سوريا، وتلال كفرشوبا فى جنوب لبنان.. بعدما كان احتل معظم الجنوب بدعوى مواجهة المقاومة الفلسطينية، ووصلت قواته إلى مشارف صيدا.

***
إسرائيل لم تدخل عصر السلام أبدا، فبعد سنة من معاهدة كامب ديفيد مع مصر، اجتاحت قوات العدو جنوب لبنان واحتلت معظم أرضه مع بعض البقاع الغربى..

ولم يتم جلاء قوات الاحتلال الإسرائيلى عن الأرض اللبنانية إلا بفضل المقاومة البطولية للمجاهدين إلا فى 17 مايو العام 2000.

لكن هذا العدو سيعود إلى الحرب ضد المقاومة فى لبنان فى صيف العام 2006، لتلحق به شر هزيمة، وإن كان قد أصاب بغارات طيرانه وقذائف مدفعيته لبنان بدمار خطير شمل العديد من قرى الجنوب ومدنه فضلا عن ضواحى بيروت الجنوبية ومعظم طرق المواصلات فى مختلف أنحاء لبنان.

***
إن الكيان الإسرائيلى الذى أقيم بالتآمر الدولى جاء إلى فلسطين بالمتطوعين اليهود الذين جندهم فى الحرب العالمية الثانية، ثم وفر لهم السلاح الثقيل وشبكات مخابراته الدولية..

وإن بعض الأنظمة العربية قد انخرطت فى هذا التآمر، وقفزت من فوق «القضية المقدسة» فلسطين، لتعترف بالكيان الإسرائيلى بل وتوثق علاقاتها به إلى حد التآمر معه على سائر العرب.

إنها مرحلة مهينة فى التاريخ العربى الحديث، تذكر بمرحلة الاجتياح الغربى تحت راية الصليب (الحروب الصليبية)، واحتلت خلالها العديد من العواصم العربية.. لكنها اندحرت وخرجت فلولها من هذه الأرض مهزومة، بعد مائتى سنة، بتوقيت القرن الخامس عشر..

وليس من الإفراط فى التفاؤل النظر إلى خريطة الوطن العربى مستقبلا من دون أن نجد فيها هذه الدولة التى قامت بالحرب وبالحرب سوف تزول.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات