بئر الحرمان - محمود قاسم - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2020 10:41 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

بئر الحرمان

نشر فى : الجمعة 18 سبتمبر 2020 - 8:50 م | آخر تحديث : الجمعة 18 سبتمبر 2020 - 8:50 م

من اليوم سوف تتغير آلية فهم نصوص السينما التى وقفنا أمامها مشدوهين، ويجب إعادتها إلى أصولها، وذلك بعد الصدمة التى توصلنا إليها عند معرفة العلاقة بين فيلم «السفيرة عزيزة»، والفيلم الأمريكى «الرجل الهادى». اليوم اكتشفنا العلاقة الوثيقة بين الفيلم المصرى «بئر الحرمان» لكمال الشيخ، 1969 وفيلم «ثلاثة وجوه لحواء» إخراج نونالى جونسون 1957، المشكلة أن الفيلم المصرى مستوحى من رواية قصيرة منشورة فى كتاب عام 1962 كتبه إحسان عبدالقدوس، أعدها للسينما نجيب محفوظ، وكتب السيناريو والحوار يوسف فرنسيس، الفيلم حول ظاهرة الانفصام فى الشخصية، والذى كان جديدا على التناول فى السينا المصرية فى تلك الفترة، وقد عاد محفوظ إلى نفس الموضوع مرة أخرى فى فيلم كتبه بعد أربع سنوات باسم «ذات الوجهين» إخراج حسام الدين مصطفى.
عشت نصف قرن تقريبا، منذ شاهدت الفيلم للمرة الأولى متصور أننى أمام فيلم مصرى الصناعة حتى شاهدت الفيلم الأمريكى الأسبوع الماضى، وكنت تناسيت التهكم الشديد الذى أطلقه الشباب فى تلك الأيام من أفيش الفيلم؛ حيث قام المصمم المصرى بسرقة أفيش فيلم بريطانى مهم كان يعرض فى تلك الآونة باسمه التجارى «هروب من القدر»، إخراج جون شيلزنجر، وقام بتبديل وجه النجمة جولى كريستى، ووضع وجه سعاد حسنى، بالمقاييس نفسها، وكان ليس أمام الشباب سوى التهكم، لأن الأمر اسمه سرقة «علنية»، ربما من الإعلان أو العلن، فالأفيشات فى الشوارع، أما اكتشاف الاقتباس فيتم فى صالات العرض المغلقة.
الفيلم الأمريكى، مأخوذ عن قصة حقيقية دارت فى النصف الأول من الخمسينيات، وفى مصر كتب عبدالقدوس عام 1962 رواية غريبة للغاية باسم «ثقوب فى الثوب الأسود» تدور أحداثها قى قلب إفريقيا حول موضوع الانفصام، وفى مجموعة قصص «بئر الحرمان» فى العام نفسه كان هناك أكثر من عمل أدبى يحمل نصوصا تدور فى عيادات الأطباء النفسيين منها: «بئر الحرمان»، و«حالة الدكتور حسن»، سرعان ما تهافتت السينما إلى هذه الأعمال.
الحقيقة أن التشابه بين الفيلم الأمريكى والنص الأدبى، والفيلم بالغ الوضوح، فنحن فى الغالب أمام شخصيتين رئيستين، المريضة النفسية، والطبيب، الفيلم من بطولة العبقرى لى ج كوب، وهو أقرب فى تاريخه وأهميته إلى محمود المليجى، وأيضا جوان وود وارد إحدى تلميذات مدرسة الممثل التى أسسها إيليا كازان، وقد كانت فى الفيلم فى أحسن حالاتها، فاستحقت جائزة الأوسكار بجدارة.
التشابه بن النص الأدبى والفيلم الأمريكى أن المريضة المصابة بالفصام متزوجة ولديها أولاد، وفى الفيلم المصرى جعل من نادية فتاة بكر، أما قرينتها ميرفت فهى عاهرة، تذهب مع الرجال فى الليل، وتضاجعهم، وفى الرواية فإن فى حياتها ثلاثة رجال الأول حبيبها الذى سلمت له جسدها، وتركها ليسافر للخارج، وهناك أيضا الزنجى السائق الذى يعرف كل أسرارها ويضاجعها بتخويف، ثم يعود الحبيب من السفر ليستكمل علاقته بها، وفى الفيلم الأمريكى، فإن للمرأة أيضا اسمين هما ايف بلاك، وايف وايت، لاحظ المعنى المتناقض للاسمين، وبالتالى فإن ترجمة عنوان الفيلم الصحيح هو «ثلاثة وجوه لايف»، وبعد أن اكتشف الطبيب النفسى الأمر صار من السهل للشخصية الأخرى الظهور أمام الطبيب، وهى فى الجانب الآخر تصادق الرجال، وتتنقل بينهم، أنها تكره المرأة الأخرى، وكم حاولت أن تقتل ابنتها انتقاما، وفى مرحلة لاحقة فإنها تقوم بإغواء الطبيب الذى يبدو باردا، ونجح فى التصدى لها.
المألوف فى الأعمال كلها هو طفولة المرأة ومشاكلها، وفى الأصل الأدبى، فإن الطبيب يجرى حوارا مع السائق الزنجى يفصح فيه عن كل علاقته الطويلة بناديه، واستغلال ظهور ميرفت فيضاجعها، كما أن الطبيب يحاور الأب الذى يعترف أن زوجته أنجتها بعد سبعة أشهر من لزفاف، بمعنى أنها ليست ابنته، وأن سبب الفصام حين عرفت الفتاة الحقيقة، أما الفيلم الأمريكى ففيه سبب مقارب من طفولة الفتاة، لكنه منح دور البطولة الثانية للممثل دافيد واين فى دور الزوج الذى يلازم امرأته فى كل حالاتها، قد يصفعها بدافع الغيرة على شرفه، لكنه حنون يتحمل المسئولية، ويبعد صغيرته عن بؤرة المشكلات، ويزور زوجته.
الرواية تدور على لسان الطبيب، أما الفيلم الأمريكى فيأتى بعالم نفسى ليكون الراوية، أظنه أحد العالمين الين الفا الكتاب، أما الطبيب المعالج فهو يروى الأحداث، وأعود أكرر أن الممثل هنا كان خارقا مثل كل أدواره التى شاهدتها له
الفيلم الأمريكى لم يخرج كثيرا عن عيادة الطبيب النفسى، عدا أماكن اللهو التى تذهب إليها ايف بلاك، وكذلك الفيلم المصري، الذى أضاف حكاية الخطيب الذى يتخلى عن نادية عندما عرف الحقيقة، ووضع رتوشا عن الرسام، وجعل السائق شخصا مختلفا عن الزنجى، جسده حمزة الشيمى، ولجأ الفيلم الأمريكى إلى حل ساذج، حتى وإن كان علميا، حينما اكتشف أن هناك امرأة ثالثة معتدلة موجودة داخل المرأتين، التى قامت بطردهما من الجسد، وصار عليها أن تستكمل حياتها مع زوجها وابنتها، الآن لا أستطيع أن استمتع بفيلم «بئر الحرمان» إلا إذا قرأت النص الأدبى وبدأت الحكاية بمشاهدة الفيلم.
ملحوظة: فى بداية علاقتى بالقراءة قرأت كتابا ممتعا للأستاذ أنيس فهمى قلاديوس، بعنوان «السينما وعلم النفس»، تناول فيه بالتحليل أفلاما مهمة كثيرة فى هذا الأطار منها: «الرجل ذو الذراع الذهبية»، ولا أعرف لماذا لم ينتبه إليه المشرفون على مكتبة الأسرة طول سنوات.

التعليقات